تعظيم النص النبوي الجمعة 27/6/1441هـ



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}, (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: فإن الله تعالى لم يترك خلقه هملاً, فأرسل إليهم الرسل, وكان من نصيب هذه الأمة أن أرسل إليها خاتم رسله, وأَمَرَ تعالى باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم بِاتِّبَاعِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِيزَانَاً لِصِدْقِ مَحَبَّةِ اللهِ, فَقَالَ:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).
 لقد بَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كَلامَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدْيَهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَقَالَ: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
فَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَاتِّبَاعُهُ فَرْضٌ , وَمَحَبَّتُهُ لِزَام , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
حديثنا اليوم عن حق من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم, ولازم من لوازم محبته، إذا استقر في القلب أثمر الانقياد والطاعة.
به يتمايز أهل الإيمان عن أرباب النفاق، وهو مؤشر على تجذر التقوى, وبرهان على بشاشة الإيمان في القلوب، هو المعيار عند حصول الاختلافات ، وتعدد الرؤى والاتجاهات.
إنه تعظيم النص النبوي, فلا يسعُ كلَّ مسلم رضي بالله رباً, وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولاً, إلا التوقيرَ والإجلالَ والتسليمَ لنبيه صلى الله عليه وسلم .
إن تعظيم النص النبوي هو في الحقيقة تعظيم لمن صدر عنه هذا القول: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ).
حين نقترب من سير سلفنا وصالحي أمتنا, نرى صوراً براقة ولوحات وضاءة في تعظيم النص النبوي، لقد كان هذا الجيل الفريد أتم الأمة حفاوة وأدباً مع النص النبوي ،كانوا ــ رحمة الله عليهم ــ لهم تميز في ذلك، وأخبارهم يعز نظيرها وتكرارها.
فلم يكن الواحد يتلقى القول النبوي على أنه كمٌّ معرفي أو تكديس ثقافي، أو ذوق أدبي، ولكن كان يتلقاه باستشعار أنه نور، فلا تسل بعد ذلك عن عمله وتشبثه بهذا النور.
كانت نفوسهم تتشوف وتتشوق للكلمات النبوية، وتتحينها بشغف ونَهَمٍ، فكانت فيهم خصلة سرعة الاستجابة والامتثال.
ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي كلمات مختصرات فيقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصَعُدات تجأرون إلى الله)، نعم هي عبارات معدودات، ولكنها لم تكن مجرد كلمات تذهب في الهواء، فكيف كان وقع هذه الجملة القصيرة على نفوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟
لقد غطوا رؤوسهم ولهم خنين من البكاء, هذه القلوب التي امتلأت تعظيما وطاعة واستجابة للنص النبوي هي التي أثرت بعد أن تأثرت، وربَّت بعد أن تربت ، وأصبح خبرهم سلفا ومثلا لمن بعدهم .
ومع موقف آخر مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه, فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ , وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ .
وفي موقف آخر يسمع عبدالله بن عمر رضي الله عنه ذلك الشاب اليافع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى باب من أبواب المسجد النبوي فيقول: (لو تركنا هذا الباب للنساء)
إنه مجرد عرض واقتراح وليس أمراً ملزماً، فكيف استجاب عبدالله بن عمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو تركنا هذا الباب للنساء"؟
لقد كانت استجابته أنه لم يدخل من هذا الباب حتى مات رضي الله عنه.
ومع ابن عمر رضي الله عنه أيضا : يصله خبر حبيبه صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : (نعم الرجل عبدالله لو كان يقوم من الليل) ، وإذا بهذه الكلمة المختصرة تغير مجرى حياة ابن عمر ، فكان ابن عمر بعدها لا ينام من الليل إلا قليلا.
وهذا عبد الله بن رواحه أحد شهداء غزوة مؤتة تجره رجلاه نحو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا به يسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على منبره يخاطب الناس (اجلسوا) ، وابن رواحة لم يدخل المسجد فما كان منه رضي الله عنه إلا أن جلس خارج المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته فبلغه ما فعل ابن رواحة فقال له: (زادك الله حرصًا على طواعية الله ورسوله).
أما الوعيد النبوي والنهي المحمدي فقد كان يقع على قلوبهم موقعاً عظيماً وإن كان في أمر يستصغره كثيرٌ من الناس.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرف على صحابته ، وإذا به يرى في يد أحدهم خاتماً من ذهب ، فيأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يده ثم يرمي به، ويقول: (يعمَد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده), وينظر الرجل إلى خاتمه يلقى ، ينظر إلى ذهب قد اشتراه بمالِه يلقى بعيدا عنه، فماذا صنع الرجل ؟ انفض المجلس ، فقال بعضهم له: (لو أخذت خاتمك فانتفعت به), يعني ببيع أو غيره, لكن  الرجل رضي الله عنه قال: لا والله ، لا أخذه وقد ألقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله.. أمر أن لا تعبدوا إلا إياه.. وجعل الجنة لمن أطاعه واتقاه.. وجعل النار لمن تعدى حدوده وعصاه. والصلاة والسلام على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. هكذا كان حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص النبوي وهكذا كان تعظيمهم لأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم، فجاء التابعون ومن بعدهم فتعلموا منهم هذا الحب والاحترام والإجلال.
فها هو عالم المدينة ابن أبي ذئب يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رجل: أتأخذ بهذا؟ قال الراوي: فضرب ابن أبي ذئب في صدر ذلك الرجل، وصاح به :أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تقول أتأخذ به! نعم آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه.
وهذا الفقيه العبقري محمد بن إدريس الشافعي يسأله أحد تلاميذه عن مسألة فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول له: وأنت يا أبا عبد الله ماذا تقول؟ ووقعت الكلمة على الشافعي موقعا شديداً, فقال له بحدة: أترى في وسطي زُنَّارا ,أترى على رقبتي صليبا, أترى علي مسوح اليهود والنصارى؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تقول: بم تقول يا أبا عبد الله؟
هكذا كان شأن علماء السنة والصحابة وحملة الأثر مع النص النبوي فما خبرنا معه؟
ما خبرنا نحن، ونحن تطرق مسامعنا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره وزواجره ونواهيه، فما أسهل على كثير منا أن يلقيه خلف ظهره,ثم يمشي هو خلف هواه (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ).
يا ترى: هل عظم النص النبوي من استهزأ بدينه, واستخف بسنته؟
هل عظم النص النبوي من قدم عقله أو ذوقه أو هواه على قول محمد صلى الله عليه وسلم؟
أين تعظيم أكلة الربا للنص النبوي ؟ ألم يسمعوا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه؟
المتساهلون بالرشوة: أما فَرَقَ قلوبَهم وعيدُ النبي صلى الله عليه وسلم: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي.
يا من نام عن فجره ، وخف مقام الصلاة في قلبه ، أين تعظيمك لقول المعصوم صلى الله عليه وسلم : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)؟
إن تعظيم النص واحترامه لهو أقوى سياج للحفاظ على الهوية الإسلامية في المجتمعات ، وتعزيز التدين في النفوس ،وتقوية الصلة بالسنة النبوية .
إن إحياء مبدأ تعظيم النص النبوي وإجلاله ليتأكد في زماننا هذا الذي كثرت فيه الانحرافات وأصبح لأهل الزيغ صوت مسموع ، وإعلام مرفوع، ومقالات وتغريدات تطير في الآفاق.
إن نصوص الوحيين لا يمكن أبدًا أن تعارض العقل البشري، فالعقل السليم يشهد بصحة الشريعة جملة وتفصيلاً، وإذا وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فالنقص ولا شك في عقول البشر, إن عقول البشر تختلف في مدى إدراكها وتفكيرها فلا يمكن أبدًا أن يكون العقل المجرد هو معيار قبول الأحاديث وردها.
وإذا صحَّ الحديث فلا يتوقف في قبوله أن يعرض على البحوث والدراسات المعاصرة، فإن الدراسات والبحوث علوم تجريبية قد تختلف نتائجها في الغد عما انتهت إليه اليوم.
إن الحديث إذا صح فقد جاءنا مختوماً بشهادة (وما ينطق عن الهوى)، وإن كان الوقوف على تلك الدراسات مما يزيد الطمأنينة في النفوس.
فاللهم اجعلنا ممن تمتلئ قلوبهم ببرد اليقين, وصدق الإيمان يا رب العالمين.
 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة