الأخت الجمعة 22/5/1441هـ
أما
بعد: {يَاأَيها الذين آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولاتموتن إلا وأنتم
مُسلمُون}.
يَا
أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ .. فُجِعَتْ
أم موسى بالتقاطِ آلِ فرعونَ لولدِهَا: (وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جُنُب وهم
لا يشعرون).. هل تساءلت يومًا: لماذا خَصَّتْ أم موسى أُخْتَهُ بِتَتَبُّعِ
مَسيرِهِ في اليَمِّ.. حتى وصل إلى قصرِ فرعون؟
لماذا
كانتْ الأختُ دون غيرها هي المؤهَّلةُ لحملِ الرِّسالةِ في ذلك الجوِّ المرعبِ
القاتِلِ؟ أليسَ لهُ أقاربُ؟ .. أين الجيرانُ.. أين الصالحونَ من بني إسرائيل؟
مضتْ
أختُ موسى في عالمٍ من الخوفِ والقتلِ والجبروتِ .. تسيرُ خلفَ أخيهَا الرضيعِ..
وفي قَلْبِهَا بحارٌ من الحبِّ والحنانِ والرحمةِ، لا يمكنُ لقلبٍ على الأرضِ -
بعد أُمِّهِ - أنْ يقومَ بهذا الدورِ الشُّجاعِ إلا قلبُ الأختْ..
مضتْ
أختُ موسى تَتَّبِعُ التابوتَ.. حتى ألقاهُ الموجُ بشاطئِ القَصرِ..
كانَ
بإمكانها أنْ تَعُودَ وقد أدّتْ مهمتَهَا، وأعذَرَتْ من أُمَّهَا وأخيها،
وبَذَلَتْ جُهَدَهَا، ولكنْ هيهاتَ للحبِّ في قلبِ الأختِ أنْ تنتَهِيَ قصَّتُهُ،
وهيهاتَ للأُخُوَّةِ أنْ تُسْدِلَ سِتَارَهَا..
مضت
الأخت حتى اقتربتْ من دَوَائِرِ القِرَارِ الحاسمِ، وهي ضعيفةٌ مسكينةٌ، وتحسَّست
أنباءَ حيرَةِ القَصْرِ الفرعونيِّ في البحثِ عن مرضعةٍ للصبي، الذي امتنعَ عن
الرضاعِ من كلِ المرضعاتِ.
ورُغْمَ
كلِ احتمالاتِ انكشافِ الأمرِ أمامَ مخابراتِ فرعونَ، تحرَّكتِ الأختُ المحبةُ من
جديدٍ، وصَدَعَتْ باقتراحِهَا المحفوفِ بالمخاطِرِ: (فقالت هل أدلكم على أهل بيت
يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد
الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون).
قصةُ
أختِ موسى: قصةٌ حُبٍّ مكررةٍ موجودةٍ في كلِ بيتٍ مؤمنٍ من بيوتِنَا.. قلوبٌ تحملُ
هذا الحبَّ الكبير لنا..
إنها
قصة أخواتِنا اللاتي سَطَّرَ القرآن ما يحملنهُ لنا من الحبّ..
لم
يسمِّ ربُّنا في القصة أختَ موسى، ولم يقل: قالت فلانةٌ.. وفعلت فلانة.. لأن
القضية ليست قضية فلانة.. هي أخت موسى فقط، (وقالت لأخته) المعنى في الأخوة
الكامنة هنا: الأخوة التي تبعث على الرحمة والعطاء والصلة والإحسان والقرب..
الأخت
ذلك الاسم الجميل الذي يحمل رسالة الأم..
أختك
هي أشبه الناس بأمك.. تلمح في قسمات وجهها تقاسيم طهارة وجه أمك..
إنها
شريكة الرحم والصلب.. والمهاد والرضاع، شريكة البدايات الأولى لجمال الحياة، ولبراءات
الطفولة.. فو الله لا ينسى
العشرة في أروع أيام العُمر إلا مَن باعَدَ عن الوفاء، وتنكَّر لأوثق روابط
الإخاء.
الأخت
التي أعطاها الله نصف مالك ميراثاً لها وحدها بعد موتك..
روى
ابن أبي شيبة بإسناده أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ «اسْتَشَارَ أُخْتَهُ فِي
شَيْءٍ، فَأَشَارَتْ فَقَبَّلَ رَأْسَهَا»..
ذكَرَ
أهلُ السِّيَر أنَّ الحجاج قال لامرأة أَسَر في بعض حروبه زوجَها وابنَها وأخاها:
"اختاري واحدًا منهم، فقالتْ: الزوج موجود، والابن مولود، والأخ مفقود،
أختارُ الأخ، فقال الحجاج: عفوتُ عن جماعتهم؛ لحُسْن كلامها".
كان
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحيدَ أَبَوَيه، ولكن كان له إخوة من الرضاعة،
ووقَعَ له قصة مع أخته من الرضاعة الشيماء بنت الحارث، حين وقعتْ في الأَسْر مع
بني سعد، قالتْ: يا رسول الله، إني أُختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالتْ:
عضة عضضتَنيها في ظهْري وأنا مُتَوركتُك، فعرَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
العلامة، فبسطَ لها رداءَه، فأجْلَسَها عليه وخيَّرها، وقال: ((إنْ أحببتِ فعندي
مُحَببة مُكرمَة، وإنْ أحببتِ أن أُمتِّعك وترجعي إلى قومك فعلتُ))، فقالتْ: بل
تُمتِّعني وتردُّني إلى قومي، فنحلَها غلامًا وجارية، وردَّها إلى قومها، وفي
رواية قال لها: ((سَلِي تُعْطَي، واشْفَعَي تُشَفَّعي)).
إعالة
الأخ لأخواته كإعالته لبناته في الثواب واستحقاقِ الجنة؛ كما في حديث أبي سعيد رضي
الله عنه قال: قال رسول الله: ((لا يكون لأحدٍ ثلاثُ بنات، أو ثلاث أَخَوات، أو
ابنتان أو أختان، فيتقي الله فيهن ويُحسن إليهنَّ، إلا دخَلَ الجنة))؛ رواه أحمد.
أصبحنا
نشاهد وللأسف أخوات في الستين والسبعين، قد انحنت ظهورهن، وشحبت وجوههن، ورقت
عظامهن، وساء خلق أزواجهن.. ولا يجدن ذرة من الاحترام ولا لفتة من التكريم عند بعض
إخوانهن الذين ربما ربت بعضهم، وأطعمته في حجرها، وسهرت ليلها معه في طفولته..
وجيل
جديد من الشباب ينظر بعضهم إلى أخواته كأنهن خادمات في بيته، ليس لهن منه إلا
الأمر والنهي وربما غليظ القول، وربما بلغت الوقاحة بالبعض أن يضربها لتافه
الأسباب.. في تصرفات جاهلة لا تقدر للأخت قيمتها ولا منزلتها، ولا ترفع رأساً
بحقوقها.
صِلة
الأخت بالمال والهدية أَوْلَى من الصدَقة على غيرها، ولَمَّا استشارت ميمونة رضي
الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جارية تريد عِتْقَها، قال لها:
((أَعْطِيها أُخْتَكِ، وَصِلِي بها رَحِمَكِ، ترعى عليها؛ فإنه خَيْرٌ لَكِ))؛
رواه مالك مُرسلاً.
ورَحِم
الله تعالى زوجًا أعانَ زوجتَه على صِلة أخواتها، وأمرَها بذلك، ولم يمنعْها
منهنَّ.
ومِن
إحسان العاقل إلى أخواته أن يحفظَ حقَّهنَّ من ميراثِ أبيه، فلا يحتال لأخْذِه،
ولا يُفرِّطُ في صَرفه، ومنعهن حقَّهنَّ في الميراث هو من أفحشِ الظلم، وأعظم
الجُرم؛ لضَعفهنَّ عن أخْذِ حقِّهنَّ، ولثقتهنَّ بأخيهنَّ، ولحاجتهنَّ لميراث
أبيهنَّ.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا
بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى,
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
يَا
أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
الشهمُ: من يعامل أخته الكبيرة كأنها أمه، فهو يرى فيها مشهد أمه الحبيبة، فيكرمها
ويزورها ويرى وجه أمه في وجهها، ويحسن إلى أمه وأبيه بالإحسان إلى أخته، وينظر إلى
أخته الصغيرة أنها ابنته فيرحمها ويحسن إليها ويتلطف بها، ويسعى في خدمتها..
وإكرام
الأخ زوجَ أُخته هو إكرامٌ لها؛ لأن زوجَها سيُكْرمها بسبب إكرام أخيها له، ولا
تسلْ عن فَرَح الأخت بزيارة أخيها لها في بيت زوجِها، واعتزازها به عند أهْله،
وإحساسهم بعنايته بأُخته، فيزداد إكرامُهم لها؛ لما يرون من إكرام أخيها لها،
فليستْ عندهم بدار مذلَّة ولا مضيعة، ولم يتخلَّ عنها أهلُها، وكم يفرحُ أولادُها
بخالهم، ويعتزون به كما يعتزون بأعمامهم، ولا أجمل من تَكرار صلتها حسب المستطاع.
فإنْ
كانت أُخته في بلد غير بلده، فلا أقل من أن يتعاهَدَها بالمهاتفة بين حينٍ وآخر،
وإن شدَّ رَحْلَه لزيارتها، فقد أدَّى طاعةً من أجَلِّ الطاعات وأعظمها أجْرًا في
الآخرة، وأكثرها أثرًا في الدنيا، ولا تقتصر الصلة على الزيارة والمكالمة، وإن
كانتْ أشهرها عند الناس، بل ينبغي أن يَصِلَها بالهديَّة، وبالصَّدَقة إن كانتْ
فقيرة، وبالسؤال عنها وعن أولادِها، وبالكلمة الطيبة بحضرتها، والتبسُّم في
وجْهها، وأعلى ذلك وأهمُّه الدعاء لها ولذريَّتها.
ومن
الإحسان إلى الأخت بعد موتها تفقُّد ولدها وزوجها، والدعاء لها، وإبراء ذِمَّتها
مما عليها من الحقوق؛ لما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاءتْ امرأةٌ إلى
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله، إن أُخْتي ماتتْ وعليها صيام
شهْرين متتابعين، قال: ((أرأيْتِ لو كان على أُخْتك دَينٌ أكنْتِ تقْضينه؟))،
قالتْ: بلى، قال: ((فَحَقُّ الله أَحَقُّ))؛ رواه ابن ماجه.
وعلى
الأخ ألاَّ يفرِّقَ في المعاملة والحفاوة بين عيال إخْوَانه وعيال أَخَواته بحجَّة
أنَّ عيال إخوانه يحملون لقَبه؛ فإنَّ الأخوات يلْحَظْنَ ذلك، ويُحزنهنَّ ويؤثِّر
في قلوبهنَّ، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عدَّ ابن الأخت من القوم؛ فقد
دعا الأنصار في شأنٍ خاص فقال: ((هل فيكمْ أحدٌ من غيركم؟)) قالوا: لا، إلا ابن
أُخْتٍ لنا، فقال: ((ابن أُخْتِ القومِ منهم))؛ رواه الشيخان.
كم
من أخٍ أحسنَ إلى أخَوَاته، فرفَعَ الله - تعالى - ذِكْرَه، وأعلى شأنَه، وكم من
فقيرٍ أغناه الله - تعالى - بسبب قيامه على أخَوَاته بعد أبيهنَّ، وإعالته لهنَّ،
وإحسانه إليهنَّ.
{إِنَّ
فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
شَهِيدٌ}
فاللهم
إنا نسألك أن تعيننا على بر أخواتنا, واهدنا وإياهم سبل السلام, واجمعنا معهم في
الدنيا والآخرة على كل خير يا رب العالمين.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.


جزاكم الله خيرا لهذه الفرائد و لهذه الفوائد ، و نفع بكم ، و ليتكم تختصرون الخطبة وتجعلونها مسجلة أو مننتجة على قناة في يوتيوب ليسهل نشرها و الاستفادة منها 🌷
ردحذف