الرجولة الجمعة 24/3/1443هـ

 

الرجولة                                  الجمعة 24/3/1443هـ



الحمد لله الذي بيده الإيجاد والإنشاء، والإماتة والإحياء، والعافية والبلاء، والدَّاء والدَّواء، خلق آدم وبثَّ من نسله الرجالَ والنساء، فمنهم العالم الذَّاكر ومنهم الجاهل النسَّاء، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾.

وأصلي وأسلم على رسول الله محمد أشرفِ راكبٍ حوته البيداء، وعلى آله وأصحابه أولي العزة والإباء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء.

أما بعد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنَّوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنَّوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنَّوا، فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان.

رحم الله عمر الملهم، تمنى داراً مملوءة رجالاً.. نعم رجال.. فعلى أكتاف الرجال تقوم الحضارات، وتنهض الرسالات، وعلى أكتاف الرجال تحيا الأمم، وتنتفض الهمم.

وجود رجل حقيقي أعز من كل معدن نفيس، وأغلى من كل جوهر ثمين، ولذلك كان وجودُه عزيزاً في دنيا الناس، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) رواه البخاري.

وقد قيل: رجل ذو همة يحيي أمة.

يعد بألف من رجال زمانه *** ولكنه في الألمعية واحدُ

القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح المعلم.

    حاصر خالد بن الوليد رضي الله عنه (الحِيرة) فطلب من أبي بكر رضي الله عنه مدداً، فما أمده إلا برجل واحد هو القعقاع بن عمرو التميمي وقال: لا يُهزم جيش فيه مثله، وكان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل!

ليست الرجولة ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ}، ومع هذا فهم {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}، وفي الحديث الصحيح: (( يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة))، اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً}.

الرجولة بإيجاز هي قوة الخُلُق وخُلُق القوة.

إن من أفضل ما تتعاون عليه أدوات التوجيه كلُّها من صحافة وإذاعة، ومسجد ومدرسة، هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.

إن الرجل الواحد قد ينقذ الموقف بمفرده بما حباه الله من الخصائص الإيمانية والمواقف الرجولية التي ربما عملها بمفرده، وفي القرآن الكريم في قصة موسى حين قتل القبطي، قال الله تعالى:{وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}، وفي سورة يس في قصة أصحاب القرية إذ جـاءها المرسـلون قال الله تعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ}.

في كلا الموقفين رجل واحد ينقذ الموقف بخصائصه الذاتية والإيمانية، ولا يستـوحش من غربته بين أهله.

أيها الإخوة.. فإنّ مما يعاني منه كثير من الناس ظهور الميوعة وآثار التّرف في شخصيات أولادهم، وقد لخص بعض التربويون حلولاً ووسائل لزرع الرجولة في الأبناء فمن ذلك:

التكنية: أي مناداة الصغير بأبي فلان أو الصغيرةِ بأمّ فلان، فهذا ينمّي الإحساس بالمسؤولية، ويُشعر الطّفل بأنّه أكبر من سنّه فيزداد نضجه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكنّي الصّغار؛ كما كان يقول لأخ أنس بن مالك رضي الله عنهما: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟))

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: أخذه للمجامع العامة وإجلاسُه مع الكبار؛ وهذا مما يزيد في عقله، ويحمله على محاكاة الكبار، ويرفعه عن الاستغراق في اللهو واللعب.

بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، قد قلت ما سمعتم، وأستغفر الله تعالى لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، أما بعد:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ومما ينمي الرجولة في شخصية الأطفال: تحديثهم عن بطولات السابقين واللاحقين، والمعارك الإسلامية وانتصارات المسلمين؛ لتعظم الشجاعة في نفوسهم، وهي من أهم صفات الرجولة.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تعليمه الأدب مع الكبار، ومن جملة ذلك ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يُسلِّمُ الصَّغِيرُ على الكبِير، والمارُّ على القاعِدِ، والقليلُ على الكثِيرِ" رواه البخاري.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: إعطاء الصغير قدره وقيمته في المجالس، ومما يوضّح ذلك ما رواه سَهْلُ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارهِ فَقَالَ: يَا غُلامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأشْيَاخَ؟ قَال: ((مَا كُنْتُ لأوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ)) رواه البخاري.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تجنب إهانته، خاصة أمام الآخرين، وعدم احتقار أفكاره، وإعطاؤه قدره وإشعاره بأهميته، جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم. رواه مسلم.

كما ينبغي استشارته وأخذ رأيه، وتوليته مسؤوليات تتناسب مع سنّه وقدراته، وكذلك استكتامه الأسرار.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تعليمه الرياضات الرجولية؛ كالرماية والسباحة وركوب الخيل، جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنهما أَنْ عَلِّمُوا غِلْمَانَكُمْ الْعَوْمَ. رواه الإمام أحمد.

ومما ينمي الرجولة في شخصية الطفل: تجنيبه أسباب الميوعة. فيمنعه وليّه من رقص كرقص النساء، ومشطة كمشطتهن، ونحو ذلك مما يخص النساء.

أيها الإخوة.. إن تربية الأبناء لا تكون بين يوم وليلة.. ولا بعصا سحرية يتغير معها مباشرة، بل لا بد من الصبر والاحتساب، وسؤال الله للأبناء الصلاح والتوفيق والهداية.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويهدى فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتقال فيه كلمة الحق يا سميع الدعاء.

اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام، فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة