كيف يتغير حال المسلمين ؟ الجمعة 1/7/1437هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا
هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
{ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: لقد كان من سنة الله تعالى أن هيّأ الأسباب
ورتب عليها المسبِبات، فأسباب للمعاش, وأسباب للاستطباب, وأسباب لغير ذلك من شؤون
الحياة، إلا أن أعظم الأسباب ما كان موصلاً إلى مرضاة الله والفوز بثوابه، فمتى ما
أُخِذ بتلك الأسباب التي جعلها الله أسباب نجاة وفلاح كانت نتيجةُ الأمر إلى خير.
ومن أوضح الأمثلة بل من أعظمها وأهمها حال
أمة الإسلام اليوم وما آلت إليه تلك الحالُ من ضَعف ومذلة بعد أن كانت تتبوأُ مكان
العزة والكرامة، تسود ولا تساد، وتقود ولا تنقاد، تأمر بأمر الله فتطاع، وتنهى بنهيه
فلا تعصى، ذلت لها الأمم ودانت لها الدول، وكانت مضرب المثل بين العالم، لا بالقوة
فحسب، بل بالأمن والأمان والعدل والاطمئنان، إلى آل الأمر إلى تغير الأحوال وتبدل المقامات.
إن تغير أحوال المسلمين مرهون بتغيير أنفسهم
إلى ما يرضي الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، فمتى غير المسلمون أحوالهم وأصلحوا
شؤونهم بدّل الله حالهم إلى أحسن حال، ورفع شأنهم وأعلى مكانتهم.
والناظر بعين الاعتبار إلى أحوال الناس قبل
ظهور الإسلام يرى عجائب وغرائب من الجهالات والظلمات التي أضلت الكثير عن طريق
الهداية والرشاد، فالأصنام تدعى وترجى، ومجالس الخمر معمورة صباح مساء، والظلم
مرفوعة رايته وقد تلوثت في أوحاله أقدام الكثيرين.
إن حياة أولئك الأقوام لم تزل في ظلمات الجهل
والفوضى حتى بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فأخرجهم الله به من الظلمات
إلى النور، ومن الذل والمهانة إلى العزة والمكانة، فأمسكوا بزمام الأمور، وتوالت
الفتوحات والانتصارات، ولم يزالوا في رفعة وعزة بسبب تمسكهم بدينهم، ومع تقادم
الزمن بدأ الضعف يدب فيهم بسبب بعدهم عن دينهم، ويزداد ضعفهم أكثر كلما ابتعدوا عن
دينهم أكثر.
وفي هذه الأزمان ازداد ضعف المسلمين, وتكالب
أعدائهم عليهم, ومن أعظم أسباب ضعف المسلمين وقوة عدوهم الإعراضُ عن حكم الله
تعالى، والجهل به في كثير من بلاد المسلمين، حتى أصبح أمر التوحيد غريبًا في كثير
من البلدان الإسلامية، فكيف يرجى النصر والحدود معطلة ؟! وكيف يرجى النصر والقبور
تدعى من دون الله؟! وكيف يرجى النصر ورواد أبواب السحرة والمشعوذين يترددون عليها
صباح مساء؟! وكيف يرجى النصر وقد أضيعت الصلاة في كثير من مساجد المسلمين؟! والله،
إن تلك الأمور أشد فتكًا في المسلمين من أعدائهم.
ومن أسباب ضعف المسلمين أيضًا: الإعجاب
والتبعية المطلقة لأعداء الإسلام ومحاكاتهم في جميع أو أكثر شؤونهم، وكذا العصبية
الجاهلية لجنس أو لون أو لسان.
إن تغيير هذه الحال لا بد له من أسباب، وأعظم
تلك الأسباب: التمسك بالكتاب والسنة منهجًا وعقيدة، ففي ذلك الفلاح كلُّه والخير
كله، فلا فلاح إلا بالأخذ بهما معًا وتحكيمها في جميع مجالات الحياة: (وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران: 132]، (قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31]، وقال -صلى الله
عليه وسلم-: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله
وسنتي".
وبكل حال فالتمسك بالكتاب والسنة من أعظم
أسباب الفلاح في الدين والدنيا، ومن لازِم التمسكَ بهما: محاربة البدع والتحذير
منها، وعدم الغفلة أو التهوين من شأنها مهما صغرت، فإن البدع إذا غُفِل عنها زاد
انتشارها.
ومن أسباب عزة الأمم ورفعتها: الالتفاف حول
علماء الأمة الراسخين في العلم، المعروفين بصلاح المعتقد وسلامة المنهج، فالقرب من
أولئك والاستئناسُ بآرائهم والصدورُ عنها فيه مصلحة عظيمة للأمة وشبابِها، فعلماء
السنة الراسخين هم من أدرى الناس بمعالجة قضايا الأمة، وهم أبصر الناس بمجاراة
واقعها وإيجاد الحلول الناجعة لها.
ومن أسباب تغيير الحال أيضًا إعادة النظر في
تاريخ المسلمين المجيد التليد، لا من باب التسلية والمواساة والتواكل، بل من باب
شحذ الهمم وبعث العزائم، فيتعرف الناس إلى ما كان عليه المسلمون الأوائل من قوة حسِّية
ومعنوية، وكيف كان تمسكهم بدينهم واعتزازهم به حتى دانت لهم الأمم وخضعت لهم
الأعداء، نصروا الله فنصرهم، وأعزوا الإسلام فأعزهم الله به. ووالله، لو نصر
المسلمون ربَّهم لنصرهم ربُّهم، فالله تعالى لا يخلف الميعاد: (إِنْ تَنصُرُوا
اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7]، أما إن كانت الأخرى
(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا
أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38].
ومن أسباب تغيير الحال: الحذر من اليأس
والقنوط وقتل الهمم والعزائم؛ لكثرة ما يُرى ويُسمع من مصاب الإسلام في أي مكان أو
زمان، فعلى المسلم أن يغلق عن نفسه باب اليأس والقنوط بأحكم الأقفال وأوثقها، وأن
يحسن الظن بالله تعالى، وأن يستشعر معاني الآيات المحذّرة والمرهبة من اليأس، (لا
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: 53]، ويقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنَطُ
مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) [الحجر: 56].
ومن أسباب تغيير الحال: استشعار المسؤولية من
كلّ فرد من أفراد المجتمع، وذلك أن يشعر كل واحد من المسلمين -مهما كان موقعه
وشأنه- أنه مسؤول ومساءل، فيبدأ بإصلاح نفسه, ثم إصلاح بيته، ثم تتسع دائرة
الإصلاح حتى تشمل جلساءه وجيرانه ومجتمعه.
وليعلم كل واحد منا أنه على ثغر من ثغور
الإسلام، فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله، فعلى الكاتب منا أن يُسخِّر قلمه لخدمة
الإسلام ونصرته، وعلى التاجر أن يراقب الله في تجارته بيعًا وشراءً، وعلى المسؤول
في أي موقع أن يستشعر مرضاةَ الله في جميع شأنه، وعلى أفراد المجتمع جميعًا
التعاونَ على البر والتقوى، ومن أعظم ذلك بذل التناصح بينهم، وأولى الناس ببذل
النصح المعروفون بالصلاح، فعليهم المبادرة بنشر الخير وبالنصح في المساجد والمحافل
بعلمٍ وحلمٍ ورفق، وعلى كل من منَّ الله عليه بطاعة واجبة أن يبادرَ بنصحِ من قصّر
في تحصيلها؛ فعلى أهل الجمعة والجماعة أن يتفقّدوا بيوتهم وجيرانهم وأصحابهم، فمن
كان مقصّرًا في الصلاة بادروه بالنصح والترغيب في الخير والترهيب من وخيم عاقبة
المعصية، وعلى أهل الأموال الذين حفظوا أموالهم من الحرام أن يناصحوا التجار الآخرين
وأن يذكروهم بالله تعالى, وهكذا يصلح المجتمع بإذن الله تعالى.
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ،
ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ .. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ
اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو
الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رب العالمين, وصلى الله وسلم على
النبي الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعدُ:
فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. ومن أسباب فلاح الأمة: التنبه لمكائد
الأعداء والحذر منها في جميع شؤون الحياة، كل بحسب طاقته؛ ذلكم لأن المكائد إذا غُفِل
عنها فإنها تتنامى وتزداد بحسب تجاهلها وعدم إلقاء البال لها، وفي الوقت نفسه
تتبلّد أحاسيس كثير من الناس تجاهها، ومن ثم يستمرئونها ويتأقلمون عليها.
ومن فلاح الأمة وقوتها: عدم التهويل من شأن
العدو إلى حدّ إدخال الرعب في قلوب ضعاف الإيمان واليقين، وذلك بذكر عدد العدو
وعدته وعتاده بصورة تظهره بمظهر الغالب الذي لا يُقهَر، فهذا مما يعين على فقدان
الشعور، بل مجرد التفكير بالنصر.
إن الهزيمةَ النفسيةَ أعظمُ من الهزيمة
الحسية، فالهزيمةُ الحسيةُ مؤقتة بوقت تزول بزواله، أما المعنوية فتبقى ملازمة
أصحابها أمدًا طويلاً.
فالحذر الحذر من التضخيم والمبالغة في إظهار
العدو، بل الأولى بالمسلم أن يكون سببًا في شحذ الهمم والعزائم وحث النفس على حسن
الظن بالله تعالى، وكذلك على فعل ما يستطاع من الأسباب والوسائل التي تكون عونًا
بعد الله تعالى في هزيمة العدو وكسر شوكته: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60]، فالقوة قوتان: القوة المعنوية بالإيمان قولاً
وعملاً واعتقادًا، والقوة الحسية إعدادًا وتربية.
ومن أسباب النصر أيضًا: التفاؤل والقطع بأن
النصر للإسلام وأهله، كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة التي تدل دلالة واضحة على ذلك:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 33].
وقد ذكر بعض المفسرين عند هذه الآية عددًا من
الأحاديث النبوية المبشرة بظهور الإسلام وعزته، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ثوبان
-رضي الله تعالى عنه- حيث قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله
زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها".
ومن ذلك أيضًا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل
والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو
بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر". أخرجه الإمام أحمد
وغيره عن تميم الداري -رضي الله تعالى عنه-.
فأبشروا وأملوا واعملوا لدينكم وأمتكم, لتنهض
من كبوتها, فلكل جواد كبوة.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وبصفاتك
العلى أن تردّ المسلمين إليك ردًّا جميلاً، وأن تُبصرهم لما فيه صلاح دينهم
ودنياهم.
اللهم ارزقنا العزة بعد المذلة، والكرامة بعد
المهانة, اللهم اهد شباب المسلمين واكفهم شر شياطين الجن والإنس.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا
الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم
ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق