مخالفات رمضان الجمعة 14/9/1443هـ

 

مخالفات رمضان                             الجمعة 14/9/1443هـ

 


الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، وأجزل فيه الفضائل والإنعام، وشرف أوقاته على سائر الأوقات، وفضل أيامه على سائر الأيام، وخصه على سائر الشهور بمزيد من الفضل والإكرام، وعَمَر نهاره بالصيام، ونوَّر ليله بالقيام، أحمده وأشكره على إحسانه العام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المُتفرد بالكمال والتمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وأتقى من تَهجد وقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه هداة الأنام، ومصابيح الظلام، ومن تبعهم بإحسان وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن الله تعالى افترض على عِباده صوم رمضان، وجعله ركنًا من أركان الإسلام التي لا يقوم إلا بها، وأي عبادة لا بد لقبولها من توافر شرطين: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللناس في رمضان أفعال وتصرفات بعضها توافق الشرع وأخرى تخالفه، وحديثنا هذا اليوم بإذن الله عن بعض التصرفات التي يرتكبها الصائمون في رمضان، نتعرف على أحكامها، لنؤدي عبادة الله تعالى على بصيرة، فتكون أدعى للقبول، فمن ذلك:

استمرار بعض الصائمين في الأكل والشرب حتى انتهاء المؤذن من أذانه، وبعضهم يأكلون حتى يقول المؤذن (حي على الصلاة)، وكل ذلك مخالف للشرع، فإن الواجب أن يتوقف المسلم عن الأكل والشرب حين طلوع الفجر، وعلامة ذلك بداية أذان المؤذن، فالله تعالى يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}.

ومن أخطاء الصائمين تعجيل السحور، فيأكل في منتصف الليل على أنها وجبة السحور، والسنة أن يؤخر السحور إلى وقت السحر، وهو الوقت الذي يسبق طلوع الفجر، فعن أنس رضي الله عنه قال: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قال الراوي: قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.

ومن أخطاء بعض الصائمين التلفظ بنية الصيام، فالنية محلها القلب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند البخاري: (إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى)، ولم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلفظ بالنية، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الصحيحين: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌ).

ومن أخطاء بعض الصائمين تفويت صلاة المغرب مع الجماعة وصلاتها في البيت، وهذا خطأ عظيم، فالمفترض على المسلم أن يبادر إلى الصلاة في ختام هذه العبادة العظيمة وهي صيام يوم من أيام رمضان، روى الترمذي وابن حبان وصححه الألباني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر).

وكذلك الأمر فيمن يفوت صلاة الفجر أو الظهر أو العصر بسبب النوم، فهذا غلط، وصاحبه على خطر عظيم، وتضييع صلاة الجماعة مما يخل بصيام المسلم، ويزداد الإثم في حال تفويت الصلاة حتى يخرج وقتها.

ومن أخطاء الناس في رمضان تفويت صلاة العشاء لأجل إدراك صلاة التراويح في مسجد معين، فيتخطى الواحد منهم المسجد تلو المسجد وهو يسمع الصلاة تقام، والناس تصلي ثم يجتازها كلها ليصلي في مسجد محدد، ويتسبب في فوات صلاة العشاء مع الجماعة، وهذا غلط عظيم، فإن صلاة الفريضة أهم من صلاة النافلة وأولى بالحرص منها.

ومن الأخطاء الانصراف عن صلاة التراويح مع الجماعة قبل أن ينتهي الإمام منها، فإن السنة أن يُكمل المؤمن صلاة التراويح مع الإمام حتى ينصرف ويُكتب في عداد القائمين لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قام مع إمامه حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة).

ومن أخطاء المصلين في التراويح مسح الوجه أو الجسد باليدين بعد الفراغ من دعاء القنوت أو بعد انتهاء الصلاة، فمسح الوجه بعد الدعاء داخل الصلاة مما لم يرد به دليل، قال الفيروز آبادي رحمه الله: (وباب مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ما صح فيه حديث).

ومن أخطاء الناس في رمضان تناقلهم لأحاديث ضعيفة أو موضوعة من باب الترغيب في الخير، ومن هذه الأحاديث: (شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار)، وحديث: (لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن يكون السنة كلُّها)، وحديث: (صوموا تصحوا)، وغيرها من الأحاديث.

بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، قد قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. مما ينتشر بين بعض الناس الاحتفال في يوم الخامس عشر من رمضان أو قبله أو بعده بما يسمى بالقرقيعان.

ولمعرفة حكم هذا الاحتفال يجب أولاً أن نتجرد لمعرفة الحق حتى نعبد الله تعالى على بصيرة، ولئلا يقع الإنسان في الخطأ من حيث لا يشعر، ولمعرفة حكم الشرع في أي مسألة فقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى في موضعين من كتابه العزيز لسؤال أهل العلم، فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

والقرقيعان مما يتكرر في كل عام مرة في منتصف شهر رمضان، يُظهِر الناس فيه الفرح، ويلبس الأطفال الملابس المزينة، وقد يطوفون فيه على البيوت يجمعون الحلوى والنقود، أو تجتمع فيه بعض الأسر لتناول العشاء وتوزيع الحلوى والنقود على الأطفال.

وتحديد وقت في السنة يظهر فيه الفرح من كل عام يسمى عند العرب عيدًا، جاء في لسان العرب: "العيد كل يوم فيه جَمعٌ يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل اشتقاقه من العادة، والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن".

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عن حكم الاحتفال بالقرقيعان فأجابت بما نصه: "إن الاحتفال في ليلة الخامس عشر من رمضان أو في غيرها بمناسبة ما يسمى مهرجان القرقيعان بدعة لا أصل لها في الإسلام (وكل بدعة ضلالة)، فيجب تركها والتحذير منها ولا تجوز إقامتها في أي مكان لا في المدارس ولا في المؤسسات أو غيرها، والمشروع في ليالي رمضان بعد العناية بالفرائض الاجتهاد بالقيام وتلاوة القرآن والدعاء".

إذا علمت ذلك أيها الموفق.. وتبين لك أن الاحتفال بالقرقيعان أمر لا يجوز، فاعلم أنه ينبغي ترك هذا الاحتفال والامتثال لشرع الله تعالى، وقد فقه الصحابة رضوان الله عليهم هذا الأمر، فقد روى أبو داود رحمه الله في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (ما هذان اليومان؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله عليه وسلم: (إن الله أبدلكما بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر).

فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم قد اعتادوا على الاحتفال بيومين، لكن لما جاء النهي عن الاحتفال بهما امتثلوا لهذا النهي، واكتفوا بما حدده الشارع من يومي عيد هما عيد الفطر والأضحى.

ومما يشكل على بعض الناس أنهم لا يعدون هذا الاحتفال عيدًا، وإنما هو من العادات والتقاليد التي تتجدد كل عام، ولا ينوون بها العيد، فيقال لهؤلاء إنه لا عبرة بعرف الإنسان الشخصي أو قصده إذا خالف الشرع.

ألا فلنتق الله عباد الله، ولنعلم أن كثيرًا من البدع والضلالات بدأت باستحسان الناس لأمور قرروها أو وجدوا عليها آباءهم، ثم آل الأمر إلى ضلال والعياذ بالله، ولو تأمل الإنسان حال كثير من الأسر وما يحصل من الاستعداد لهذا الاحتفال وتزيين البيوت وشراء الحلوى والملابس بما لا يحصل مثله في يومي العيد الشرعيين علم أن الاحتفال بهذا اليوم أصبح عند الكثير أعظم من الأعياد التي اختارها الله لنا.

فاللهم وفقنا لاتباع السنة، وجنبنا البدع يا رب العالمين.

اللهم كما بلغتنا شهر رمضان فامنن علينا بالإعانة والقبول، اللهم وفقنا لمرضاتك، وحبب إلينا الطاعات، وكرِّه إلينا الفسوق والمنكرات.

عباد الله.. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

  1. خطبة قيمة خصوصا في تحرير مسألة القرقعان .. كتب الله أجركم ( طارق العمودي)

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة