حديث أم زرع الجمعة 16/6/1437هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مع زوجه عائشة رضي الله عنها, وكان لدى عائشة رضي الله عنها قصة سمعتها وأرادت أن تقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم, واسمحوا لي أن أنتقل بحضراتكم إلى ذلك المجلس المبارك, وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ينظر إلى الصديقة بنت الصديق, تحدثه حديثًا طويلاً سمعته .. وهو يصغي لها .. وقد ترك مشاغله .. قالت رضي الله عنها في الحديث المتفق على صحته: جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتُمن من أخبار أزواجهن شيئاً: قالت الأولى: زوجي لحمُ جملٍ غث (أي مهزول), على رأس جبلٍ وعر، لا سهلٍ فيرتقى، ولا سمينٍ فينتقى أو فينتقل.
وغرض المرأة من هذا الوصف هو وصف زوجها بقلة الخير مع قلة ذات اليد، وشبهته باللحم الغث الذي لا فائدة منه، أو الذي لا ينتقله الناس إلى بيوتهم، لزهدهم فيه، ومع ذلك هو على رأس جبل صعب, لا يوصل إليه إلا بتعب.
وهذا دليل على سوء خلقه، مع التكبر على عشيرته وأهله.
وفي هذا من الفوائد ذم من كانت هذه صفته, من التقتير على الأهل, والتكبر عليهم, فهذه الصفات مذمومة مكروهة, وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبِهِ مِثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ).
ثم نعود إلى نص الحديث وخبر النسوة الأحد العشر, قالت الثانية: زوجي لا أبثُّ خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عُجره وبُجره.
وقولها: (إن أذكره أذكر عجره وبجره) العُجَر: جمع عُجْرة، وهي العَقْدُ في الأعصاب والعروق المجتمع تحت الجلد.
والبُجَر: جمع بُجْرة، وهي انتفاخ يحصل في البطن والصرة.
وغرضها من قولها: أني لا أنشر خبره كيلا يفتضح.
وفي هذا القول من الفوائد أن الإنسان ينبغي أن لا يُشيع ما يعلمه من سوء لدى الآخرين, بل الستر مطلوب, فقد جاء في الحديث: (من ستر مسلمًا في الدنيا ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ).وجاء في رواية: (من ستر على مؤمنٍ عورةً فكأنما أحيا موءودةً).
 فمن كان يحب أن يستره الله في الدنيا والآخرة فليستر على الناس, ولا يتتبع أخبارهم أو يفضحهم, ويزداد الأمر سوءً عند إشاعة الفضائح دون التأكد منها, خصوصًا مع وجود التقنيات الحديثة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس, فينتقل الخبر بسرعة البرق في فضح مسلم مسكين, قد يكون مظلومًا, أو مذنباً رغب الله تعالى بالستر عليه, وتذكر عندما تأتيك مثل هذه الرسائل .. تذكر : أن هذا الخبر ينبغي أن يموت في جوالك .. فلا تكن جسرًا يعبر به الشيطان للوقيعة بين الناس.
وعودًا على خبر النسوة في حديث عائشة رضي الله عنها: قالت الثالثة: زوجي العَشَنَّق، إن أَنطِق أُطَلَّق، وإن أسكُت أُعلَّق.
قولها (العشنق): تريد به الطويل وقيل الطويل العنق, تريد أن له طولا بلا نفع, ومنظرًا بلا مخبر, فإن نطقت بما فيه طلقها, وإن سكتت تركها معلقة.
وجاء في رواية: (وأنا معه على حد السنان المُذَلَّق)، أي: تعيش معه على شفا جرف هار، فلا اطمئنان على الإطلاق في حياتها مع هذا الرجل، فهذا الرجل بلغ من سوء خلقه أنه لا يتيح لها الفرصة لا لتتكلم، ولا لتسكت، فعلى كلا الحالين إذا سكتت أو تكلمت فإنه سيطلقها، لكن هي تحبه، أو أنها تريد أن تعيش معه لتستر على نفسها.
وكم في البيوت اليوم كهذا العشنَّق .. إذا دخل البيت فلا يحدث أحدًا .. ولا يبتسم .. ولا يريد أن يسمع شيئًا .. فليتقي الله هؤلاء, فإن للأهل حاجة إلى طيب الكلام, وحسن التعامل, أعظم من حاجتهم للطعام والشراب, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا).
قالت الرابعة: زوجي كَلَيلِ تهامة، لا حر ولا قَر، ولا مخافة ولا سآمة.
فهذه المرأة أثنت على زوجها, فهو وسط بين الرجال في أخلاقه, وخير الأمور الوسط.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فَهِد، وإن خرج أَسِد، ولا يَسأَلُ عما عَهِد.
فهذه المرأة شبهت زوجها داخل البيت بالفهد, وخارجه بالأسد, والفهد لين المس، كثير السكون، محب للنوم والتغافل, والمعنى: أنه يتغافل عن أحوال البيت، وإن وجد فيها خللا استحق اللوم به أغضى.
أما إن خرج من البيت فهو كالأسد, مقدام شجاع, يأخذ حقه ولا يغلب.
قال الإمام أحمد: (تسعة أعشار الخُلُق بالتغافل).
ليس الغبي بسيدٍ في قومه *** لكنَّ سيد قومه المتغابي
ة

قالت السادسة: زوجي إن أكل لَفَّ، وإن شرب اشتفَّ، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث.
قولها: (إن أكل لفَّ): تعني به أنه يضم ويخلط صنوف الطعام بعضها ببعض، إكثارا من الأكل.
(وإن شرب اشتف): أي شرب كل ما في الكأس ولم يترك فيه شيئًا.
وقولها: (وإن اضطجع التف): أي نام في ناحية ملتفا بثوبه، لا يضاجعها ولا يتحدث معها.
أما قولها: (ولا يولج الكف ليعلم البث) فقيل أن المراد به أنه لا يسألها عن أمورها ليعلم ما تشتكي فيعينها عليه.
وفي قول هذه المرأة من الفوائد أهمية أن يتفقد الإنسان أهله, وأن يكون لمَّاحًا يعرف ما يشغلهم وما يعانونه من مشاكل, ليعينهم في حلها أو حتى ليواسيهم.
قالت السابعة: زوجي عياياء - أو غياياء - طباقاء، كل داءٍ له داء، شَجَّكِ أو فَلَّكِ، أو جمع كلاً لكِ.
قولها: (عياياء) من العِي وهو الجهل أو التعب, و(غياياء): من الغَي وهو الضلال, (طباقاء): هو المعجم الذي انطبق عليه الكلام, (كل داء له داء): أي فيه كل أدواء الدنيا, (شَجَّكِ): أي يجرح وجهها، (أو فَلَّكِ): أي يكسر عظمها، (أو جمع كلاً لك): أي جمع بين جرح الوجه وكسر العظم.
وكل هذه الألفاظ تعني بها أن زوجها غليظ عنيف, ضرَّاب للنساء.
وضرب الزوجات وإن كان جائزاً إلا أن جوازه في حدود ضيقة, بعد استنفاذ الوسائل الشرعية, من النصح والوعظ والهجر في المضجع, كما قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن}, وأيضًا فإن هذا الضرب لا يكون مبرحًا, وإنما يكون ضربًا لطيفًا للتأديب, بالسواك أو راحة اليد, لتصلها رسالة بأن الزوج غير راضٍ عنها, كما قال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: (واضربوهن ضرباً غير مبرح).
أما خبر المرأة الثامنة فنستمع إليه بعد جلسة الاستراحة بإذن الله.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ: فنكمل ما بدأنا به من ذكر حديث النسوة الأحد عشر الذين قصت قصتهم عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم, حيث قالت الثامنة: زوجي المسُّ مسُّ أرنب، والريح ريح زَرنبٍ.
فأثنت على زوجها بحسن خلقه وطيب ريحه, وحسن ذكره بين الناس, والزرنب نبات طيب الرائحة.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، عظيم الرماد، طويل النَجَاد، قريب البيت من الناد.
(العِماد): عود الخيمة، كَنّتْ بارتفاعه عن شرفه وارتفاع نسبه.
وقولها: عظيم الرماد، كناية عن كثرة ضيافته، وطبخه الطعام للضيوف.
و(طويل النِجاد): أي طويل حِمَالةِ السيف، وهو ما يتقلد به, كَنَّتْ به عن امتداد قامته، وحسن منظره, وشجاعته.
وقولها: (قريب البيت من الناد): النادي: مجلس القوم ومجتمعهم، والكريم يحرص على قرب بيته من النادي ليَظهَر ويُعرَفَ فيُغشى.
قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك، مالكُ خير من ذلك، (أي خير مما ذكرت صويحباتها النساء), له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المِزهَر أيقنَّ أنهنَّ هوالك.
فإبل هذا الرجل قليلاً ما يسرح الراعي بها؛ لأنه يتوقع أن يأتيه الضيوف في أية لحظة فتُذبَحَ له, وهذه الإبل إذا سمعت صوت الشخص الذي يوقِد النار علمت أنها المقصودة بذلك لتطبخ للضيوف.
وكل هذه الأوصاف كناية عن الكرم, وهو من أخلاق الجاهلية التي حث عليها الإسلام وأقر أهلها عليها, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس, ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر صلى الله عليه وسلم.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، وما أبو زرع! أَناسَ من حُلِيٍ أُذنَي، (أي حرك الأذنين بما كساهما من حلي) وملأ من شحمٍ عضُدي، وبجَّحني فبجِحَت إليَّ نفسي (أي أكرمني وعظَّمني فعَظُمتُ عند نفسي)، ووجدني في أهل غُنيمةٍ بشَق، فجعلني في أهل صهيلٍ، وأطيطٍ، ودائسٍ، ومُنَقٍ، (أي أنها كانت عند أهلها الذين يسكنون في مكان ضيق ولديهم غُنيمات يسيرة, فنقلها إلى قومٍ أهلِ خيل وإبل وزرع وسعة من العيش), قالت: فعنده أقول فلا أُقبَّح، وأرقد فأتَصَبَّح، وأشرب فأتَقَمَح.
أي أنها تقول ما تريد ولا يرد قولها أويقال لها: قبحكِ الله, وتنام حتى تشبع, وتشرب من الماء أو اللبن حتى تشبع.
قالت: أم أبي زرعٍ وما أم أبي زرع عُكُومُها رَداَح, وبيتها فَيَّاح.
(عكومها رداح): أي أن الأكياس التي تحفظ فيها الطعام واسعة كبيرة, وهي كناية عن سعة العيش والكرم, (وبيتها فياح): أي واسع.
قالت: ابن أبي زرع وما ابن أبي زرعٍ! مضجعه كمَسَلِّ شَطْبةٍ، ويُشبِعُه ذراع الجَفرة.
كأن الابن هذا من زوجة أخرى والله أعلم, وقولها: (مضجعه كمسل شطبة): أي أن مكان نومه كمساحة مسل الشطبة, وهو ما ينزع من القضبان الدقاق من جريد النخل, كَنَّت بذلك عن خفته ونحالة جسمه مع عضلات مفتولة, وقولها: (ويشبعه ذراع الجَفرة): أي أنه يشبع من الأكل القليل كذراع أنثى الماعز الصغيرة.
قالت: بنت أبي زرعٍ، وما بنت أبي زرعٍ! طَوع أبيها وطوع أمها، ومِلء كسائها، وغيظ جارتها.
فوصفتها بأنها مطيعة لوالديها, ممتلئة اللحم حتى تملأ ثيابها, ومحببة إلى زوجها فتغتاظ منها زوجاته الأخريات.
قالت: جارية أبي زرعٍ، وما جارية أبي زرع! لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تُنَقِّثُ مِيرتنا تَنقِيثَاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً.
فوصفتها بأنها أمينة, تكتم ما يحدث في البيت فلا تنشره بين الناس, وهي جارية مدبرة للطعام لا تبذر فيه, وحريصة على نظافة البيت فلا يشبه عش الطير.
قالت: خرج أبو زرعٍ، والأوطاب تَمخص، (أي في وقت كثرة اللبن, والأوطاب سقاء اللبن), فلقي امرأة معها ولدان كالفَهِدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحتُ بعده رجلاً سَرِيَّاً، (أي شريفًا), ركب شَرِيَّاً (أي فرساً سريعًا)، وأخذ خَطِيَّاً (هو الرمح)، وأراح علي نَعَماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحةٍ زوجاً! (أي أعطاها مالاً وفيراً), وقال: كلي أم زرعٍ وميِري أهلك (أي أطعميهم).
قالت: فلو جمعتُ كل شيءٍ أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
فكأن هذه المرأة لا تنقم على زوجها الثاني شيئاً, إلا أن محبة الزوج الأول قد تمكنت من قلبها, فأين حالها من حال كثير من المطلقات التي لا تبقي مجلساً إلا وتنال فيه من طليقها.
قالت عائشة: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كنت لك كأبي زرعٍ لأم زرعٍ) وجاء في بعض الروايات: (إلا أن أبا زرع طَلَّق، وأنا لا أُطلِق).
فتأمل هذا الأدب النبوي من نبي الله صلى الله عليه وسلم, وحسن استماعه, وتفاعله مع القصة الطويلة, وأدبه الجم, صلى الله عليه وسلم.
فاللهم اجمعنا معه في دار كرامتك, وألحقنا به يا رب العالمين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة