الطلاق الجمعة 10/6/1440هـ
الحمد
لله على جزيل النعماء، والشكر له على ترادف الآلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد الأولياء، صلى الله
وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. كلمةٌ مِنَ
الكلماتِ أبكتْ عيونَ الأزواجِ والزوجاتِ، وروَّعَتْ قلوبَ الأبناءِ والبناتِ، يا
لَها مِن كلمةٍ صغيرةٍ ولكنَّها جليلةٌ عظميةٌ خطيرةٌ، إنها الطلاقُ، الوداعُ
والفِراقُ والجحيمُ والألمُ الذي لايُطاقُ.
كمْ
هدمَ مِن بيوتٍ للمسلمينَ، كمْ فرَّقَ مِن شملٍ للبناتِ والبنينَ، وكمْ قطَّعَ مِن
أواصرَ للأرحامِ والُمحبينَ والأقربينَ، يا لَها مِن ساعةٍ حزينةٍ، يا لَها مِن
ساعةٍ عصيبةٍ أليمةٍ، يومَ سمعَتِ المرأةُ طلاَقها، فكفكفَتْ دموعَها وودَّعَتْ
زوجَها، ووقفَتْ علَى بابِ بيِتها؛ لتلقيَ آخرَ النظراتِ على بيتٍ مليءٍ بالذكرياتِ،
يا لَها مِن مصيبةٍ عظيمةٍ، هُدِمَتْ بها بيوتُ المسلمينَ, وفُرِّقَ بها شملُ
البناتِ والبنينَ.
الزواجُ
نعمةٌ من نعمِ اللهِ، ومنةُ مِن أجلِّ مِنَنِ اللهِ، جعلَهُ اللهُ آيةً شاهدةً
بوحدانيتِهِ، دالةً علَى عظمِتهِ وألوهيتِهِ، لكنَّهُ إنَّما يكونُ نعمةً حقيقيةً
إذا ترسَّمَ كلا الزوجينِ هدْيَ الكتابِ والسنةِ، وسارا علَى طريقِ الشريعةِ
والملَّةِ، عندَها تَّضرَبُ السعادةُ أطْنابَها في رحاب ذلك البيتِ المسلمِ
المباركِ، ولكن ما إن يتنكَّبِ الزوجانِ أو واحدٌ منهما عن صراطِ اللهِ حتَّى
تُفتحَ أبوابُ المشاكلِ، عندَها تَعْظُمُ الخلافاتُ والنـزاعاتُ، ويدخلُ الزوجُ
إلى بيتِهِ حزيناً كسيراً، وتخرجُ المرأةُ مِن بيتِها حزينةً أليمةً مهانةً ذليلةً،
عندَها يعظمُ الشقاقُ, ويَعظمُ الخلافُ والنـزاعُ، فيفرح الأعداءُ، ويشمتُ
الحُسَّادُ والأعداءُ، وعندَها يتفرَّقُ شملُ المؤمنينَ, وتُقطَّعُ أواصرُ
المحبينَ.
يطلق
امرأته طلاقاً رجعياً ثم يُخرجها من بيتها, ونسي قول الله له: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ
مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … زوجٌ ينالُ زوجَتهُ اليومَ فيأخذُها مِنْ بيتِ أبيها عزيزةً
كريمةً ضاحكةً مسرورةً، ويرُدُّها بعدَ أيامٍ قليلةٍ حزينةً باكيةً مُطلَّقةً ذليلةً.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينمَا استخفَّ كثير من الأزواجِ بالحقوقِ والواجباتِ، وضيَّعوا
الأماناتِ والمسئولياتِ، سَهَرٌ إلَى ساعاتٍ متأخرةٍ، أو سَفَرٌ في بلدانٍ مجاورة,
وضياعٌ لحقوقِ الزوجاتِ، والأبناءِ
والبناتِ، فَتَرَى الزَوجَ يُضْحِكَ الغريبَ ويُبكي القريبَ، ويؤنسُ الغريبَ
ويُوحِشُ الحبيبَ.
روى
الترمذي وغيره وصححه الألباني عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي).
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينمَا كُثَر النمَّامونَ، وكُثرَ الحسَّادُ والواشونَ.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينمَا أصبح البعض لا يَغفرُ الزلَّةَ, ولا يَستُر العورةَ
والهنَّةَ، لا يخافُ اللهَ, ولا يتقي اللهَ, ولا يرعَى حدودَ اللهِ, ولا يحفظُ
العهودَ والأيامَ التي خَلتْ, والذكرياتِ الجميلةَ التي مضتْ.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينمَا أصبحتِ بعض النساء طليقةَ اللسانِ, طليقةَ العِنانِ،
تخرجُ متَى شاءَت، وتدخلُ متَى أرادَت، خرَّاجةً ولاجَةً إلَى الأسواقِ والمولات,
والمنتدياتِ واللقاءاتِ، مُضيعةً حقوقَ الأزواجِ والبناتِ.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينمَا وُجِدَ الحُسَّادُ والنَّمامونَ والواشونَ والمفرِّقونَ.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … حينَما تَدخَّل الآباءُ والأمَّهاتُ في شؤونِ الأزواجِ والزوجاتِ،
الأبُ يتابعُ ابنَهُ المتزوج في كلٍّ صغيرٍ وكبيرٍ، وفي كلٍّ جليلٍ وحقيرٍ،
والأمُّ تتدخَّلُ في شؤونِ بنتِها في كلٍّ صغيرٍ وكبيرٍ, وجليلٍ وحقيرٍ حتَّى ينتهي
الأمرُ إلَى الطلاقِ والفِراقِ، ألْم يعلما أنَّهُ مَنْ أَفسدَ زوجةً علَى زوجِها
أوْ أفسدَ زوجاً علَى زوجتِهِ لعنَةُ اللهُ.
كُثرَ
الطلاقُ اليومَ … لمَّا كثُرتِ المسكراتُ والمخدراتُ, فَذَهَبَتِ العقولُ وزالتِ
الأفهامُ، وتدنَّتِ الأخلاقُ، وأصبحَ سُكَّانُ البيتِ في جحيمٍ وألمٍ لا يُطاقُ.
كُثَر
الطلاقُ لمَّا كثُرتِ النِّعُم, وَبَطِرَ الناسُ الفضلَ منَ اللهِ والكرمَ، وأصبحَ
الغنيُّ ثرياً يتزوجُ اليومَ ويُطلِّقُ في الغدِ القريبِ، ولمْ يعلمْ أنَّ اللهَ
سائُلهُ، وأنَّ اللهَ محاسبُهُ، وأنَّ اللهَ موقفُهُ بينَ يديهِ في يومٍ لا ينفعُ فيه
مالٌ ولا بنونَ, ولا عشيرةَ ولا أقربونَ.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا
بَعْدُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً
سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اتقوا الله في الأزواجِ والزوجاتِ، ويا معاشرَ من
عَزَمَ الطلاق.. تريَّثوا فيما أنتمْ قادمونَ عليه، إذا أردتَ الطلاقَ فاستشرِ
العلماءَ، وراجعِ الحكماءَ، والتمسْ أهلَ الفضلِ والصُّلحاءَ, واسْألْهم عمَّا
أنتَ فيهِ, وخُذْ كَلِمَةً منهمْ تثِّبُتكَ, ونصيحةً تقوِّيكَ.
إذا أردتَ الطلاقَ فاستْخرِ الله, وأنزلْ
حوائجَكَ بالله، فإن كنتَ مريداً للطلاقِ فخذْ بسنةِ حبيبِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم طِّلقْها طلقةً واحدةً في طُهْرٍ لْم تُجامعْها فيهِ، فتلكَ حدودُ اللهِ :
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.
وإذا
طلقَتها فطلقْها طلقةً واحدةً لا تزيد، جاءَ رجلٌ إلَى ابنَ عباسٍ فقالَ: يا ابْنَ
عباسٍ طلقتُ امرأتي مِائةَ تطليقةً. قالَ رضي الله عنه: (ثلاثٌ حَرُمَتْ بهنَّ
عليكَ، وسبعٌ وتسعونَ اتخذتَ بها كتابَ اللهِ هُزُواً).
يا
مَن يريدُ الطلاقَ.. الطلاقُ الوداعُ والفِراقُ، الطلاقُ
جحيمٌ لا يُطاقُ، الطلاقُ يُبَدِّدُ شملَ البناتِ والبنينَ، ويُقطِّعُ أواصرَ
الأرحامِ والأقربينَ.
يا
مَن يريدُ الطلاقَ.. اصبرْ فإنَّ الصبرَ جميلٌ, وعواقُبهُ حميدةٌ منَ اللهِ
العظيمِ الجليلِ.
يا
مَن يريدُ الطلاقَ.. إن كانتْ زوجتُكَ ساءَتكَ اليومَ فقدْ سرَّتْكَ أياماً، وإن
كانتْ أحزنتْكَ هذا العامَ فقدْ سرَّتْكَ أعواماً.
{وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}.
أخرج
مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ
مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ).
يا
مَن يريدُ الطلاقَ.. انظرْ إلَى عواقبهِ الأليمةِ, ونهاياتِهِ العظيمةِ، انظرْ
لعواقبهِ علَى الأبناءِ والبناتِ، انظرْ إلَى عواقبهِ علَى الذريةِ الضعيفةِ، فكمْ
بُدِّدَ شملُها، وتفرَّقَ قلبُها، بسببِ ما جناهُ الطلاقُ عليها.
يا
مَن يريدُ الطلاقَ.. صبرٌ جمي,لٌ فإن كانتِ المرأةُ ساءَتكَ فلعلَّ الله أن يخرجَ
منها ذريةً صالحةً تَقَرُّ بها عيُنكَ قالَ ابنُ عباسٍ في قوله تعاَلى: {فَإِنْ
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً
كَثِيراً} قال: هوَ الولدُ الصالحُ.
المرأةُ
تكونُ عندَ زوجٍ تؤذيهِ وتسبُّه, وتُهينُهُ وتُؤلِمُهُ, فيَصبرُ لوجهِ الله,
ويحتسبُ أجرَهُ عندَ اللهِ، ويعلمُ أنَّ معَهُ اللهُ, فما هيَ إلا فترة حتَّى
تَحسُنَ أخلاقُها, ويُقرَّ اللهُ عينَهُ بذريةٍ صالحةٍ، وما يدريكَ فلعلَّ هذهِ
المرأةَ التي تكونُ عليكَ اليومَ جحيماً لعلَّها أن تكـونَ بعدَ أيامٍ سلاماً
ونعيماً، وما يدريكَ فلعلَّها تحفظُكَ في آخرِ عمرِكَ، صبرٌ فإنَّ الصبرَ عواقُبهُ
حميدةٌ، وإنَّ معَ العسْرِ يُسراً.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات
إرسال تعليق