تعرف إلى الله في الرخاء الجمعة 28/4/1440هـ


الحمد لله رب العالمين، مَنَّ على من شاء من عباده بهدايتهم للايمان, وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال والجلال والعظمة والسلطان، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى كافة الإنس والجان، فبلغ رسالة ربه وبيَّن غاية البيان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا العدل والأمن والإيمان. وسلم تسليما كثيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن ولا تعصوه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. كم مضى من عمر الحياة؟ وكم سلف من العصور؟ وكم تقلب من الدهور؟ أمم على إثرها أمم, وأجيال تعقب أجيالاً, ورجال على إثر رجال, أحوال متباينة, وصور متغايرة, وأمور تدار, والله يخلق ما يشاء ويختار.
انظر معي إلى حدث من التاريخ.. هذا يونس بن متّى.. نبي الله, يسقط في لُجج البحار فيبتلعه الحو,ت فهو في ظلمة جوف الحوت, في ظلمة جوف البحر, في ظلمة الليل, في ظلمات ثلاث, فلا أحد يعلم مكانه, ولا أحد يسمع نداءه, ولكن يسمع نداءه من لا يخفى عليه الكلام, ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان, دعا يونس عليه السلام وهو على هذه الحال وقال: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}, فسمعت الملائكة دعائه, فقالت: صوت معروف في أرض غريبة.
فيجئ الجواب الإلهي له: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} نعم.. أتاه الجواب بالنجاة {فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}.
قال الحسن البصري: "ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت, ولكن قدَّم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء, وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد مُتكأً".
وفي البحر.. قصص أخرى وعِبَر تترى, فهذا الطاغية فرعون يدركه الغرق فيدعو بالتوحيد {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}.
وسمعت الملائكة دعائه فنزل جبريل إليه سريعًا, هل نزل لينقذه وينجيه مما هو فيه؟ لا, وإنما ليأخذ من طين البحر ووحله فيدسه في فيه.
ويأتيه الجواب {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}.
لقد سمعت الملائكة دعاء كلا المكروبين.. كلاهما يخشى الغرق والموت..
فما الفرق بين الحالين, والكرب واحد, والصورة واحدة؟
إن الفرق هو في حال من عرف الله في الرخاء ومن ضيعه, هو الفرق بين من أطاع الله في الرخاء ومن عصاه.
فيونس رخاؤه صلاة ودعاء ودعوة.
وفرعون رخاؤه ظلم وفسق وكفر وجحود.
روى ابن عباس كما في المستدرك وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).
ولا يزال لطيف صنع الله عز وجل بأوليائه وعباده الصالحين يتوالى عليهم في حال الشدائد والكرب, فيفرج كربهم, وينفِّس شدائدهم حيث كان لهم مع الله معاملة في الرخاء.

فهذا نبي الله أيوب, كان كثيرَ المال, من سائر صنوفه وأنواعه، من العبيد والأنعام والمواشي والأراضي, وكان له أولاد كثير وأهلون, فسُلب ذلك كلَّه وابتُلي في جسده بأنواع البلاء, حتى لم يبق منه عضو سليم سوى قلبِه ولسانِه يذكر بهما ربه.
وطال مرضه حتى عافه الجليس, وأوحش منه الأنيس, ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، ترعى له حقه, فضعف حالها وقل مالها, حتى كانت تخدم الناس بالأجر ثم عافها الناس لما عرفوا أنها زوجة أيوب خشية أن تعديهم, وكانت تقول له: يا أيوب لو دعوتَ ربك لفرَّج عنك. فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا, فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة, ولما عافهما الناس اضطرت أن تبيع ظفائرها, فعندما علم أيوب بذلك نادى ربه {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}, فيأتيه الجواب: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}
وزكريا يدخل على مريم فيجد عندها رزقًا, يجد عندها فاكهة لم يأتِ أوان حصادها بعد, {قال أنى لك هذا قالت هو من عند الله}.
 ورجع زكريا وفكر ورأى، فإذا هو طاعن في السن وامرأته مع كبر السن عقيم لا تلد, ولكن!! الذي يرزق الشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدًا وإن كان طاعنًا في السن وامرأته عاقر.
قال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرَّها عمن كان حاضرًا عنده, {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}.
فجاءه الجواب: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًا}.
لماذا هذا؟ وكيف حصل؟! لقد عرف الله في الرخاء فعرفه الله في الشدة.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ :  {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن الشدائد في طريقنا لن تخطئنا, ولن نخطئها, وإن خير ما نلقى به هذه الشدائد معرفة الله في الرخاء.
الصحة رخاء, والشباب رخاء, المال رخاء, والأمن رخاء, الفراغ رخاء, والقوة رخاء, فهل نعرف الله في هذا الرخاء.
إن الشدائد تصيب الإنسان لا محالة, ومن كان مع الله في رخائه كان الله معه في شدته, وأنعم به من نصير.
ألا وإن هناك شدة ستصيب الجميع لا محالة.. ولكنها شدة تفرج بمعرفة الله في الرخاء, ألا وهي شدة الموت.. وإن ربنا أكرم وأرحم وأبر من أن يخذل عبدًا عند ذل ذلك المصرع، وهو قد تعرف عليه حال الرخاء {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}.
قال بعض السلف: يدخل هؤلاء الجنة, وإن لذة الفرحة لا تزال في قلوبهم يوم بُشروا عند الموت بالجنة.
أمامنا شدائد لن تخطئنا ولن نخطئها, أمامنا شدة القبر, وشدة الحشر, وشدة العرض, وشدة المنقلب إما إلى جنة وإما إلى نار.
هذه شدائد نحن أحوج ما نكون إلى أن يعرفنا الله فيها.
إن من عرف الله في الرخاء يدخل الجنة, ويقول عند دخولها: {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم}.
أما المعرضون عن ربهم في الرخاء فيعرضون على النار ويقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}.
أيها المبارك.. تأمل في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: ((احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده أمامك, تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)).
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة