حادثة أبها مع الحوثي الجمعة 11/10/1440هـ


الحمدلله أعزنا بالتوحيد والسنة, وأنعم علينا بالكتاب والحكمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالدعوة إلى التوحيد، والنِذارة عن الشرك فدعا إلى الله وحده، وجاهد المشركين بيده ولسانه؛ حتى أقام الله به الدين ، وقمع به المشركين ، فصلوات ربي وسلامه عليه صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
أما بعد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن أعظم نعمة يمن الله بها على عباده هي نعمة التوحيد والسنة قال تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ .
وينشأ عن هذه النعمة لمن قام بها بحق وصدق نعمة عظيمة أخرى وهي نعمة الأمن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
ولأجل هذا فإن أي سعي في زوال هاتين النعمتين هو من أعظم الفساد في الأرض ويجب كفُّ الساعي في ذلك الفساد كلٌ بحسب قدرته، وإن من هذا ماقام به الحوثيون من الاعتداء على إخواننا المسلمين في اليمن.
في مَطْلَعِ التِّسْعِينِيَّاتِ الْمِيلَادِيَّةِ وفِي مُحَافَظَةِ صَعْدَةَ بِالتَّحْدِيدِ؛ خَرَجَتْ لِلْوُجُودِ حَرَكَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ أَطْلَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا (الشَّبَابَ الْمُؤْمِنَ) كَانَ مِنْ أَبْرَزِ مُؤَسِّسِيهَا بَدْرُ الدِّينِ الْحُوثِيِّ، ثُمَّ تَوَلَّى رِئَاسَتَهَا ابْنُهُ حُسَيْنُ بَدْرِ الدِّينِ الْحُوثِيِّ، كَانَ نَشَاطُ هَذَا التَّنْظِيمِ فِي بِدَايَاتِهِ فِكْرِيًّا يَهْدُفُ إِلَى تَدْرِيسِ الْمَذْهَبِ الزَّيْدِيِّ.
وَحِينَ حَدَثَتِ الْوَحْدَةُ الْيَمَنِيَّةُ وَفُتِحَ الْمَجَالُ أَمَامَ التَّعَدُّدِيَّةِ الْحِزْبِيَّةِ، كَانَ لِهَذَا التَّنْظِيمِ كُرْسِيٌّ فِي مَجْلِسِ النُّوَّابِ فِي الْحُكُومَةِ الْيَمَنِيَّةِ مُمَثِّلًا عَنِ الطَّائِفَةِ الزَّيْدِيَّةِ.
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ حَصَلَ انْشِقَاقٌ وَمُنَافَرَةٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الزَّيْدِيَّةِ مِنْ جِهَة، وَبَيْنَ بَدْرِ الدِّينِ الْحُوثِيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ بِسَبَبِ آرَاءِ الأخير الْمُخَالِفَةِ لِلزَّيْدِيَّةِ؛ وَمِنْهَا: دِفَاعُهُ الْمُسْتَمِيتُ وَمَيْلُهُ الْوَاضِحُ لِمَذْهَبِ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ الِاثْنَى عَشْرِيَّةِ، فَأَصْدَرَ حِينَهَا عُلَمَاءُ الزَّيْدِيَّةِ بَيَانًا تَبَرَّءُوا فِيهِ مِنَ الْحُوثِيِّ وَآرَائِهِ.
عِنْدَهَا اضْطُرَّ الْحُوثِيُّ لِلْهِجْرَةِ إِلَى إِيرَانَ، وَعَاشَ هُنَاكَ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ تَغَذَّى فِيهَا مِنَ الْمُعَتَقَدِ الصَّفَوِيِّ وَازْدَادَتْ قَنَاعَتُهُ بِالْمَذْهَبِ الْإِمَامِيِّ الِاثْنَى عَشْرِيِّ.
وَفِي عَامِ 2002 مِيلَادِيًّا عَادَ الْحُوثِيُّ إِلَى بِلَادِهِ، وَعَادَ لِتَدْرِيسِ أَفْكَارِهِ الْجَدِيدَةِ وَالَّتِي مِنْهَا: لَعْنُ الصَّحَابَةِ وَتَكْفِيرِهِمْ، وَوُجُوبُ أَخْذِ الخُمُسِ،وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَافَقَ فِيهَا مَذْهَبَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ.
وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ -أَيْضًا- كَانَتِ الْحَرَكَةُ الْحُوثِيَّةُ تُرْسِلُ أَبْنَاءَ صَعْدَةَ لِلدِّرَاسَةِ فِي الْحَوْزَاتِ الْعِلْمِيَّةِ فِي قُمْ وَالنَّجَفِ؛ لِتُعَبِّئَهُمُ الْعَمَائِمُ الصَّفَوِيَّةُ هُنَاكَ أَنَّ كُلَّ حُكُومَةٍ غَيْرِ وِلَايَةِ الفَقِيهِ النَّائِبَةِ عَنِ الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ هِيَ حُكُومَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ وَلَا مُعْتَرِفَ بِهَا.
وَلِهَذَا كَانَ لِلْحَرَكَةِ الْحُوثِيَّةِ النَّفَسُ الثَّوْرِيُّ النَّاقِمُ عَلَى الْحُكُومَةِ هُنَاكَ؛ فَانْدَلَعَتْ حُرُوبٌ خَمْسَةٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ كَلَّفَتْ بِلَادَ الْيَمَنِ آلَافَ الْأَرْوَاحِ وَخَسَائِرَ مَالِيَّةً كُبْرَى.
لقد كانت الظُّرُوفُ الِاقْتِصَادِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي يُعَانِي مِنْهَا الْيَمَنُ، وَالدَّعْمُ الصَّفَوِيُّ الْعَسْكَرِيُّ وَالْمَالِيُّ- مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتْ هَذِهِ الْحَرَكَةَ تَبْرُزُ عَلَى السَّاحَةِ فِي سَنَوَاتٍ قَلَائِلَ، فَضْلًا عَنِ الشِّعَارَاتِ الرَّنَّانَةِ الَّتِي كَانَ يَرْفَعُهَا الْحُوثِيُّونَ؛ "الْمَوْتُ لِأَمْرِيكَا والموت لِإِسْرَائِيلَ واللعنة على اليهود والنصر للإسلام"، وَغَيْرِهَا مِنَ الشِّعَارَاتِ الْخَدَّاعَةِ وَالَّتِي أَكْسَبَتْهُمْ تَعَاطُفًا كَبِيرًا بَيْنَ أَبْنَاءِ الْيَمَنِ.
لقد قلب الحوثيون ظهر المجن على أهل اليمن.. وأصبحوا أذرعة للتوغل الصفوي في المنطقة.. فدخلوا في مواجهات مسلحة مع الحكومة والشعب.. حتى سقطت بيدهم كثير من أراضي اليمن وعاثوا فيها الفساد في العباد والبلاد.
إن هؤلاء الحوثيين لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فهم يريدون نشر الرفض في بلاد المسلمين ، ولهذا فإن جهادهم – لمن صحت نيته – لمن أعظم الجهاد في سبيل الله.
وإن مما يبين عداوة هؤلاء الحوثيين مايقومون من إطلاق الصواريخ على بلادنا مستهدفين المدنيين المسالمين، ومن آخر ذلك استهدافهم المنشآت النفطية والمطارات المدنية، وصنيعهم هذا لا يفعله مسلم يخافُ الله ويعلمُ حُرمة دماء المسلمين، لكن لاعجب فسلف هؤلاء الحوثيين هم القرامطة الذين استباحوا دماء المسلمين في المسجد الحرام، فنسأل الله أن يكفينا شرهم ويرد كيدهم في نحورهم.
عبادالله: لقد امتثل جنود الإسلام والسنة في هذه البلاد لولي أمرهم بالجهاد، والرباط أمام هذا العدو.
إن جنود هذه البلاد الذين يقاتلون الحوثيين في جهاد في سبيل الله إذا صحت نياتهم, كيف لا وهم يجاهدون صائلاً مشركا يهلك الحرث والنسل, ويسعى في الأرض فسادا، كيف لا وهم يستجيبون لإخوانهم الذين استنصروهم في الدين قال تعالى : ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
إن هؤلاء الجنود يجاهدون الآن دون ديننا وأموالنا وأعراضنا، وكل هؤلاء يرجى لهم أجر الرباط في سبيل الوارد ذكره في الأحاديث النبوية إن صحت نواياهم, فمن تلك الأحاديث:
قوله ﷺ: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها". رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفَتَّان". رواه مسلـم.
فهؤلاء المرابطون لهم منا أيضا حق الذكر والدعاء, فلا تنسوهم من دعائكم رحمكم الله في كل وقت وحين.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآَنِ العَظِيمِ, وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ, قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخِلَّانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن النصر لا يأتي إلا من عند الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فلنسأل الله النصر على الأعداء, ولنلحَّ عليه بالدعاء، ولا نغتر بكثرة أو قوة, فقد اغتر بعض الصحابة بكثرتهم فلم تغن عنهم من الله شيئاً قال تعالى عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾

أيها الإخوة.. الحذرَ الحذرَ من تصديق الشائعات أو نشرِها, فإن الأخبار المختلقة الكاذبة يكون لها رواج في أوقات الحروب والفتن, وهي نوع من أنواع الحروب النفسية.
لقد رأى النبي ﷺ في منامه عذاب مُختلق الإشاعة الكاذبة فقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري قوله ﷺ: "وأما الرجلُ الذي أتيتَ عليه يُشرْشَرُ شِدْقُه إلى قفاه ومِنْخَرُه إلى قفاه وعَينُه إلى قفاه فإنّه الرجلُ يغدو من بَيتِه فيَكذِب الكذبة تبلغُ الآفاق".
فليحذر أولئك الذين يكذبون فينتشر كذبهم من هذا الوعيد الشديد.
وكذا ليحذر المسلم من نشر الإشاعة فبعض الناس يبادر بنشر مايأتيه من غير تثبت ولا رويّة.
ويزداد الأمر سوءا إذا كانت الشائعة في الأمور العظيمة التي تتعلق بالأمن والخوف وقد جاء الأدب القرآني في هذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾
قال العلامة عبد الرحمن بن السعدي رحمه الله: هذا تأديب من الله لعباده، عن فعلهم هذا غير اللائق .(أي إذاعة الأخبار) وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة، مما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر, بل يردونه إلى الرسول ﷺ، وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي، والعلم والنصح، والعقل، والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين، وسرورا لهم، وتحرزا من أعدائهم، فعلوا ذلك, وإن رأوا ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه.
كما ينبغي في أوقات الفتن عودة الناس لربها, والتوبة إليه, والإقلاع عن الذنوب, والأخطر من ذلك تفشي المعصية بين الناس, واستهانتهم بأوامر الله تعالى وحرماته, فإن المُتَحَتِّمَ في مثل هذه الأوقات الَّلجَأُ إلى الله, والتقرب إليه, وليس الصدود عنه عياذاً بالله تعالى. (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
اللهم انصر جنودنا وأيدهم بتأييدك واحفظهم بحفظك ياحفيظ, اللهم سدد رميهم ورأيهم ، اللهم عليك بالحوثيين, اللهم أدر عليهم دائرة السوء واجعل تدبيرهم تدميرهم .

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة