الانتخابات البلدية (1) الجمعة 20-11-1436هـ
الحمد
لله شهدت بوجوده آياته الباهرة, ودلت على كرم جوده نعمه الباطنة والظاهرة، وسبحت
بحمده الأفلاك الدائرة، والرياح السائرة، والسحب الماطرة.
هو الأول فله الخلق والأمر، والآخر فإليه الرجوع
يوم الحشر، هو الظاهر فله الحكم والقهر، والباطن فله السر والجهر.
أشهد
إن لا اله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير
أنشـأتني
ورحمـتني وسترتني *** أحسِن فأنت المحسنُ المفضالُ
ما
لي سواك وأنت غايةُ مقصدي *** يا من له الأنعام والأفضـالُ
وأشهد
أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.
إذا
سار سار النور معه، وإذا نام فيّح الطيب مضجعه، وإذا تكلم كانت الحكمة مُرفَعَه.
الله
زاد محـمـدًا تكـريـمًا *** وحباه فضلاً من لدنه عظيماً
واختاره
في المرسلين كريمًا *** ذا رأفة بالمؤمنـين رحيـمًا
صلوا
عليه وسلموا تسليمًا
وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه
وتمسك بسنته واقتدى بهديه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين, ونحن معهم يا أرحم
الراحمين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. امتلأت
الشوارع هذه الأيام بالإعلانات عن فترة تقييد أسماء الناخبين الذي يرغبون المشاركة
باختيار مرشحيهم لدخول المجالس البلدية, وقد بقي على انتهاء فترة تقييد الأسماء
كناخبين اثنا عشر يومًا.
والمتتبع لحال الناس هذه الأيام في
مجالسهم ومنتدياتهم يلحظ زهدًا من الكثيرين بالمشاركة في تقييد أسمائهم أو تحديث
بياناتهم للمشاركة في هذه الانتخابات.
ولسان حال الناس أو مقالهم: أن هذه
الانتخابات ليست بذات فائدة تذكر, فقد انتخبنا مرشحينا في الدورتين السابقتين ولم
نلحظ تغيرًا, وإنما كان عهدنا بهم حين إعلان النتائج!
ويقول آخرون أن هذه الأعضاء المنتخبون
ليسوا بذي ثقل مؤثر في صنع القرار, ولذلك لا حاجة لأن أذهب للتصويت أو الترشيح .
ربَّما كانت هذه الأسباب لها اعتبارها
لديك، لكنْ أنت أمام واقعٍ قائمٍ، ولست أمام خيالٍ حالم.
أيها الأخ المبارك .. في كل دول العالم
فإن الانتخابات وإن كان مقصدها الأساس هو اختيار أعضاء المجالس البلدية أو
النيابية أو حتى اختيار رئيس للبلاد .. إلا أن الانتخابات أيضًا هي وسيلة لقياس
الثقل المجتمعي والانتشار العددي لأي فكر أو توجه ديني أو مذهبي أو سياسي.
إن التكاسل عن تقييد اسمك في سجل
الناخبين يفوت عليك الفرصة غدًا إذا جاء موعد الاقتراع واختيار المرشحين لأن تختار
من ترضاه ممثلاً لك في المجلس البلدي.
وفي الوقت نفسه يتيح لبعض أصحاب
التوجهات المنحرفة, أو ضعاف النفوس ممن يريد خدمة نفسه أو مذهبه أو فكره على
المصلحة العامة للأمة, يتيح له المجال لأن يكون عضوًا في المجلس البلدي يزاحم
المخلصين لبلدهم, ويعطي إشارة أيضًا أن أصحاب هذا التوجه أو هذا الفكر أو المذهب
هم أغلبية في هذه المنطقة أو هذه البلد.
إن كثيرًا من المنحرفين قد نظموا أنفسهم
وأعدوا العدة ووزعوا أنفسهم على الدوائر الانتخابية, وخرجوا رجالاً ونساء وشيبًا
وشباناً لتقييد أسمائهم, استعدادًا ليوم الاقتراع.. ومع ذلك كثير منَّا لا يزال
يتصرف بسلبية تامة وكأن الأمر لا يعنيه.
لقد قالت بنت صاحب مدين لأبيها عن موسى
عليه السلام: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ
الْأَمِينُ}.
فذكرت أهم صفتين من الصفات الواجب
توافرها فيمن يتولى ولاية وهي القوة مع الأمانة.
إن
كثيرًا من الناس في مجالسهم العامة والخاصة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي
يُوَجِّهون الانتقاداتِ تلو الانتقادات على أداء البلديات، بل المجتمعُ بعمومِه
يوجِّهُ انتقاداتٍ كثيرةً على أعمال البلديات (معظمُهما حقيقيٌّ صحيحٌ)، وهذه
ظاهرةٌ صِحِّيَّةٌ لا غبارَ عليها.
ولكنِ
هل نكتفي بالنقد .. والنقد فقط؟ لقد جاء دَوْرُك الآنَ، والكُرَةُ في مَرْمَاكَ، فهل
أنت قادرٌ على أن تحوِّلَ الانتقادَ إلى إنجازٍ من خلال الترشيح والانتخاب؟
أو أنَّك تحِبُّ أنْ
تُسْمِعَ جَعْجَعَةً دونَ أنْ تري طِحْنًا؟
قال الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ
بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ
نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.
شاركْ وغيِّر وطوِّر، وفوِّت الفرصة على
ذوي الأغراض المشبوهة, والأفكار المنحرفة, فإن ذلك قربة لله تعالى إذا احتسبه
العبد لله تعالى, فصوتك أمانة.
معاشر المسلمين:
إن الانتخابات البلدية من جملة التراتيبِ الإداريةِ الإجرائيةِ التي يمكن أن
يُستفاد منها؛ إذْ تحكُمُها قاعدةُ "جلبِ المصالح ودرءِ المفاسد"
وتنبثقُ من دليل "المصلحة المرسلة" الذي أُعمِلَ كثيرًا في العهود
الإسلامية .
إنَّ تأديةَ خدماتِ الناسِ ومصالِحِهم
من الواجبات الشرعية، ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الناس إلى الله
أنْفَعُهم للناس ..ثم قال.. ولَأَنْ أمشيَ مع أخي المسلم في حاجةٍ أحبُّ إليَّ
مِنْ أنْ أعتكفَ في هذا المسجد شَهْرًا» (يعني مسجدَ المدينة) رواه الطبراني وغيره
بسند حسن.
بل إنَّ خدمةَ الحيوان، وتسهيلَ طريقِه
.. مسؤوليةٌ جماعيةٌ، وقربةٌ إلى الله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [والله لو
أنَّ بغلةً عثرتْ في أرضِ العراق لسَألني اللهُ عنها: لِمَ لَمْ تمهِّدِ الطريقَ
له يا عمرا؟] فكيف بخدماتِ الناس، ونظافةِ بيئتهم؟!
جاء في مسند الإمامِ أحمدَ بسندٍ جيِّدٍ
أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ
شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ صِلَةَ الْحَبْلِ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ شِسْعَ
النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي،
وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ...»
فيا سبحان الله! هذا في الخدمات الفردية
الاختيارية، فكيف بالخدمات العامة كتعبيد الطرق وإنارتِها، وتخطيطِ الأحياءِ فمساجدُها
موزَّعةٌ بشكلٍ جيدٍ، وفيها حدائقُ وملاعبُ مناسبةٌ، إلى آخر الأعمال الكثيرة التي
هي من صميم عمل المجالس البلدية.
قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن ابن
جبرين رحمه الله: [نظراً لأهمية هذه الانتخابات، وآثارِها المنتظرةِ في تحسين وضع
البلاد، واختيارِ ما له أهميةٌ ومصلحةٌ في البلاد والعباد، فإنَّنا نرى أهميةَ
المشاركة في هذه الانتخابات، واختيارَ الأفضلِ من المرشحين من أهل الخبرة والمعرفة
والصلاحية لخدمة المشاريع البلدية، ورجاءَ أن يكون المرشَّحون من أهل الصلاح والإصلاح،
والعملِ فيما يكون سبباً في الاستقامة واختيارِ ما يناسب البلاد، ممن يرجون الله
والدار الآخرة، وينصحون لولاة الأمر وللمواطنين، فمتى تقدَّم أهلُ الخبرة والمعرفة
والاستقامة لاختيار من لهم صلاحٌ ومعرفةٌ، فإنَّ ذلك خيرٌ في الحال وفي المآل،
والله أعلم].
وقال الشيخ البراك حفظه الله: [إذا
طُلِب من الناس أن ينتخبوا، فينبغي لطلابِ العلمِ وأهلِ الخير أن يشاركوا باختيارِ
الأصلحِ في أمور الدين والدنيا من المرشَّحين؛ حتى لا يسْتَبِدَّ الجُهَّالُ
والفُسَّاقُ وأهلُ الأهواء باختيار مَنْ يوافقُ أهواءَهم، ومْن هو على شاكِلَتِهم،
ففي مشاركة أهل الخير تكثيرٌ للخير وتقليلٌ للشر، بحسب الاستطاعة، وقد قال الله
تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال الله عز وجل: {فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ].
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة,
ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه
هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية :
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا
بَعْدُ :
فاتقوا الله تعالى في الولايات والأمانات والمشاركات.
أخي
الناخب: إن كان عمرك بلغ الثامنة عشرة سنة فإن تسجيلك في قيد الناخبين يعني إثباتَ
وجودٍ، وإنَّ تركَ ذلك بغير سببٍ صحيحٍ يعني أنَّك مُهمَلٌ مهمِلٌ مهَمَّشٌ.
واعلم
أن التسجيل في الانتخاب يكون بأحد طريقين إما بالتَوَجَّهِ إلى أقرب المراكزِ
الانتخابيةِ منك، مُصْطحِبًا الوثائقَ المطلوبةَ، لتحصل على بطاقة (ناخب), وإما
بتحديث بياناتك عن طريق الانترنت أو الهاتف الانتخابي إن كنت ممن سبق لهم التسجيل
في الدورات السابقة.
أيها
الناس: وكما أنَّ المشاركةَ تكونُ بقيد
الناخبين، فكذلك تكون بتسجيل المرشَّحين. (والمرشَّح أخطر من الناخب).
فيا
أيها المرشَّح: إيَّاك إيَّاك أن تترشَّح لولايةٍ لستَ كُفْئًا لها، إمَّا لضعف
قُدْرتِك، أو لقلَّة أمانتِك.
أيها
المرشَّح: لا بدَّ أن تكون أميْنًا دَيِّنًا صيِّنًا مصلِّيًا، حافظًا لحدود الله،
معظِّمًا لمحارم الله، تخشى الله، وتُراقبَ الله، ولديك القدرةُ والقوةُ
والفَهْمُ، وإلَّا فأنْجِ نفسك.
لقد
نهى الشارع عن طلب الأمارة أو الولاية.. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة
، فنعم المرضعة ، وبئست الفاطمة" رواه أحمد والنسائي.
وعن
عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن
بن سمرة لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها
عن مسألة وكلت إليها" متفق عليه.
وقال
صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه عن الأمارة: "إنها أمانة، وإنها يوم
القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
إلا
أنه يجوز طلب الولاية إن كان لإصلاح ما فسد منها، وعَلِم طالبُها من نفسه القدرة
عليها، كما قال يوسف عليه السلام لعزيز مصر: { اجْعَلْنِي
عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
فكلُّ
مُرشَّحٍ رأى في نفسه الكفاءةَ والأمانة، وأحبَّ نفعَ أمَّتِه، وقطْعَ الطريق على
تولِّي الأشرارِ زمامَ الأمور، فهو مأجورٌ مشكورٌ معانٌ مُسدَّدٌ بإذن الله تعالى.
إنَّ
الإيجابيةَ تقتضي التفاعلَ مع هذا الحدث، مع السعي الحثيث لتطويره، ومعالجة قصوره.
وإذا
رأيتَ مِنَ الهِلالِ نُمُوَّهُ *** أيْقَنْتَ أنْ سيَصيرُ بَدْرًا كَامِلًا
يقول
الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق