حيزت له الدنيا الجمعة 29/10/1439هـ
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. هل سمعتم برجل
ملَكَ الدنيا بحذافيرها؟ رجل جُمعت له أسباب السعادة الدنيوية؟ هل رأيتم رجلا
مَلَك أركان النعيم الدنيوي؟
روى البخاري
في الأدب المفرد وهو حديث حسن عن سلمة بن عبيد الله بن محضن الخطمي عن أبيه، وكانت
له صحبة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ
آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها" .. حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا
بحذافيرها .. جمعت له الدنيا بكل ما فيها، وأعطيت له.
إن
الكثيرين إذا سمعوا هذا الحديث تأثروا، وهزوا رؤوسهم، وأظهروا التأييد، والحمد لله.
ولكنَّ هذا التأثر يبقى في النهاية بعيداً عن
واقعهم، فلا يؤثر على نفوسهم بالقناعة، ولا على قلوبهمب السعادة الدائمة والرضا،
لماذا؟ ربما بسبب نقص الإيمان، وربما بحسب فهمهم للحديث، وربما غير ذلك.
يؤكد
الحديث السابق أركان النعيم في الدنيا: أمن في الوطن, وعافية في البدن, ولقمة تسد
الجوع وإن لم تبلغِ السِمَن.
في
الحديثِ: التذكيرُ بنِعَمٍ اعتاد على وفرتها أكثرُ الناس؛ حتى أصبحوا لا يكادون
يشعرون بقيمتها، فهي كما يقال: أهونُ موجود، وأعزُ مفقود.
الأمن
والمسكن والصحة والعافية، والطعام والشراب، هذه النعم التي تضمنها حديثه صلى الله
عليه وسلم، هي أصول النعم التي لا يمكن أن يهنأ عيش الإنسان إلا بها.
هذه
النعم الأساسية متوفرة عند معظم الناس على الدوام إلا قليلاً، لكنَّ حِسَّ الإنسانِ
في ظل هذه الوفرة والديمومة، والإرثِ المستمر لهذه النعم، قد يتبلد، فلم يَعُد يَشعُرُ
بها، ولا يستشعرها، ولا يشكر الله -تعالى- عليها، مع أنها تحيط به من كل جانب.
ولهذا جاء التقرير في القرآن: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا
إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
روى مسلم
في صحيحه أن رجلاً سأل عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما
فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ:
أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ
تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ
لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ.
"أصبح
آمنا في سربه": فالأمن من أعظم نعم الله على عباده بعد نعمة الإيمان
والإسلام، ولا يشعر بهذه النعمة إلا من فقدها، كالذين يعيشون في البلاد التي يختل
فيها النظام والأمن، أو الذين عاصروا الحروب الطاحنة التي تُهلك الحرث والنسل، فهم
ينامون على أزيز الطائرات وأصوات المدافع، ويضع الواحد منهم يده على قلبه ينتظر
الموت في أي لحظة، أو يخاف على بيته وأهله أن يصيبهم سوء, ولا يأمن عليهم والباب
مغلق دونهم, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
لقد
وعد الله المؤمنين بالأمن إن حققوا التوحيد وأخلصوا الإيمان، وعملوا الصالحات، قال
تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا
وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .
"معافىً
في بدنه": أي: صحيحًا سالمًا من العِلل والأسقام، روى الإمام أحمد في مسنده
من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من
البرص والجنون والجذام، ومن سيء الأسقام".
وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يسألُ ربه صباحًا ومساءً هذه العافية في دينه ودنياه
ونفسه وأهله وماله، وأمر أصحابه بذلك، روى الإمام أبوداود من حديث عبد الله بن
عمر- رضي الله عنه - قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات
حين يمسي وحين يصبح: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني
أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي.." الحديث.
وروى
الترمذي في سننه من حديث معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قام أبوبكر الصديق على
المنبر، ثم بكى، فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول على المنبر ثم
بكى، فقال: "سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من
العافية".
وأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن الكثير من الناس مفرط ومغبون في هذه النعمة، روى
البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى
الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
"عنده
قوت يومه": أي: قدر ما يغديه ويعشيه، فالطعام من نعم الله العظيمة، قال
تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ
وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
وكان
عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالله من الجوع، روى أبو داود في سننه من حديث أبي
هريرة -رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني
أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع".
ومما
تقدم يتبين أن من اجتمعت له هذه الخصال الثلاث في يومه، فكأنما ملك الدنيا كلها، و
من تأمل في حال الناس اليوم يظهر له أنه قد اجتمع لكثير من الناس أضعاف أضعاف ما
ذكر في هذا الحديث، ومع ذلك فهم منكرون لها، محتقرون ما هم فيه، فهم كما قال
تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ
الْكَافِرُونَ ﴾
ودواء
هذا الداء أن ينظر المرء إلى من حُرِمَ هذه النِّعَمَ، أو بعضَهَا، كما أرشد إلى
ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي
هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا
تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله"
فاللهم
أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأن نعمل صالحًا ترضاه
وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
الحمد
لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لاشريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله
وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخِلَّانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن
بسنته إلى يوم الدين.
أما
بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إِنَّهُ لَمِن
أَعظَمِ المُنكَرِ وَأَكبَرِ الضَّلالِ مَا يَحصُلُ في هَذَا البَلَدِ المُبَارَكِ
بَينَ حِينٍ وَآخَرَ عَلَى أَيدِي فِئَةٍ ضَالَّةٍ، خَرَجَت عَنِ الطَّاعَةِ
وَفَارَقَتِ الجَمَاعَةَ، فَأَقدَمَت عَلَى أَقبَحِ الإِجرَامِ وَاقتَحَمَت
كَبَائِرَ الآثَامِ، وَصَارَ أَهوَنَ مَا لَدَيهِم أَن يُزهِقُوا الأَنفُسَ
المَعصُومَةَ، أَو يُتلِفُوا أَموَالَ المُسلِمِينَ المُحتَرَمَةَ، أَو
يُرَوِّعُوا الآمِنِينَ وَيَحمِلُوا السِّلاحَ عَلَى المُسلِمِينَ، يَأتُونَ
ذَلِكَ كُلَّهُ أَو بَعضَهُ، والله عز وجل يقول: ” وَمَن يَقتُلْ مُؤمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ
وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ” وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ
: ” لَن يَزَالَ المُؤمِنُ فِي فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لَم يُصِب دَمًا حَرَامًا
” رَوَاهُ البُخَارِيُّ . وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” مَن
قَتَلَ مُؤمِنًا فَاغتَبَطَ بِقَتلِهِ لم يَقبَلِ اللهُ مِنهُ صَرفًا وَلا عَدلاً
” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَقَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ – : ” لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا ” رَوَاهُ أَحمَدُ
وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَقَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ – : ” مَن أَشَارَ إِلى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ المَلائِكَةَ
تَلعَنُهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ ” رَوَاهُ مُسلِمٌ .
هَذَا في حَملِ السِّلاحِ وَالإِشَارَةِ بِهِ، فَكَيفَ بِمَنِ استَعمَلَهُ في إِزهَاقِ
النُّفُوسِ المَعصُومَةِ؟!
إِنَّ
رِجَالَ الأَمنِ في هَذَا البَلَدِ وَهُم يَحفَظُونَ الأَمنَ وَيَرعَونَهُ،
وَيَسهَرُونَ لِلذَّبِّ عَنِ الحُرُمَاتِ وَالذَّودِ عَنِ المُقَدَّسَاتِ، إِنَّهُم
وَهَذِهِ أَعمَالُهُم لَعَلَى خَيرٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّ قَصدَهُم بِالاعتِدَاءِ عَلَيهِم
وَإِزهَاقِ أَروَاحِهِم لَهُوَ في حَقِيقَتِهِ مِنَ الإِفسَادِ، بَل هُوَ تَنفِيذٌ
لِمُخَطَّطَاتٍ تَرسُمُهَا أَيدِي الكُفرِ، وَتَحِيكُهَا أَصَابِعُ الغَدرِ, وَوَاللهِ
إِنَّهُ لا يَستَفِيدُ مِنهَا إِلاَّ الأَعدَاءُ الحَاقِدُونَ, وَالمُنَافِقُونَ
المُتَرَبِّصُونَ، وَأَمَّا الإِسلامُ وَالمُسلِمُونَ، فَلا يُتَوَقَّعُ أَن
يَنَالُوا عِزًّا وَلا يُحرِزُوا نَصرًا مِن كُلِّ عَمَلٍ يُفَرِّقُ جَمَاعَتَهُم،
وَتَعُودُ فِيهِ رِمَاحُهُم إِلى صُدُورِ إِخوَانِهِم، أَو يَطعُنُ بِهِ بَعضُهُم
في ظَهرِ بَعضٍ، أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – وَلْنَنتَبِهْ
لِمُخَطَّطَاتِ الأَعدَاءِ، وَلْنَحرِصْ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ جَمعٌ لِلكَلِمَةِ
وَتَقرِيبٌ لِلآرَاءِ وَحِفظٌ لِلجَمَاعَةِ وَحِمَايَةٌ لِلأَمنِ ، وَأَهَمُّ
ذَلِكُم الإِيمَانُ بِاللهِ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ ؛ فَهُوَ أَعظَمُ مَا يُحفَظُ
بِهِ الأَمنُ وَيَحصُلُ بِهِ الاطمِئنَانُ ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : ” الَّذِينَ
آمَنُوا وَلم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم
مُهتَدُونَ’’ .
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق