آداب النوم الجمعة 23/8/1438هـ

آداب النوم                             الجمعة 23/8/1438هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. نعم الله تعالى علينا كثيرة لا تحصى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}، ومن بين هذه النعم نعمة أنعم الله بها علينا، ونتلبس بها جميعاً، بل لا يكاد يمرُّ يوم إلا ونحن تحت تأثيرها، وقل أن نحسب لهذه النعمة حسابها، وقليل فينا من يشكر الله عليها، وكثير منا من هو غافل عن شكره فيها، إنها نعمة النوم، وهي نعمة مجهولٌ قدرها، فإذا ما أصيب المرء بمرض أو أَرَق، أو مَسَّه شدة جوع أو برد حالت دون نومه فإنه يدرك قيمة هذه النعمة، وما أطولَ ليل الأَرِقين! وما أنغصَ نومَ المرضى والمهمومين! وفي المقابل فما ألذ النوم بعد الإعياءِ والتعبِ وطول الكدِّ والبحث في سبل الحياة دون أن يكدره مرض أو هم أو غم! إنّ النوم كما هو نعمة فهو أيضاً آية من آيات الله، ألا ترى الخالق جل جلاله يُغشي الليل النهار فيظلم الكون، وتسكن الحياة، وتنكفئ الأحياء، وتَقِلُّ الحركة، ويهدأ الناس، فيطيب المنام، وتسكن الأعضاء بعد كللها، وتستريح بعد تعبها، وصدق الله إذ يقول: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا}.
تفكر عبد الله وتأمل في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}.
إن نعمة سكون الليل للنوم رحمة واحدة من رحمات الله على عباده تستوجب الشكر، قال سبحانه: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فلا تستطيع أي قوة في هذا الكون سوى قوةِ الله أن تجعل الليل هادئاً ساكناً للمنام، ولا النهار مبصراً للحركة وانتشار الأنام.
إن في النوم سراً من أسرار الله في هذا الكون لا يقدر عليه إلا الله، إن في النوم موتاً ووفاة، لكنها موتة صغرى، ووفاة إلى أجل، قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، فالأنفس في المنام يتوفاها الله جميعاً، فمن شاء أن يفسح له في الأجل أعادها إلى الحياة مرة أخرى، فقد كنتَ ميتاً منذ سويعات فأحياك الله، وأما النفس التي قَدَّر عليها الوفاة فإنه يمسكها.. فلا يقظة بعد هذه النومة، فمن ذا الذي يُقِّدر هذا، أو يعرف قيمة هذا؟ ومن الذي يستطيع أن يفعل هذا إلا الله تبارك وتعالى؟ فتأمل في قوله تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
هناك سر عجيب يتكرر في النوم، ولا يكاد يوقظ قلوب الغافلين، أو يستدعي تفكر المتفكرين، ففي لحظة سريعة يغيب المرء عن الحياة والأحياء، وفي أخرى يستيقظ فإذا هو يعيش الحياة ويبصر الأحياء، فيُستَدَلُّ بالنوم -وهو الموتة الصغرى-على الوفاة الكبرى، وبالاستيقاظ على البعث والنشور.
فإي وربي لتموتُنّ كما تنامون، ولتُبعثنّ كما تستيقظون، وهناك في أرض المحشر ينكشف ليل المفسدين، الذين نسوا أنهم إن غابوا عن أعين الخلق فهم في رقابة الخالق الذي لا تخفى عليه منهم خافية ليلاً ولا نهاراً، ففي الآخرة ينكشف الفرق بين قوم {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وبين أُناس يحيون الليل بسهرات صاخبة، ومعاصٍ ومنكرات.
ينبغي للعاقل ألا يتخذ من هدأة الليل مجالاً للفسوق والفجور بدلاً من أن يشكر الله على هذه النعمة، ويأوي إلى فراشه ذاكراً شاكراً مستودعاً ربه نفسه: إن أمسكها أن يرحمها، وإن أرسلها أن يحفظها بما يحفظ به عباده المؤمنين، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقول أحدهم إذا أوى إلى فراشه: (باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمهما، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، فما أجمل هذا الدعاء لو تعلمناه وعملنا به!
أيها الإخوة.. النوم تارة يكون طاعة وأخرى يكون معصية وثالثة يكون أمنة ورحمة ومرة يكون ضعفًا ونزغًا من الشيطان, فمن تكرر نومه عن صلاة الفجر دون عذر شرعي فذلك عاصٍ بال الشيطان في أذنيه.
وكذلك يكون من ضعف النفس ونزغ الشيطان، إذا حال النوم بين المرء وطلب علم نافع، أو داعب الأجفان في خطبة الجمعة أو حال بين المرء وبين عمل صالح.
وهو رحمة وأمنة في حال الجهاد، ولقد أصاب المسلمين ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء في بعض ملاحمهم مع المشركين، كما قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}.
يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [غافر:61].
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله تعالى لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على النبي الأمين, أما بعد:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. أنفع النوم -كما قال الأطباء- ثلث الليل والنهار: ثمان ساعات، ويتفاوت الناس على حسب أعمالهم واحتياجهم لساعات النوم، فمنهم من تكفيه أربع، ومنهم من تكفيه ست، لكن لا تزاد ساعات النوم على ثمانِ ساعات.
وقد كان للمصطفى صلى الله عليه وسلم هديٌ في النوم حري بنا أن نتعلمه ونعمل به؛ حتى يكون نومُنا عبادة لله رب العالمين، فكان إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت).
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يجمع كفيه ثم ينفث فيهما، ويقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات، فيبدأ بهما على رأسه ووجهه ثم ما أقبل من جسده.
وكان صلى الله عليه وسلم ينام على شقه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ثم يقول: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك).
رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح.
ومن دعائه أيضاً إذا أوى إلى فراشه: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوٍ).
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذكر الله في حال النوم تسبيحاً وتحميداً وتكبيراً، وتلك وصيته لأقرب الناس إليه وهي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وذلك حينما سألاه الخادم: فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم: إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فذلكما خير لكما من خادم), رواه الشيخان وغيرهما.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم حال النوم: الوضوء والتطهر، وفي هذا يقول: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله؛ فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه ملك في دثاره لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك هذا فإنه بات طاهراً).
ومن هديه أيضاً: قراءة آية الكرسي، فلا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أدب الإسلام: ألا ينام المرء وبيده بقايا من أثر الطعام حتى يغسلها، قال عليه الصلاة والسلام: (من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه), رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
ومن آداب النوم: أن ينفض الإنسان فراشه احتياطاً مما قد يَخلُفُه فيه من بعده، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفُض بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل: (باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك اللهم أرفعه، إن قبضت روحي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من نومه أن يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).
 وإذا تعارَّيت من الليل -أي: استيقظت في وسط الليل- فقد أرشدك النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن قلت: اللهم اغفر لي! أو دعوت استجيب لك، وإن قمت فتوضأت ثم صليت قُبلتْ صلاتك), رواه البخاري.
أيها الإخوة .. هكذا يتبين الإسلام عظيماً في كل تشريعاته، فهو ينظم أمور الحياة في الليل والنهار، وفي اليقظة والمنام، وصدق الله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.
اللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا شكرك وذكرك وحسن عبادتك.
اللهم لك الحمد كما آويتنا وكفيتنا، وأنمتنا وأيقظتنا.
اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة