بين ميلادين الجمعة 14/3/1437هـ
الحمد
الله الذي أسكن عباده هذه الدار, وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار, وجعل الدار
الآخرة هي دار القرار, فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار, ويرفق بعباده الأبرار في
جميع الأقطار, سبحانه سبقت رحمتُه بعباده غضبَه وهو الرحيم الغفار, أحمده على نعمه
الغزار, وأشكره وفضله على من شكر مدرار, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
الواحد القهار, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار, الرسول المبعوث
بالتبشير والإنذار, صلى الله عليه وسلم صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والإبكار ..
أما بعد: فاتقوا الله
عباد الله فإنها وصيته للأولين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. من عادة الناس أنهم
يحبون مواسم الفرح والأعياد, ولذلك فإن كل دولة أو شعب يتخذون أيامًا لتكون
أعيادًا ينتشر فيها الفرح وتمارس فيها بعض الطقوس أو العادات, حتى إن بعض الدول
تصل فيها الأعياد إلى ثمانية وعشرين عيدًا سنويًا, و قد أخرج الإمام أبو داوود من
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدِم رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
المدينةَ ولهم يومانِ يلعبون فيهما فقال ما هذانِ اليومانِ قالوا كنا نلعبُ فيهما
في الجاهليَّةِ فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إنَّ اللهَ قد أبدلكم بِهِما
خيرًا مِنهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ.
يحْتَفَل
الناس ُ فِي بَعْضِ أَنْـحَاءِ الْـعَالَـمِ فِي هّذِهِ الأَيَّامِ بمناسبتين
دينيتين: أما الأولى فَهُي اِحْتِفَالُ النَّصَارَى بِعِيدِهِمْ، الَّذِي
يَزْعَمُونَ أَنَّهُ مِيلَادُ الْمَسِيحِ عِيسَى، عَلَيهِ السَّلاَمُ، الَّذِي
يَدَّعُونَ كَذِبًا أَنَّهُ اِبْنُ اللهِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلَكَ عُلُوًّا
كَبِيـرًا! وَوَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِعْلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ شَتْمٌ لَهُ؛
حَيْثُ قَالَ عَزَّ وجَلَّ كما فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «كَذَّبَنِي ابْنُ
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ،
فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ؛ فَزَعَمَ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ
كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي
أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا»! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
لَقَدْ
زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ للهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، وَجَعَلُوا فِي نِـهَايَةِ
كُلِّ سَنَةٍ مِيلَادِيَّةٍ اِحْتِفَالاً بِـهَــذَا الْإِفْكِ الْمـُــبِينِ؛
الَّذِي تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ الْـمُؤْمِنَةُ، وَتَنْفُرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ
الَّتِـي لِرَبِّـهَا خَاشِعَةٌ، قَاَلَ اللهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَـمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن
يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ
كُن فَيَكُون).
ومن
المؤسف حقيقة أن يشاركهم بعض المسلمين هذا الاحتفال, أو يبادلونهم التهنئة بهذا
العيد.
يا
للعجب وَاللهِ! كَيْفَ اِسْتَسَاغَ مُسْلِمٌ أنْ يُشَارِكَهُمْ بَاطِلَهُمْ؟!
وَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ، التِيِ تَكَادُ الْـجَمَادَاتُ أَنْ تَنْخَلِعَ
مِنْ هَوْلِــــهَا. فَقَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا قَوْلَـهـُم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ
الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ
دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ
وَلَدًا}.
عِبَادَ
اللهِ، إن من المؤسف أن نبتت نابتة بيننا تدعو
إلى مشاركة أولئك الكفار في أعيادهم الكفرية التي يسيئون فيها إلى الله تبارك
وتعالى, بل وتنكر على من ينكر ويستنكر مثل هذه الأعياد, ينكرون على من يدعو إلى
التوحيد ونبذ الشرك ويفونهم بالتخلف والرجعية.
لَقَدْ بَيَّـنَ اللهُ غَايَةَ أُولَئِكَ
الـمُنَافِحِيـنَ عَنِ البَاطِلِ، الْـمـَهُوِّنِيـنَ الشِّرْكَ، الْـمُمَيعِيـنَ
لِقَضَايَا التَّوْحِيدِ، الـمُهَوِّنِيـنَ مِنْ خَطَرِ هَذِهِ الأَعْيَادِ
بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ
لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). يقول الله
سبحانه وتَعَالَى:(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ
النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُـمَّ لاَ تُنصَرُونَ)؛
إن هَذِهِ الأَعْيَادٌ كُفْرِيَّةٌ لَا يَجُوزُ التَّهْنِئَةُ بـِهَا؛ فَضْلاً
عَنْ حُضُورِهَا، وَالاِحْتِفَاءِ وَالرِّضَا بـِهَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ
إِقْرَارًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى شِرْكِهِمْ. وَقَدْ أَفْتَتْ الَّلجْنَةُ
الدَّائِمَةُ بِأَنَّهُ:(لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَهْنِئَةُ النَّصَارَى
بِأَعْيَادِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعَاوُنًا مَعَهُمْ عَلَى الإِثْمِ
وَالعُدْوَانِ، وَقَدْ نَهَانَا اللهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَتَعَاوَنُواْ
عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ التَّهْنِئَةِ تَوَدُّدًا إِلَيْهِمِ، وَطَلَبًا
لِمَحَبتِّهِمْ، وَإِشْعَارًا بِالرِّضَا عَنْهُمْ، وَعَنْ شَعَائِرِهُمْ، وَهَذَا
لَا يـَجُوزُ)، انْتَهَتْ فَتْوَى الَّلجْنَةِ.
لَقَدْ
بَيَّـنَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابن تيمية ــ رَحِـمَهُ اللهُ ــ أَنَّ بَيْعَ
الْمُسْلِمِينَ للكفار فِي أَعْيَادِهمْ، مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى عِيدِهِم،
مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الِّلبَاسِ، وَالرَّيْـحَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ
إِهْدَاءَ ذَلِكَ لَـهُمْ، يُعَدُّ نَوْعًا مِنْ إِعَانَتِهِمْ عَلَى إِقَامَةِ
عِيدِهِمْ الْـمُحَرَّمِ. وَبَيَّنَ ــ رَحِـمَهُ اللهُ ــ عَدَمَ جَوَازِ أَكْلِ
مَا ذُبِحَ لأجل أَعْيَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مِـمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ،
وَلِأَنَّ فِي أَكْلِهِ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ
العِلْمِ كَرَاهِيَةُ رَكُوبِ السُّفُن ِالتِيِ يَركَبُ فِيهَا النَّصَارَى إِلَى
أَعْيَادِهِمْ؛ مَـخَافَةَ نُزُولِ السَّخْطَةِ عَلَيهِمْ بِشِرْكِهِمْ الَّذِي
اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ). اِنْتَهَى كَلَامُهُ رَحِـمَهُ اللهُ. فَانْظُرْ إِلَى
شِدَّةِ التَّحْذِيرِ حَتَّـى مِنَ الرُّكُوبِ فِي بَاخِرَةٍ لَيْسَ لِبَعْضِ
رُكَّابِـهَا مَقْصَدٌ حَرَامٌ، فَكَيْفَ بِـمَنْ شَدَّ الرِّحَالَ لِحُضُورِ
أَعْيَادِهِمْ، وَالاجْتِمَاعِ مَعَهُمْ، احْتِفَالاً بِـهَا؟!
أيها
المسلمون .. أَمَّا المناسبة الثانية التي تقام فِي
هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي بَعْضِ أَنْـحَاءِ الْعَالَـمِ؛ فَهُي اِحْتِفَالُ الْـبَعْضِ
بِـمَوْلِدِ الرَّسُولِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الْاِحْتِفَالُ
عَلَيْهِ الْكَثِيـرُ مِنَ الْـمآخِذِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أَوَّلًا:
إِنَّ هَذَا الْاِحْتِفَالَ بِالْـمَوْلِدِ لَـمْ تَعْرِفْهُ أُمَّةُ الإِسْلَامِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْتَدِعَهُ للنَّاسِ الْمَذْهَبُ الْبَاطِنِـيُّ الْـخَبِيثُ؛
حَيْثُ اِبْتَدَعَتْهُ الدَّوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةُ الْفَاطِمِيَّةُ (بَنُو
عُبَيْدِ الْقَدَّاحُ) فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ؛ تَقْلِيدًا للنَّصَارَى
الَّذِينَ اِحْتَفَلُوا بميلاد المسيح عليه السلام؛ فَاحْتَفَلُوا هُمْ بميلاد
النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ثَانِيًا:
إِنَّ التَّارِيخَ الْمُحْتَفَلَ فِيهِ بِـمَوْلِدِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، لم يثبت تاريخيًا أنه يومُ مِيلَادِهِ، فَإن يوم ولادته صلى الله عليه
وسلم لَيْسَ مَعْرُوفًا عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ، وَلَوْ عُرِفَ أَيْضًا؛ فَلَا
يَـجُوزُ الْاِحْتِفَالُ بِهِ؛ لأَنَّهُ أَمْرٌ مُـحْدَثٌ.
ثَالِثًا:
لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْلِدِ الْمَزْعُومِ خَيْرًا؛ لَبَادَرَ إِلَيْهِ
النَّبِـيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ،
وَلَكِنَّهُمْ مَا فَعَلُوا، فَهَلْ خَفِيَ هَذَا الْـخَيْـرُ عَلَى النَّبِـيِّ،
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِيـنَ مِنْ
بَعْدِهِمْ، وَوُفِّقَ إِلَيْهِ في البداية حاكم فَاطِمِيٌّ؟ مَذْهَبُهُ باطني كُفْرِيٌّ.
رَابِعًا:
إِنَّ هَذَا الدِّينَ أَكْمَلَهُ اللهُ وَأَتَـمَّـهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْـمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتـِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ)، وَمَا أَكْـمَلَهُ اللهُ لَا يَعْـتَـرِيهِ
نُقْصَانٌ. وَمَا أَتَـمَّهُ فَلَا يَـحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ، وَالْاِحْتِفَالُ
بِالْـمَوْلِدِ يُعْتَبَـرُ زِيَادَةً عَلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ،
وَإِحْدَاثًا فِي دِينِهِ.
خَامِسًا:
هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ: أُرِيدُ مِنَ الْاِحْتِفَالِ بِـمَوْلِدِهِ؛ أَنْ أُظْهِرَ
مَـحَبَّتِـي للنَّبِـيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُرَّدُّ عَلَيْهِ
بِأَنَّ مَـحَبَّةَ النَّبِـيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَكُونُ
بِطَاعَتِهِ، فَتَأْتَـمِرُ بِأَوَامِرِهِ، وَتَنْتَهِي عَنْ نَـهْيِهِ،
وَبِاِتِّبَاعِ نَهْجِ نَـبِـيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَـمَا
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
هذا
هو الاحتفال الحقيقي.. احتفال ومحبة طوال العام, لا تقتصر على يوم دون غيره.
لَوْ
كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ إِنَّ الْـمُحِبَّ لِـمَنْ يُـحِبُّ مُطِيعُ
فالْـمَحَبَّةُ
بالاِتِّبَاعِ. ولَيْسَتِ بِالاِبْتِدَاعِ.
الَّلهُمَّ
اُرْزُقْنَا سَبِيلَ الْـمُرْسَلِيـنَ، وَجَنِّبْنَا طَرِيقَ الْـمُبْطِلِيـنَ،
وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّيـنَ، وَاحْفَظْنَا بِالإِسْلَامِ قَائِمِيـنَ
وَقَاعِدِينَ.
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة,
ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه
هو الغفور الرحيم.
الخُطْبَةُ
الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا
طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ
تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ .
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن المحبة الحقيقية
لرسول الله صلى الله عليه وسلم تكون باتباع سنته واقتفاء أثره, حتى نلقاه على
الحوض بإذن الله.
ألا
وإن هناك أقوامًا سيحرمون من لقاء النبي صلى الله عليه وسلم, ويصدون عن الحوض, فقد
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ خطيبًا بموعظةٍ . فقال: يا أيها الناسُ ! إنكم تُحشرون إلى اللهِ حفاةٌ
عراةٌ غرلًا. كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْدًا عَلَيْنَا ،
إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ, ألا وإنَّ أول الخلائقِ يُكسى ، يومَ القيامةِ ،
إبراهيمُ عليهِ السلامُ. ألا وإنَّهُ سيُجاءُ برجالٍ من أمتي فيُؤخذ بهم ذاتُ
الشمالِ. فأقولُ: يا ربِّ! أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
فمن
أحدث في دين الله عز وجل أمرًا لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ــ
وإن كانت نيته طيبة خيرة ــ فإنه يخشى أن تشمله هذه العقوبة عافانا الله وإياكم
منها.
أيها
الإخوة.. هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ: لَقَدِ
اِحْتَفَى النَّبِـيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِيَوْمِ مَوْلِدِهِ
بِصِيَامِ يَوْمِ الاِثْنَيْـنِ، حَيْثُ قَالَ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ سَبَبِ
صِيَامِهِ: «فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ»، أَيْ: الْقُرْآنُ، رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. وَيُرَّدُّ عَلَى هَذَا الْاِسْتِدْلَالِ بِـمَا يَلِي:
أَوَّلًا:
لَيْسَ فِي هَذَا الْـحَدَثِ والحديث حجة؛ لأَنَّ المحتفلين بالمولد جعلوا يوم
المولد يومًا للاحتفال وقراءة الأشعار وتوزيع الحلوى وإظهار البهجة والسرور, بينما
الصَّوْمُ يَتَنَافَى مَعَ الْعِيدِ، وَلِذَلِكَ يَـحْرُمُ صِيَامُ أَيَّامِ
الأَعْيَادِ, وهؤلاء المحتفلين لَا تصُومُونَ. فَأَيُّ اِتِّبَاعٍ لَهُ، صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بهَذَا الفعل؟!
ثَانِيًا:
لَـمْ يَذْكُرْ النَّبِـيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ عِلَّةَ
صِيَامِ يَوْمِ الاِثْنَيْـنَ أَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ فَقَطْ، بَلْ ذّكّرّ عِلَلًا
أُخْرَى؛ فَقَالَ: (وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ) أَيْ: الْقُرْآنُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ
قَالَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ
الِاثْنَيْـنِ وَالـخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»،
رَوَاهُ التِّـْرِمذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. فَهُنَا جَعَل، صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِلَّةَ صِيَامِهِ لِيَوْمِ الاِثْنَيْـنَ أَنَّهُ
تُعْرَضُ فِيهِ الأَعْمَالُ عَلَى اللهِ، فَلَمْ يَكُنْ صِيَامُهُ بِسَبَبِ
مَوْلِدِهِ فَقَطْ، بَلْ ذَكَرَ عِلَلًا أُخْرَى.
ثَالِثًا:
هُمْ يَـحْتَفِلُونَ بِيَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَالرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَصُومُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، فَهَلْ اِقْتَدُوا بِهِ
وَصَامُوا كُلَّ يَوْمِ اِثْنَيْـنِ اِتِّبَاعًا لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، دُونَـمَا الاِقْتِصَارِ عَلَى حَفْلٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ عَامٍ؟
ومما
يحتج به البعض أنهم لا يرتكبون في احتفالهم بالمولد أية بدعة أو محظور شرعي كالرقص
أو الغناء أو ذكر الكلام الذي فيه غلو بالنبي صلى الله عليه وسلم, وإنما يقتصر
احتفالهم بالاجتماع لذكر سيرته صلى الله عليه وسلم, أو إنشاد القصائد في مدحه صلى
الله عليه وسلم.
فيقال
في مثل ذلك: إن العبرة ليست بما يفعل في وقت الاحتفال بالمولد فقط, وإنما العبرة بتحديد
يوم ميلاده من كل سنة زمنًا لمثل هذا الفعل, فالمجتمعون يرون أنهم يتعبدون الله
سبحانه وتعالى بهذا الاجتماع, ولو كان مثل هذا الاجتماع السنوي خيرًا لسبقنا إليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولأمر به وحث عليه, فإحداث مناسبة سنوية لم تهتم
بها القرون المفضلة الأولى يعتبر من الإحداث في دين الله سبحانه وتعالى, وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم كما روته عائشة رضي الله عنها عند أبي داوود: "من
أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد", فعملهم مردود بنص حديث النبي صلى الله
عليه وسلم ــ وإن كان قصدهم خيرًا ــ.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يحمينا جميعًا مِنْ
الْبِدَعِ وَمُضِلَّاتِ الْفِتّـنِ، ويجعلنا مِنْ أَهْلِ الْـجَنَّةِ, وأن يجعل
أعمالنا مقبولة وفق الكتاب والسنة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق