الفتن الجمعة 15/7/1440هـ


الحمد لله خالق كل شيء، ورازق كل حي، أحاط بكل شيء علماً، وكلُّ شيء عنده بأجل مسمى، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الإله المعبود. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الركع السجود، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الموعود، وسلم تسليماً كثيراً.
أَمَّا بَعْدُ.. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ .. امتنَّ الله على عباده بنعمٍ ظاهرةٍ وباطنة، ولا تتمُّ نعمةٌ إلا بالدين، والثبات على الدين من أشق الأمور، قال أنسٌ - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثِر أن يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». فقلتُ: يا رسول الله! آمنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ قال: «نعم، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كما يشاء»؛ رواه الترمذي.
وجاء في القرآن الكريم أنَّ من دعاء الصالحين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً}.
إنَّ الشيطان راصدٌ للإنسان في كل سبيلٍ لإفساد دينه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن عرش إبليس على البحر، فيبعثُ سراياه فيفتنِون الناس، فأعظمُهم عندَه أعظمُهم فتنة»؛ رواه مسلم.
والفتنُ من أعظم المُؤثِّرات على الدين، فلا تَعرِفُ سِنًّا ولا جِنسًا ولا بَلَدًا، وهي تُمحِّص القلوبَ وتُظهِرُ ما فيها من صدقٍ أو رَيْبٍ، فتتعرَّض لُكِلِّ قَلبٍ فيسقُطُ فِيهَا أَقْوَامٌ وينجو آخرون، قال - عليه الصلاة والسلام -: «تُعرضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَت فيه نُكتةٌ بيضاء»؛ رواه مسلم.
إنَّ الفِتَنَ التي تعرِضُ للإنسان في هذه الحياة كثيرةٌ، ووصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «بادِروا بالأعمال فِتَنًا كقطع الليل المُظلِم»؛ رواه مسلم.
ولا تدَعُ الفتن بيتًا إلا دخَلَته، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطر»؛ متفق عليه.
وكلما فُتِحت نعمةٌ نزلَت معها فتنة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ماذا فُتِح الليلة من الخزائن وماذا أُنزِل من الفتن؟»؛ متفق عليه.
وإذا بَعُد الناس عن زمن النبوة ظَهرَت الفتن، قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَض العلمُ، وتكثُر الزلازل، ويتقارَب الزمانُ، وتظهرَ الفتن»؛ رواه البخاري.
الفتن تتوالَى على العبد إلى مماته، وقد تُهلِكُهُ وقد تتدرَّج عليه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن أمتي هذه جُعِل عافيتُها في أولها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكِرونها، وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشِفُ وتجيءُ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخل الجنةَ فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه»؛ رواه مسلم.
أيها الإخوة.. الفتنُ خطَرها كبير، من دنا منها أخذَته، ومن حام حول حِماها أوقَعَته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من تشرَّف لها تستشرِفه»؛ متفق عليه.
ومن الفتن ما يُخرِج المرء من الدين، قال - عليه الصلاة والسلام – في وصف الفتن: «يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، أو يُمسِي مؤمنًا ويُصبِح كافرًا، يَبيعُ دينَه بعرَض من الدنيا»، رواه مسلم.
قال النووي - رحمه الله -: "وهذا لِعِظَم الفتن ينقلِبُ الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب".
ومن الفتن: تركُ الهداية إن نزلت محنةٌ أو أقبلَت دنيا بزُخرفها, أو تحليلُ ما كان يراه حرامًا اتباعًا لهوىً أو طمعًا بدنيا، قال الله - عز وجل -: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة}.
والخَلقُ يُفتَنُ بعضُهم ببعض، قال - سبحانه -: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "وهذا عامٌّ في جميع الخلق، امتُحِنَ بعضَهم ببعض، فامتُحِن الرسل بالمُرسَل إليهم، والمُرسَلُ إليهم بالرسل، وامتُحِن العلماء بالجهَّال، وامتُحِن الجهَّال بالعلماء، وامتُحِن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء".
ومن الفتن: الفُرقة والنزاع والاختلاف بين المسلمين اتباعًا لهوًى ونحوه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "والفتنُ التي يقعُ فيها التهاجُر والتباغُض والتطاعُن والتلاعُن ونحو ذلك هي فتنٌ وإن لم تبلغ السيف".
والله كرَّم الإنسانَ وفضَّلَه وعظَّمَ حرمةَ المسلم ودمَه، وفي آخر الزمان يَقِلُّ العمل الصالح ويَضعُفُ الإيمانُ في النفوس، فيُستهانُ بحُرمات الله، وتكثر الفتن, ومنها : كثرة القتل في الأمة، قال - عليه الصلاة والسلام -: «ويكثُر الهَرجُ». قالوا: يا رسول الله! وما الهَرج؟ قال: «القتل»؛ متفق عليه.
ولكثرة القتل يُسفكُ الدم من غير سبب، قال - عليه الصلاة والسلام-: «ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أي شيءٍ قتَل، ولا يدري المقتول على أي شيءٍ قُتِل»؛ رواه مسلم.
والمالُ فتنةُ هذه الأمة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: «فتنةُ أمتي في المال»؛ رواه الترمذي.
وكان - عليه الصلاة والسلام - يتعوَّذ من فتنة الغنى يقول: «وأعوذ بك من فتنة الغِنى ومن فتنة الفقر»؛ متفق عليه.
وخشِيَ - عليه الصلاة والسلام - على أمته كثرةَ المال والمنافسةَ في جمعه، فقال: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوها، فتُهلِكَكم كما أهلكَتهم»؛ متفق عليه.
ومن فتنته: جمعُه سواءٌ من حِلٍّ أم من حرام، قال - عليه الصلاة والسلام -: «يأتي على الناس زمانٌ لا يُبالي المرءُ ما أخذَ منه أمِن الحلال أم من الحرام»؛ رواه البخاري.
ومن فتنته: البخلُ به أو احتقار المساكين أو جعله سببًا للعصيان أو الاستكبار به على الخلق ونسيانُ أن الله هو المُنعِم عليه أو بيع الدين للحصول عليه، كما قال-عليه الصلاة والسلام -: «يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا»؛ رواه مسلم.
والسعيدُ من قَنِعَ بعطاء الله له, وجمعه من حلالٍ, وأيقنَ بأن الله هو المُنعِمُ عليه وحده، فَشَكَرَ رَبَّه وتواضَعَ للخلق وبذَلَ مالَه ابتغاء مرضات الله.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآَنِ العَظِيمِ, وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ, قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخِلَّانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الدنيا تزيَّنت لأهلها, وفتحَت أبوابها في الصناعة والآلة والبناء وغيرها، والمرءُ قد يُفتنُ بما يراه فيها، وينسى أن الله هو الذي وهبَ للإنسان العقلَ وسخَّر له الأرضَ وما فيها؛ وإذا استكبَر بما صنعَه, وانبهَر بما رآه, فالأُمَمُ السابقةُ قد فُتِح لها من القوة والمال والولد ما لم يُفتَح لهذه الأمة، قال - سبحانه -: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا}.
والأولاد زينةُ الحياة، وجعلَهم الله فتنةً، كما قال - سبحانه -: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}.
 ومن فتنتهم: التفريطُ في تنشِئَتهم على الدين أو جمعُ المال لهم من غير حِلِّه, أو تَركُ شيءٍ من أنواع الطاعات أو انتهاكُ محظورٍ من أجلهم.
وبعد، أيها المسلمون: فلا عاصمَ من الفتن إلا ما عصمَ الله، قال - سبحانه -: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}.
والدعاء سلاحُ المؤمن في السرَّاء والضرَّاء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمرَ صحابتَه بالتعوُّذ من الفتن، قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أقبلَ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ رواه مسلم.
بل وأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتعوُّذ منها في كل صلاة، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا تشهَّد أحدكم فليستعِذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجَّال»؛ رواه مسلم.
والبُعد عن الفتن عصمةٌ منها، ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهرب من الدجَّال لمن سمِعَه، ويعظُم قدرُ العبد بالبُعد عنها، قال - عليه الصلاة والسلام -: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّف لها تستشرِفه، فمن وجدَ ملجأً أو معاذًا - أي: هربًا منها - فليعُذ به»؛ متفق عليه.
والعلم الشرعي حصنٌ مكينٌ يدرأ عن الجوارح أعمالَ الشهوات، وعن القلب اعتقادَ الشُّبهات، قال - عليه الصلاة والسلام -: «تركتُ فيكم أمرين لن تضِلُّوا ما إن تمسَّكتم بهما: كتابَ الله وسنة نبيه»؛ رواه الإمام مالك.
والصلوات الخمس جماعةٌ في بيوت الله تحفظُ العبدَ من المكاره والشرور، قال - جل شأنُه -: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.
والرُّفقة الصالحةُ تُدنِي من الحق وتُباعِدُ عن الشر، وصُحبة السوء ندامةٌ تُجمِّل القبيحَ وتأزُّ إليه، والحياة مَعبَرٌ، والموفَّق من صانَه الله من الفتن والمِحَن، ثم لقِيَه وهو راضٍ عنه.
وعلى المرء ألا يغترَّ بكثرة الهالكين، وألا يستوحِش من قلَّة السالكين، ولا ينظر إلى كثرة من هلَك، وإنما ينظر إلى الناجي كيف نجا لينجو.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

* من خطبة للشيخ عبدالمحسن القاسم وفقه الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة