خطبة عيد الفطر 1437هـ الأربعاء 1/10/1437هـ

الْحَمْدُ للهِ المُتَفَرِّدِ بِالجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَالْجَمَالِ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرِ المُتَعَالِ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر, الله أكبر الله أكبر لا اله إلا الله, الله أكبر الله أكبر ولله الحمد, الله أكبر ما سطع فجر الإسلام وأسفر, الله أكبر ما أقبل شهر الصيام و أدبر, الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكر وكبر, الله أكبر عدد ما حمد الله حامد وشكر, الله أكبر عدد ما تاب تائب واستغفر, الله أكبر ما أعاد علينا من عوائد فضله وجوده , ما يعود في كل عيد ويظهر.
الله أكبر كبيرا , والحمد لله كثيراً , وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
أما بعد: فتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .. وعيدكم مبارك .. وكل عام وأنتم بخير ..
ما أَجْمَلَ صَبَاحَ الْعِيدِ! وَمَا أَسْعَدَ أَهْلَهُ الَّذِينَ أَتَمُّوا الْعِدَّةَ، وَأَخْرَجُوا الْفِطْرَةَ، وَوَدَّعُوا مَوْسِمًا عَظِيمًا، قَدْ أَوْدَعُوا فِيهِ مِنْ حُلَلِ الطَّاعَاتِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، فَحُقَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْرَحَ بِهَذَا وَيَبْهَجَ، وَيَعِجَّ لِسَانُهُ بِالتَّكْبِيرِ وَيَلْهَجَ (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. لما خلق الله تعالى الإنس والجن أمرهم بعبادته سبحانه وحده لا شريك له .. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}..
وهيأ سبحانه الجنة لعباده الذين يمتثلون هذا الأمر حق الامتثال .. فيعبدونه حق عبادته .. وأعد النار لمن يخالف هذا الأمر فيعصي أوامر ربه الذي أوجده من العدم وامتن عليه بالصحة والعافية وجميع النعم ..
ولو تأمل الإنسان هذا الأمر لوجد أن النجاة من النار أمر ممكن ومتيسر .. ولذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فقال صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلا من أبى) قالوا : يا رسولَ اللهِ، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنةَ، ومن عصاني فقد أبى).
فدخول الجنة قريب من الإنسان بإذن الله .. لكن دخول النار أيضًا قريب لمن تساهل في طاعة الله تعالى, روى البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجنَّةُ أقربُ إلى أحدِكم من شِراكِ نعلِه، والنَّارُ مثلُ ذلك).
ولما كانت الجنة متيسرة المنال من بني آدم إذا هم أطاعوا ربهم وشملتهم رحمته وعفوه, وكانت هذه الحقيقة ظاهرة واضحة ميسرة, اجتهد الشيطان الرجيم الذي حرم الله عليه الجنة بسبب استكباره عن طاعة أمر ربه.. اجتهد في أن يدخل معه إلى النار من يستطيع .. ويحرمهم من دخول الجنة التي أعدت للمتقين.. {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}.
لما كان ذلك اجتهد الشيطان في تزيين معصية الله تعالى, فأول ما ابتدأ بأبينا آدم وأمنا حواء, فزين لهما أكل الشجرة التي نهاهما ربهما عن أكلها, فلما أكلاها انكشفت عوراتهما ثم أهبطا من الجنة عقوبة لهما على معصية ربهما.
واستمر الشيطان في تزيين المعاصي لبني آدم من بعده .. وأصبح يطرح المعاصي بأشكال وألوان متجددة محببة للنفوس, لتقبل عليها, وتعصي ربها, فتضل وتخسر, وأصبح مشروعه في الحياة إغواء الجن والإنس ليملاً بهم جهنم.
ولذلك حذرنا الله تعالى من الشيطان أشد التحذير لأنه مفسد أشد الإفساد: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
تبع إبليس خلق كثير من الجن والإنس .. فأصبحوا حزبًا للشيطان.. فوصف الله هذا الحزب: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
فليتأمل كل منا أيها الأحبة: هل هو من حزب الرحمن أم من حزب الشيطان؟
لما اجتمع لإبليس حزب وجماعة .. انتخب منهم واصطفى فئة يعينونه في مهمته.. سمى الله تعالى هذه الجماعة والفئة بشياطين الجن والإنس: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}.
أصبحت هذه الفئة من الناس تقوم بمهمة الشيطان .. فتزين المعاصي.. وتعين الناس على سلوك طريق جهنم .. فأمر الله تعالى بالاستعاذة {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.
انتهجت هذه الفئة الضالة طريقين لجر الناس إلى جهنم: الطريق الأول هو طريق الشبهات, والثاني: طريق الشهوات.
فأمَّا طريق الشبهات فسلكوا في سبيل ذلك طرقًا عدة, فتارة عن طريق تزيين العقائد الباطلة والمنحرفة, وأخرى عن طريق تزيين البدع والمحدثات, وثالثة عن طريق تزيين التشدد في الدين والغلو فيه, ورابعة عن طريق تزيين فكر التكفير والتساهل فيه, وهكذا, حتى يصل الحال بالبعض أن يكفر بالله تعالى ويصبح ملحدًا لا دين له, أو يصل به الحال أن يقتل والديه أو يفجر في حرم الله يظن أنه يتقرب لله تعالى بذلك.
وهذه الفئة التي تشكك الناس في دينها لا تبدأ في دعوة الناس إلى الباطل مباشرة .. وإنما تنتهج نهج التدرج.. فتخلط أولاً باطلها بشيء من الحق.. ثم تبدأ بالبحث عن أدلة شرعية توظفها في غير محلها.. وتستغل العواطف وتدعو الناس إلى التحرر ونبذ الجمود والاستقلالية في التفكير وما إلى ذلك, فتنطلي هذه المصطلحات الرنانة على قليل البضاعة الشرعية ــ وإن كان لديه علم دنيوي ــ, فيبدأ في الحديث عن مسائل شرعية كبيرة, ويبدي وجهة نظره فيها, وكثير منهم لديه أخطاء في وضوئه وصلاته وجهل كبير في مسائل فقهية يسيرة يحتاجها كل يوم, وفي نفس الوقت يناقش مسائل عظمى تحتاج نظرًا في الأدلة, وجمعًا لها وبحث الصحيح من الضعيف, والناسخ من المنسوخ, والمطلق من المقيد, وما إلى ذلك من مسائل تخفى على كثير من العلماء فضلاً عن طلبة العلم.
والتعامل الأمثل مع مسائل الشبهات أولاً بأن لا يرخي الإنسان سمعه لأي شخص يطرح شبهة من الشبه, {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}, وقال ابن القيم رحمه الله: (قال لي شيخ الإسلام ــ رضي الله عنه ــ وقد جعلت أورد عليه إيراد بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها) قال رحمه الله: (فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك).
ومن أهم ما يتعامل به الإنسان مع الشبهات أن يتسلح بالعلم الشرعي, فيتعلم علوم الشريعة ويقبل عليها, ويسأل أهل العلم فيما أشكل عليه, {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
أما السبيل الثاني من سبل الشيطان وأتباعه في إغواء بني آدم فنتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة بإذن الله تبارك وتعالى.
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم, إنه هو العفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على النبي الأمين, وعلى آله وصحبه والتابعين, وبعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..أما السبيل الثاني من سبل الشيطان وأتباعه في إغواء بني آدم فهو نشر الشهوات بينهم وتزيينها, ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النار حفت بالشهوات, فطريق الشهوات محبب للنفوس, فاستغل حزب الشيطان كل وسيلة لتزيين الباطل, وتحسين صورته, تارة بتغيير المسميات: فسموا الربا مثلاً فوائد بنكية, وسموا مخالفة المرأة لأمر ربها لها بالحجاب تحررًا, وسموا التكشف في اللباس للمرأة موضة, إلى غير ذلك من المسميات, وتارة ينتهجون تشويه صورة الحق والخير فيسمون تعبد الإنسان لربه تشددًا, ويسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقييدًا للحريات وتطفلاً, ونحو ذلك, لكن الله تعالى أمرنا بالاستعاذة من سلوك هذا الطريق: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
أيها الإخوة .. إن الصراع بين الحق والباطل أزلي, الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قديم ومستمر, لكن السؤال الذي يطرح نفسه, ويحتاج إلى إجابة: من أي الفريقين أنت؟
ينبغي علينا أيها الأحبة جميعًا الاعتصام بالكتابة والسنة, والعودة إلى الله تعالى, اجعلوا عيدكم هذا عيدًا حقيقيًا تفرح فيه القلوب بتمام نعمة الله تعالى عليها بإتمام شهر الصيام, وعيدًا ثانيًا بسلوك طريق الهدى والانضمام لأولياء الرحمن: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ}.
أيتها الأخوات المؤمنات .. الله الله في طاعة أوامر ربكم, ولتحذرن من الدعاة على أبواب جهنم, اخذرن من أولياء الشيطان, الذي يزينون الباطل ويحسنونه, واعلمن أن أكثر تركيزهم عليكنَّ, لأنكنَّ عماد المجتمع, وبصلاحكنَّ يصلح المجتمع.
أيها المسلمون.. تقبل الله منا ومنكم, وعيدكم مبارك, وأذكر نفسي وإياكم بصيام الست من شوال (مَن صام رمضانَ وأتبَعه ستًّا من شوالٍ فكأنما صام الدهرَ).
تصافحوا وتسامحوا, ليهنئ كل منا الآخر, وليسامح كل منا من أخطأ عليه.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا, وتجاوز اللهم عن تقصيرنا وتفريطنا, اللهم تقبل توباتنا, واغسل حوباتنا, واجعل عيدنا عيد عز ونصر لأمة الإسلام, اللهم احفظ علينا ديننا ومقدساتنا يا رب العالمين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة