تربية الأبناء الجمعة 19/4/1437هـ
الحمد
لله خالق الدُّجى والصباح، ومسبِّب الهدى والصلاح، ومقدِّر الغموم والأفراح. عزَّ
فارتفع، وفرَّق وجمع، ووصل وقطع، وحرَّم وأباح. مَلَكَ وقدَّر، وطوى ونشر، وخلق
البشر، وفَطَر الأشباح. رفع السماء، وأنزلَ الماء، وعلَّم آدَمَ الأسماء، وذَرَى
الرِّياح. أعطى ومنح، وأنعم ومدح، وعفا عمَّنِ اجْتَرَح، وداوى الجراح. علم ما كان
وما يكون، وخلق الحركة والسكون، وإليه الرجوع والركون, في الغدو والرَّوَاح.
يتصرَّف في الطول والعرض، وينصب ميزان يوم العرض: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ, مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ .
أحمده
وأستعينه وأتوكَّل عليه، وأسأله التوفيق لعمل يقرِّب إليه، وأشهد بوحدانيته عن
أدلةٍ صحاح. وأن محمدًا عبده المقدَّم، ورسوله المعظم، وحبيبه المكرَّم، نفديه بالأرواح.
صلى الله عليه وأنعم، وعلى آله وسلم, ما تعاقب الليل والصباح.
أما
بعدُ: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. لما
خلق الله تعالى الخلق جعل من سننه الكونية التناسل وإنجاب الأبناء.
{لِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ
إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
بل
إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإكثار من إنجاب الأبناء, فقد روى معقِل بن
يسار كما عند ابن حبان وغيره قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ إنِّي أصَبْتُ امرأةً ذاتَ حسبٍ وجمالٍ ولكنَّها لا
تلِدُ أفأتزوَّجُها؟ فنهاه, ثمَّ أتاه الثَّانيةَ فقال مثلَ ذلك فنهاه, ثمَّ أتاه
الثَّالثةَ فقال مثلَ ذلك فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (تزوَّجوا الوَدودَ
الوَلودَ فإنِّي مُكاثِرٌ بكم).
ولما
كان الإسلام قد أمر بالإكثار من الذرية فإنه قد أمر أيضًا بالعناية بهذه الذرية,
والحرص أن يكون هؤلاء الأبناء صالحين مصلحين, يخدمون هذا الدين, ويعمرون الأرض,
ويقومون بخلافتها كما أمر الله تعالى.
أيها
الإخوة .. لقد اشتد النكير في الكتاب والسنة
على من ضيع الأمانة التي استرعاه الله إياها, ضيع هذه الرعية التي بين يديه, فلم
يربها التربية الدينية الصحيحة.
أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سيسأل كل واحد منَّا عمن استرعاه الله
تعالى من رعية, جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته).
فليتأكد
كل ولي أمر أن الله تعالى سيسأله عن أبنائه .. سيسأله عنهم, فليعد لذلك السؤال
جوابًا, وليستعد لذلك الموقف بين يدي الله تعالى.
إن
من أولى ما يعتني به الآباء في تربية أبنائهم العنايةُ بجانب التوحيد, فهذا يعقوب
عليه السلام حينما حضرته الوفاة ماذا قال لأبنائه؟ وبماذا أوصاهم في أشد لحظات
حياته؟ لقد أوصاهم بالتوحيد، أوصاهم بعبادة الله وحده لا شريك له, {أَمْ كُنْتُمْ
شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
وهذا
العبد الصالح لقمان يُعلِّم ابنه العقيدة الصحيحة المبنية على التوحيد ، ويحذره من
الشرك الذي هو سبب لخلود العبد في النار، {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا
تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}.
وهكذا
ينبغي لنا أن نتأسى بهؤلاء الصالحين البررة، فنؤصلَ التوحيد في قلوب الأبناء،
ونعرّفهم على معبودهم بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا.
اسأل
نفسك: كم مرة جلست مع ابنك أو بنتك فحدثتهم عن عظمة الله تعالى؟ كم مرة قررت في
أنفسهم معاني التوحيد؟ كم مرة نهيتهم وبينت لهم مظاهر الشرك؟
عباد
الله.. ألا وإن من أهم ما ينبغي أن يغرس في
نفوس الأبناء: تعظيم أمر الصلاة.
وقد
جاء الأمر بذلك صريحًا في كتاب الله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ
عَلَيْهَا}.
وأمر
النبي صلى الله عليه وسلم أولياء الأمور بالعناية بهذا الأمر, وحدد لهم السن التي
يبدؤون فيها تعليم الأبناء الصلاة: (مُروا أبناءَكم بالصَّلاةِ لسبعِ واضرِبوهم
عليْها لعشرٍ وفرِّقوا بينَهم في المضاجع).
وهنا
أمر مهم, وهو أن هذا الأمر النبوي ليس أمرًا للأبناء بالصلاة, وإنما هو أمر
لأولياء الأمور بأمر الأبناء بالصلاة, فمن خالف هذا الأمر من أولياء الأمور وقصر
فيه فلم يأمر أبناءه بالصلاة رغم بلوغهم السابعة فإنه يلحقه الإثم بذلك, لأنه خالف
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
أين
هذا الأمر النبوي ممن يترك أبناءه في فرشهم ينامون, خوفًا عليهم من برد الشتاء,
ولا يخاف عليهم ولا على نفسه من حر جهنم!
أين
هذا الأمر النبوي من أولئك الذين لا يسألون عن أبنائهم ولا يتفقدونهم في أوقات
الصلاة, فترى الابنَ يدور في الشوارع وقت الصلاة أو يجلس في البيت دون أن يكلف
الأب نفسه بأن يقول له حرفين: صلَّ.
أيها
الإخوة.. ثم إن من أهم ما ينبغي على ولي الأمر
العناية به في تربية أبنائه ذكورًا وإناثًا أن يأمرهم بالأخلاق الفاضلة ويحثَهم
عليها, ويكونَ قدوة لهم في ذلك, فتراه في نفسه لا يتكلم إلا صدقًا, ولا يسب ولا
يشتم, ولا تبدر منه زلة تشين المرء, ويعلم أبناءه ذلك, في تعاملهم معه, وتعاملهم
مع الخدم, وتعاملهم مع أصدقائهم وأقاربهم وعموم الناس.
إن
كثيرًا مما نشاهده اليوم من سوء أخلاق بعض الشباب وصغار السن, وكثير مما يشتكي منه
المعلمون والمربون, من أهم أسبابه عدم اهتمام الوالدين بغرس الأخلاق الحسنة في
نفوس أبنائهم.
فيجب
أن يعتني الوالدان بذلك ويصبروا ويصابروا حتى يقطفوا الثمرة.
ومما
يخطئ به بعض المربين أنهم يتغافلون عن أخطاء سلوكية وأخلاقية لصغارهم بحجة أن الابن
صغير, أو يضحكون على تلك الأخطاء, فتستقر هذه الأخطاء في طبع الصغير, أو يظن أن
هذا السلوك الخاطئ أمر يستجلب به ضَحِك والديه وإخوانه, فيصبح جزءً من طبعه, وتصعب
إزالته فيما بعد.
باركَ
اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ
الحكيمِ .. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ
المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة
الثانية
الحمدُ
للهِ على إحسانِه, وأشكرُه على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ
وحدَه لا شَريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه
وعلى آلِه وأصحابِه وإخوانه, وسلمَ تسليماً كثيراً، أما بعدُ:
إن
أمر تربية الأبناء أمر خطير, ومن خطورته أنه قد يكون سببًا في دخول الوالدين
النار!
روى
مسلم من حديث معقل بن يسار –رضي الله عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام :(ما من
عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
ولذلك
أمر الله تعالى باتقاء شر النار .. بالعناية بالأبناء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
وسمى
الله تعالى الأبناء أعداء .. لأنهم قد يلقون بأبيهم في النار: {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
فَاحْذَرُوهُمْ}.
إن
من أهم ما يجب على الأب والأم أن يتعلموا قول: (لا) تجاه طلبات الأبناء والبنات
التي تضر ولا تنفع.
إن
كثيرًا من مشكلات المجتمع سببها أن الآباء والأمهات لم يتعودوا قول (لا) لرغبات
الأبناء والبنات ونزواتهم, فتجد الأب والأم يراعيان نفسيات الأبناء حتى لا تتأثر,
ولو كان الفعل الذي يقومان به خطأً.
تذكر
دائمًا أن غضب الابن منك أهونُ من غضب الله عليك.
أيها
الآباء.. إنكم ــ والله ــ مقبلون على حساب أمام الله (وكلكم مسؤول عن رعيته),
فتذكروا هذه الأمانة, وارعوها حق رعايتها, وتذكروا الحديث الذي في المسند وغيره عن
ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة و السلام : ( كفى بالمرء إثما أن
يُضيّع من يعول).
وأي
إضاعة أعظم من ترك الحبل للأبناء على الغارب؟ وإجابتهم لرغبات أنفسهم فيما حرم
الله؟
ألا
فاتقوا الله أيها المربون, فالأمر خطير جد خطير.
فإن
قال قائل من الآباء أو الأمهات: قد حاولت كثيرًا إصلاح أبنائي فلم يصلحوا.
فيقال:
عليك بذل الأسباب, واستفراغ الوسع في ذلك, ومجاهدة الأبناء في الليل والنهار,
ومتابعتهم, والتحبب إليهم, وترغيبهم وترهيبهم.
وعليك
بالدعاء .. عليك بالدعاء.. اجتهد بالدعاء لهم بالصلاح والهداية والتوفيق, روى ابن
ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثُ
دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ ، ودعوةُ الصائِمِ ، ودعوةُ
المسافِرِ).
وإياك
إياك من الدعاء عليهم ..فقد أخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ دعوةُ المظلومِ ودعوةُ
المسافرِ ودعوةُ الوَالِد على وَلدهِ).
وإن
مما ينبغي أن يحرص عليه الآباء والأمهات المشاركة في الدورات التي تقام في كيفيةِ
تربيةِ الأبناء ومعالجةِ مشكلاتهم والتي تقيمها مراكز التنمية الأسرية ومراكز
الأحياء وغيرها, يقيم هذه الدورات مربون من أصحاب التجارب الناجحة, فشارك واحضر
هذه الدورات, وطبق ما تتعلمه فيها ولو تقدم بك العمر, فإن من الخطأ الاستمرار على
الخطأ.
وختامًا
أكرر عليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية،
يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
اللهم
اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا.
اللهم
أصلح شباب المسلمين وفتياتهم, ودلهم على الحق والدين, واجعلهم هداة مهتدين, غير
ضالين ولا مضلين, اللهم جنبنا وإياهم المحن وسوء الفتن, ما ظهر منها وما بطن, يارب
العالمين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق