فضل الجماعة وذم الفرقة الجمعة 17/2/1440هـ


الحمدُ للهِ ذي العِزَّةِ والجَبروت, والمُلكِ والمَلَكُوت، إلى الإسلامِ هدانا، وَجَعَلَنا خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ لِلنَّاسِ، وَأشهدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَسِعَ كُلَّ شِيءٍ عِلْمًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الذي أَكمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ بِهِ النِّعمَةَ، صَلَى اللهُ عَليهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.. خلقَ اللهُ آدمَ واستخلفَه في الأرض لعبادته، فاجتمَعَت ذُريَّتُه من بَعدِهِ عَشَرةَ قُرونٍ على توحيدِ الله وَمَحبَّته، ثم استزلَّهم الشيطانُ فَحرَفَهم عن دينِ اللهِ وَطاعَتِه، وَتَفرَّقُوا بعدَ أنْ كَانوا أُمةً وَاحدةً، قال تعالى في الحديث القُدسي الذي رواه مسلم في صحيحه: (خلقتُ عِباديْ حُنَفَاءَ كُلَّهُم، وَإِنَّهُم أتَتهُمُ الشَيَاطِينُ فَاجتالَتهم عَن دينِهم).
فذمَّهم الله على اختلافِهم، وبعثَ فيهم رسُلاً لجمع كَلِمَتِهم والتأليفِ بين قلوبِهم على الحقِّ، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: بعد أن تفرَّقُوا.
واصطفَى الله بني إسرائيل وجعلَ فيهم أنبياءَ ورسُلاً، فخالفُوهم ونبذُوا الكتابَ وراءَ ظهورهم، وتفرَّقُوا شِيَعًا وأحزابًا، وأخبرَ عليه الصلاة والسلام بوقوع الفُرقة في هذه الأمة، وكلما تأخَّر العصرُ عَنِ النبُوَّة كَثُر التفرُّق والاختِلاف, قال عليه الصلاة والسلام: (افترقَتِ اليهودُ على إحدى وسبعينَ فِرقة، وافترقَت النصارَى على اثنتَين وسبعين فِرقة، وتفترِقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة)؛ رواه ابن حبان، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنه من يعِش منكم بعدي فسيرَى اختلافًا كثيرًا)؛ رواه أبو داوود وغيره.
والله تعالى نهَى عبادَه عن التفرُّق فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
أيها الإخوة.. لقد ذمَّ الله سبحانه وتعالى الفُرقةَ وعابَ على أهلها، فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
والسعيُ في الفُرقةِ من خِصال المُنافقين، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعليها طُبِعُوا: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾.
إن التفرق من أخصِّ سُنن الجاهِلين، قال عليه الصلاة والسلام: (من خرجَ من الطاعة، وفارقَ الجماعةَ فماتَ؛ ماتَ ميتةً جاهليَّةً)؛ رواه مسلم.
ونهَى سبحانه عن مُشابهَة أهل الاختِلاف وسُلوك طريقِهم، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
وبرَّأ الله رسولَه من أهل الفُرقة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
ألا وإنَّ أعظمَ الفُرقة: الانحِرافُ عن توحيدِ ربِّ العالمين، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
والإحداثُ في الدين مُفارقةٌ لاتباع خيرِ المُرسَلين، قال عليه الصلاة والسلام: (من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ)؛ متفق عليه.
والخروجُ على الأئمَّة ووُلاة الأمر، ومُنازعةُ الأمرِ أهلَه فسادٌ عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: (من نزَعَ يدًا من طاعةِ الله، فإنه يأتي يوم القيامة لا حُجَّة له، ومن ماتَ وهو مُفارِقٌ للجماعة فإنه يموتُ ميتةً جاهليَّةً)؛ رواه أحمد.
والتفرُّقُ سبب لاستحواذ الشيطان وتسلطه, قال عليه الصلاة والسلام: (ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بدوٍ لا تُقامُ فيهم الصلاةُ، إلا قد استحوَذَ عليهم الشيطانُ، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكلُ الذئبُ القاصِية)؛ رواه أبو داود.
ومُخالفةُ الإمام في الصلاةِ من مظاهر الاختِلاف والفُرقة التي نهَى الإسلامُ عنها، قال عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فلا تختلِفُوا عليه)؛ رواه البخاري.
وكما نهَى الإسلامُ عن التفرُّق في أمور الدين، نهاهُم أيضًا عن الفُرقة في أمور الدنيا؛ فالاجتماعُ على الطعام يُورِثُ البركة، والتفرُّقُ فيه يُذهِبُها.
شكَا أناسٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نأكلُ ولا نشبَع، فقال: (فلعلَّكم تفترِقُون؟)، قالوا: نعم، قال: (فاجتمِعُوا على طعامِكم، واذكُروا اسمَ الله عليه يُبارَك لكم فيه)؛ رواه أبو داود.
وفي علاقةِ أفرادِ المُجتمع ببعضِهم نهَى عن التهاجُر والقطيعَة بين المُسلمين، وأخبَرَ أن أبوابَ الجنة تُفتَحُ يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفرُ لكل عبدٍ لا يُشرِكُ بالله شيئًا، إلا رجُلاً كانت بينه وبين أخيه شَحناء، «فيُقال: أنظِرُوا هذَين حتى يصطلِحَا، أنظِرُوا هذَين حتى يصطلِحَا»؛ رواه مسلم.
وإذا تفرَّق الناسُ شِيَعًا وأحزابًا تمكَّن الشيطانُ منهم، قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنَين أبعَد»؛ رواه الترمذي.
وأقربُ جنود إبليس منه منزلةً أشدُّهم في الأمة فُرقة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن إبليسَ يضعُ عرشَه على الماء، ثم يبعَثُ سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجِيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ثم يجِيءُ أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأتِه، قال: فيُدنِيه منه ويقول: نِعمَ أنت»؛ رواه مسلم.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ :  {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن الله تعالى لا يُحبُّ اختِلافَ عباده ولا يرضَاه، ولا تكون الفُرقةُ بينهم إلا من عند غير الله، وقد دلَّت أصولُ الشريعة على تحريم كلِّ ما يُوجِبُ الفُرقةَ واختِلافِ الكلمة، وذلك من مقاصِد النهيِ في دينِ المُرسَلين، فجاءَ النهيُ عن كل سبيلٍ قد يُؤدِّي إلى الفُرقةِ بين المُسلمين؛ من سُوء الظنِّ، والحسَد، والتجسُّس، والنَّميمة، والرِّبا، وبيع المُسلم على بيع أخيه، وخِطبته على خِطبته، وتتبُّع عورتِه، والغِشِّ.
وأمرَ الله بأطيَبِ الكلام، ونهَى عن سيِّئِه جمعًا للكلمة، ودفعًا لضِدِّه، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
ووُلوجُ بابِ الشُّبهات والسَّيرُ وراءَ الشهوات داءٌ أفسَدَ الأُمم، وفرَّق أجيالَها، وسبيلُ كل شيطانٍ مآلُه الفُرقة، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
وما بغَى قومٌ إلا افترَقُوا، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
وإذا نشأَ الخلافُ عن هوًى وتعصُّبٍ، أو بغيٍ وتقليدٍ، أو حمِيَّةٍ وتحزُّبٍ، فهو سبيلٌ للفُرقة ويجبُ البُعد عنه.
قال شيخُ الإسلام – رحمه الله -: “مواضِعُ التفرُّق والاختِلاف عامَّتُها تصدُرُ عن اتباع الظنِّ وما تهوَى الأنفُس”.
وما تفرَّق قومٌ إلا هانُوا وضعُفُوا، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
وبالنِّزاع والاختِلاف والفُرقة ضياعُ الحقِّ وهدمُ أصول الدين، ومُشابهَةُ المُشرِكين، وفشُوُّ الضلال والكلام بلا علمٍ، والانشِغالُ بها عن العمل بالدين وتعليمِه والدعوة إليه، مع تعطيل شعائِر الدين الظاهرة؛ من الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر وغيره.
والفُرقةُ قد تُؤذِنُ بذنوبٍ عِظامٍ، وتُفضِي إلى الاقتِتال وسَفك الدماء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾.
ووبالُ الاختِلاف وعاقبتُه: الهلاك، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تختلِفُوا؛ فإن من كان قبلَكم اختلَفُوا فهلَكُوا»؛ رواه البخاري.
إن يدَ اللهِ مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
وبعدُ .. أيها المُسلمون: فالفُرقةُ ذلٌّ وهوان، والنِّزاعُ شرٌّ وبلاء، والاختِلافُ ضعفٌ وحيرَة، والشَّتاتُ فسادٌ للدنيا والدين، وكلُّها تُفرِحُ العدوَّ، وتُوهِنُ من قوة الأمة، وتُؤخِّرُ سيرَ الدعوة إلى الله، وتصُدُّ عن نشر العلم، وتُوغِرُ الصدور، وتُظلِمُ القلوبَ، وتُنغِّصُ المعيشَةَ، وتسلُبُ الأوقات، وتُشغِلُ العبدَ عن عمل الصالحات.
والعاقلُ من أعرضَ عن النِّزاع، واعتصمَ بالكتاب والسنَّة، وأصلحَ نفسَه وغيرَه، وتلك وصيَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم للأمة للنجاةِ من الفُرقة والاختِلاف.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة