وقفات مع عدة موضوعات (رافعة الحرم - المسجد الأقصى - 10 ذو الحجة)
الحمد
لله الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، له ما في السماوات وما في الأرض
وما بينهما وما تحت الثرى، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه واستغفره, نعمه لا تحصى
، وآلاؤه ليس لها منتهى ، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله, هو أخشى الناس لربه وأتقى، دلَّ على سبيل الهدى، وحذَّر من
طريق الردى, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه معالم الهدى، ومصابيح الدجى،
والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.
{
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. لما قعدتُ لأعد خُطبة
هذا الأسبوع .. تزاحمت المواضيع في ذهني, فهناك جملةٌ أحداث حصلت في الأسبوع
المنصرم تستدعي الوقوف معها, إضافة إلى ما نعيشه هذه الأيام من وقت فاضل يستلزم
التذكير باستغلاله والمسارعة إلى الخير فيه, فتحيرتُ هل أتكلم عن موضوع واحد كما
جرت عليه العادة وأهمل بقية المواضيع, والناس في حاجة لبيان الموقف الشرعي لكثير
من الأحداث, أم أهمل جميع الأحداث وأتكلم عن فضل العشر من ذي الحجة, فاخترت أن
أتحدث في هذه الخطبة عن أكثر من موضوع عل شكل وقفات مما عايشناه الأسبوع المنصرم
ومانزال نعايشه, سائلاً الله التوفيق والسداد.
الوقفة
الأولى: مع حادثة سقوط الرافعة في البيت الحرام.
حيث
سقطت ــ كما تعلمون ــ إحدى الرافعات العملاقة لمشروع توسعة المسجد الحرام, مما
خلف عشرات القتلى والجرحى, أسأل الله أن يتقبل من مات في عداد الشهداء, وأن يشفي
جميع المصابين إنه سميع قريب.
أخرج
ابن حبان في صحيحه من حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه أن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم قال: ( الشَّهادةُ سبعٌ سوى القتلِ في سبيلِ اللهِ: المبطونُ شهيدٌ,
والغريقُ شهيدٌ, وصاحبُ ذاتِ الجَنْبِ شهيدٌ, والمطعونُ شهيدٌ, والحريقُ شهيدٌ,
والَّذي يموتُ تحتَ الهَدَمِ شهيدٌ, والمرأةُ تموتُ بجُمعٍ شهيدٌ ), وهؤلاء ما توا
تحت الهدم نسأل الله لهم أن يكونوا من الشهداء.
والمتأمل
لهذه الحادثة يتبين له قرب الموت والأجل والنهاية من بني آدم, فبينما الناس في صحن
المطاف, وبقرب الكعبة الشريفة, وفي المسعى بين الصفا والمروة, آمنين مطمئنين..
وبلمحة البصر وفي ثوان معدودة, تسقط الرافعة الضخمة على رؤوس الناس, فتفيض عشرات
الأرواح في الحال, ويصاب أناس بإعاقات دائمة .. كل ذلك في بضع ثوانٍ.
لقد
كان الموقف صعبًا صعبًا, فمن كان يتخيل أن يحدث ما حدث؟
من
كان يتخيل أن تفيض الأرواح .. وتزول النعم في ثوانٍ معدودة؟
لقد
حدَّث أناس ممن شهدوا الحادثة أنهم ظنوا القيامة قامت من هول ما رأوا.. فصحن الحرم
فجأة تحول إلى مزيج من الدماء والأشلاء, وأصوات الناس قد علت بالصياح, وترى الناس
سكارى وما هم بسكارى.
إن
الحياة أيها الأحبة قصيرة, أيام معدودة, لكن الموفَّق من وفقه الله لاغتنام العمل
الصالح فيها, والمغبون من فرط في زمن البذر, فسيلقى الحسرة يوم الحصاد.
والحمد
لا يشترى إلا له ثمن *** مما يَضَنَّ به الأقوام معلومُ
إننا
نرجو لمن مات في هذه الحادثة حسن الختام, فقد جمعوا زمنًا فاضلاً, ومكانًا فاضلاً,
وعملاً فاضلاً, ونية حج فاضلة, فاللهم تقبلهم لديك في الشهداء, واغفر لهم وارحمهم
يا أرحم الراحمين, اللهم واشف من أصيب في هذه الحادثة وجميع مرضى المسلمين يا رب
العالمين.
الوقفة
الثانية: مع القدس ..
رياح
المنى تغدو بنا وتروح *** فتسبق من دُهم العواصف ريحُ
ولِلقدس
عنوان تسيَّج باللظى *** ودربٌ مَشُوقٌ شقَّقته جروحُ
وللقدس
تاج قد تكلل عُرفه *** عليه من النور البهيِّ سفوحُ
فذا
المسجد الأقصى تباركَ حولَه *** ونصُ كتاب الله فيه صريحُ
هي
القدس دار للصلاة تبتلُاً *** وسر يداريه الفِدا ويبوحُ
فلله
أرض نحن بعض أديمها *** ونبض هواها في الخوافق روحُ
قبل
أيام قلائل اشتعلت المواجهات في فلسطين بين المغتصبين اليهود, وبين إخواننا
الأبطال .. المرابطين في المسجد الأقصى, وهؤلاء المرابطون لمن لا يعرفهم هم مجموعة
من الرجال والنساء قد حملوا على عاتقهم همَّ قضية المسجد الأقصى, يطيلون المكث في
المسجد حتى لا يخلو ساعةً من ليل أو نهار من مجموعة من الناس تعمرُه بالعبادة, وتدافعُ
عنه إذا حدث اعتداء, ولا تتركُه للأعداء يدنسونه كما يشاؤون.
اقتحم
المغتصبون اليهود المسجد الأقصى في رأس السنة العبرية والتي يبلغ عدد أيامها مائة
يوم تقريباً, واقتحامهم هذه المرة جاء تطبيقًا لخطة طرحت قبل ثلاثة أعوام كمسودة
قانون داخل أروقة برلمانهم لأجل تقسيم المسجد الأقصى مكانيًا وزمانيًا بين
المسلمين واليهود.
وتقضي
هذه الخطة والتي أعيد طرحها قبل سنتين أيضًا بتخصيص وقت محدد للمسلمين للصلاة في
الأقصى, ووقت محدد أيضًا لليهود ليقوموا بطقوسهم.
كما
تقضي هذه الخطة أن يخصص مكان لصلاة المسلمين, ويخصص مكان آخر لليهود.
وقد
طبقت خطة التقسيم هذه في المسجد الإبراهيمي .. وأصبح لليهود ما نسبته 60% من مساحة
المسجد, وللمسلمين مساحة 40% فقط!
وأعلن
أحد الوزراء الصهاينة أن هذه السنة ستكون سنة اليهود في المسجد الأقصى.
أيها
الإخوة.. لقد ظل المسجد الأقصى طوال السنوات
الماضية منذ بداية الاحتلال إلى يومنا هذا.. مسجدًا خالصًا للمسلمين.. حفظ
المسلمون فيه أمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أن أمَّ أنبياءَ الله
تعالى فيه .. فلم يرضوا أن يُدَنس مسجده بإقامة الشرك بين أروقته وفي محرابه.
لقد
كان المسلمون ذات يوم يستقبلون هذا المسجد خمس مرات في اليوم, ونحن الآن أيها
الإخوة حُمِّلنا حفظ هذه الأمانة, وإخواننا هناك في الأقصى تطوعوا أن يكونوا في
وجه المدفع, يقاسون الحديد والنار في سبيل الدفاع عن مسرى الرسول صلى الله عليه
وسلم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
إن
هذه الخطة الصهيونية الخبيثة كما هو منصوص عليه في مسودتها تبدأ بالتقسيم ..
وتنتهي بهدم المسجد الأقصى كاملاً من أجل إقامة الهيكل المزعوم, فهل ننتظر حتى تقع
الفأس بالرأس!
ولكل
شيء آفة من جنسه *** حتى الحديدُ سطا عليه المِبردُ
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. إن من أهم
المهمات هذه الأيام اللجأ إلى الله تعالى أن ينصر إخواننا المرابطين في الأقصى,
وأن يدحر عدوهم, ويرد كيده في نحره, وأن يجعل تدبيره تدميره.
إن
من أهم المهمات أن يدرك المسلمون جميعًا حقيقة ما يحاك للمسجد الأقصى .. سواء كان
تحت الأرض من أنفاق وحفريات .. أو كان فوق الأرض من اقتحامات ومخططات للتقسيم, مهم
أن نحمل هم المسجد الأقصى, مهم أن لا ننسى قبلتنا الأولى.
إن
الوعي ولا شك من أهم مراحل النصر.. أسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا المرابطين,
ويرزقنا صلاة في المسجد الأقصى قبل الممات عاجلاً غير آجل .
أما إننا لو سألنا
المسجد الأقصى عن حاله لأجاب:
قـُطـع الـطريــــقُ
علـيّ يا أحبـابـي *** ووقفـتُ بين مكابــــــر ومــحابـي
أخَـواي في البـلد
الـحــرامِ وطيــبةٍ *** يتـرقبـانِ على الطريــــقِ إيـابـــي
يتســـاءلان متـى
الرجــــوعُ إليهـما *** يا ليـتني أســـــطيعُ ردّ جــــوابِ
وَأنـا هُـنا في
قبـضـــة وحشيّـــــة *** يقـف اليـهوديُّ العـنيـدُ ببــــابـي
في كـفّـــه
الرشـــاش يُـلقي نـظرة *** نـاريةً مســــمـومـةَ الأهـــــدابِ
يـرمي بـه صـــَدرَ
المــصلّي كلُــما *** وافـى إليّ مـطهّــــرَ الأثـــــوابِ
وإذا رأى في ســاحتي
متـــوجّـهـاً *** للـهِ ، أغلـقَ دونَـه أبـــوابـــــي
يا ليـــتني أسطيــعُ
أن ألقـــاهمـا *** وأرى رحـابَـهمــا تــضمُّ رحابـــي
أَوَلـستُ ثـالثَ
مســجـديــنِ إليهما *** شـُـدّتْ رِحــالُ المســــلم الأوّابِ؟
أوَ لـم أكن
مــعـراجَ خـيرِ مبلّــغٍ *** عن ربـّه للنـاس خيــرَ كتــــابِ ؟
أنا مسجد الإســـراء
أفخـــرُ أنـني *** شـاهدتـُه في جِيْــئـة وذَهـــابِ
يا ويـحـكم يا
مسلــمون كانّــمـا *** عَقِـمَتْ كـرامتـكـم عـن الإنـجـابِ
وكـأنَّ مـأسـاتي
تزيـدُ خـضوعـَكم ***ونكوص هـمّتكـم علـى الأعـقـــابِ
وكـأنّ ظُـلْــمَ
المـعتـدين يسـرُّكـم *** وكأنّـكـم تسـتحسنـون عــذابـــي
يا مسـلـمـون ، أمـا
لـديكـم هِـمّـةٌ *** تـجتـاز بالإيـمـان كـلّ حــجــابِ
هـذي دمــاءُ
منـاضـلٍ ، ومـنـافـحٍ *** عـن عـرضـه ، ومـقـاوم وثـّــابِ
ودمـاءُ شـيـخٍ كـان
يحمـلُ مصـحفاً *** يتلـو خـَـواتَـم ســورة الأحـزابِ
ودمـاءُ طـفـلٍ كـان
يسـألُ أمّــهُ *** عـن سـرّ قتل أبيــه عنـدَ البــــــابِ
من مسـجد الإسـراء
أدعــوكم إلى *** سِـفْـرِ الزمـان ودفـتر الأحقــابِ
فلعلّـكم
تـجدون في صفحـــــــاتهِ *** مـا قلـتـُـهُ ، وتـُثـمّـنون خطابـي
بارك
الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, أقول ما
تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور
الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد
لله رب
العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما
بعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
الوقفة
الثالثة: ها نحن في اليوم الرابع من أفضل أيام
العام .. أيام عشر ذي الحجة .. وحري بالمسلم أن يشمر عن ساعد الجد لاستغلال ما
تبقى من أيامها فهي أفضل أيام السنة على الإطلاق.
ومن
الأعمال الصالحة التي يحسن استغلالها في هذه الأيام العشر التكبير والتهليل
والتحميد في جميع أوقات اليوم, ومن الأعمال كذلك كثرة الصيام, فقد روى هنيدة بن خالد عن امرأته قالت
حدثتني بعض نساء النبي صلى الله عليه و سلم : (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَتِسْعًا مِنْ ذِي
الْحِجَّةِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ), قال ابن رجب رحمه الله: (وهو
قول أكثر العلماء).
ويتأكد
صيام يوم عرفة تأكيدًا شديدًا, ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة؛ احتسب على الله أن يكفر السنة التي
قبله والتي بعده), فتأمل رعاك الله, كيف أن صيام ساعات معدودة يكفر ذنوب سنتين
كاملتين, فيالسعادة من وفقه الله وأعانه لصيام ذلك اليوم, وبئسًا لحال من حال
شيطانه بينه وبين صيامه.
ومما
يستحب في هذه الأيام العشر الإكثار من العمل الصالح بوجه عام, فليحرص المسلم على
صلة الرحم وبر الوالدين واتباع الجنائز, والصدقة والإنفاق في سبيل الله, وبذل
المعروف للآخرين, وغير ذلك من الأعمال الصالحة.
فاللهم
أعنا على ذكرك وشكرك وعلى حسن عبادتك, وأعنا على استغلال هذه الأيام المباركة,
واجعلنا فيها من الفائزين يا رب العالمين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه
أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.

تعليقات
إرسال تعليق