الجهاد .. الفريضة المشوهة
الحمد
لله المحمودِ بجميع المحامد تعظيماً وثناءً, المتصفِ بصفات الكمال عزّة وكبرياءً, الحمد
لله الواحدِ بلا شريك, القويِّ بلا نصير, العزيزِ بلا ظهير, الذي رفع منازل
الشهداء في دار البقاء, وحث عباده على البذل والفداء, أحمده سبحانه حمداً يليق
بجلال وجهه وعظيم سلطانه, فهو الأول والآخر, والظاهر والباطن, ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمةِ الكرام النجباء, وسلم تسليمًا
كثيرًا ..
أما بعد: فاتقوا الله
عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. عبادة عظيمة, وطاعة
جليلة, من أفضل شعائر الدين, حتى عدها بعض أهل العلم الركن السادس من أركان
الإسلام, بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إنه لم يرد في فضائل الأعمال مثل
ما ورد فيها, جاء ذكرها في كتاب الله تعالى أكثر من خمسين مرة, ومع كل تلك الفضائل
لم ينل عبادةً من التشويه والتزييف مثل ما نال هذه الطاعة, إنها الجهاد في سبيل
الله سبحانه وتعالى.
الجهاد
من خير أعمال هذه الأمة, خرَّج ابن عساكر بإسناده عن حنظلة الكاتب رضي اللّه عنه قال
سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "خير أعمالكم الجهاد".
وعن
ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟
قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"،
قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
لقد
سعى الإعلام بشتى وسائله إلى تشويه صورة الجهاد والمجاهدين في سبيل الله, فاستغلوا
أعمال كثير من الفرق والطوائف المنحرفة عن سبيل الله والتي تفسد في الأرض باسم
الجهاد في سبيل الله, استغلوا أعمال هؤلاء بإرسال رسائلَ للمسلمين قبل غيرهم أن
هذه الأعمال هي الصورة الوحيدة للجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى, وأصبح الجهاد
الذي أثنى الله تعالى عليه مرادفًا لمسمى الإرهاب, وأصبح المجاهدون في سبيل الله
سبحانه وتعالى إرهابيون.
لقد
وصف الله سبحانه وتعالى المجاهدين بقوله سبحانه وتعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ
الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى
الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
ووصف
النبي صلى الله عليه وسلم المجاهدين بأنهم خير الناس, فعن أبي سعيد الخدري رضي
اللّه عنه قال: أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال:
"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه", قال: ثم من؟ قال: "رجل
معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره ". رواه البخاري ومسلم.
وعن
أبي أمامة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذروة سنام
الإسلام الجهاد في سبيل اللّه, لا يناله إلا أفضلهم".
أيها
الإخوة المسلمون.. ألا وإن من أعظم
الجهاد في سبيل الله هو حفظ ثغور بلاد المسلمين, وحماية الحدود من اعتداء
المعتدين, وهو ما يسمى بالرباط في سبيل الله وهو طريق الفلاح: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
ألا
وإن من صور الرباط في سبيل الله سبحانه وتعالى مرابطة جنودنا الأبطال على الحد
الجنوبي للمملكة, حماية لنا من عدوان أذناب الصفويين الذين كشروا عن أنيابهم, وأرادوا
السوء بهذه البلاد, فأصبحنا ننام آمنين مطمئنين, ونمارس أعمالنا اليومية بشكل
طبيعي, وأولئك الأبطال قد هجروا أهليهم, وتوسدوا الحجارة, وسهروا الليالي, حماية
لبيضة البلاد أن تكسر.
ومن
صور الرباط في سبيل الله ــ أيضاً ــ العمل بالحراسات الأمنية للمحافظة على أمن
الناس, فإن ذلك من الرباط في سبيل الله سبحانه وتعالى.
قال
ابن النحاس الدمياطي رحمه الله: (واعلم أن الرباط أحد شعب الإيمان، وموجبات
الغفران، وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لم ترد في غيره من القربات), ثم عدَّ رحمه
الله شيئاً من فضائل الرباط.
فمن
فضائل الرباط في سبيل الله أن رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها, فعن
سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في
سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما
عليها". رواه البخاري.
ومن
فضائل رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه, ورباط شهر خير من صيام
الدهر, وأن المرابط إن مات في رباطه امتد معه أجر المرابط حتى يوم القيامة, ويأمن
من فتنة القبر.
فعن
سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم
وليلة خير من صيام شهر وقيامه".
وعن
أبي الدرداء رضي الله عنه، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "رباط شهر
خير من صيام دهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه
وريح برزقه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل ".
ومن
فضائل الرباط في سبيل الله أن المرابط إذا مات في رباطه يمر على الصراط كهيئة
الريح بلا حساب ولا عذاب.
أخرج
ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ليبعثن أقوام يوم القيامة يتلألأ نور وجوههم, يمرون بالناس كهيئة الريح
يدخلون الجنة بغير حساب". فقيل: من هم يا رسول اللّه؟ قال : "أولئك قوم
أدركهم الموت وهم في الرباط".
ومن
فضائل الرباط في سبيل الله أنه أفضل من موافقة ليلة القدر في أحد المساجد الثلاثة
المباركة, بل إن له أجر كل من صلى وصام ممن يحميهم لأنه أعانهم على ذلك.
خرَّج
عبد الرزاق وابن المنذر في الأوسط عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه كان يقول: رباط
ليلة إلى جانب البحر من وراء عورة المسلمين أحب إليَّ من أن أوافق ليلة القدر في
أحد المسجدين مسجد الكعبة أو مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ورباط
ثلاثة أيام عدل سنة وتمام الرباط أربعون ليلة.
وعن
عثمان بن أبي سودة، قال: كنا مع أبي هريرة بمُرابَط يافا، فقال: رباط هذه أحب إلي
من ليلة القدر في بيت ا لمقدس.
وأخرج
الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله ثقات، عن أنس رضي اللّه عنه، قال: سئل رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم عن أجر الرباط، فقال: "من رابط ليلة حارسا من وراء
المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى".
أيها
المسلمون.. إذا علمنا فضل الجهاد والرباط في
سبيل الله, وأن من دافع عن المسلمين وحماهم كانت له هذه الأجور العظيمة, فينبغي أن
يعلم أن نيل هذه الأجور مشروط بصلاح النية, فلا يكفي مجرد العمل لنيل الأجر من
الله, فمن كان رباطه وقتاله وحراسته لأجل الراتب الشهري أو لأجل المجد الشخصي, أو
الذكر بين الناس, فقد خاب وخسر.
روى
البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه أنه أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: إن الرجل يقاتل للمغنم, والرجل يقاتل ليُذكَر, والرجل يقاتل ليُرى
مكانه, فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وروى
أبو داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! رجل يريد الجهاد
في سبيل الله, وهو يبتغي عَرَضاً من عَرَض الدنيا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا أجر له", فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله
عليه وسلم فلعلك لم تفهمه, فقال: يا رسول الله! رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله,
وهو يبتغي عَرَضاً من عَرَض الدنيا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا أجر
له", فقالوا للرجل: عُد لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له الثالثة,
فقال له: " لا أجر له".
بارك
الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما
سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخُطْبَةُ
الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا
طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حق التقوى,
واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إذا علمنا فضل الجهاد
والرباط في سبيل الله, فإن الله تعالى قد أعد لمن قتل في سبيله نعيمًا عظيماً.
فعن
أنس بن مالك رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وقف العباد
للحساب, جاء قوم واضعوا سيوفهم على رقابهم تقطر دمًا, فازدحموا على باب الجنة, فقيل:
من هؤلاء؟ قيل الشهداء.. كانوا أحياء مرزوقين" رواه الطبراني بإسناد حسن.
{وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ
اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}
الشهداء
لا يفتنون في قبورهم, ولا يصعقون عند نشورهم: روى النسائي أن رجلاً قال: يا رسول
الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف
على رأسه فتنة".
وروى
الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له في أول دُفعة من
دمه, ويَرى مقعده من الجنة, ويحلَّى حلة الإيمان, ويجار من عذاب القبر, ويأمن من
الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار, الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها,
ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين, ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه"
بل
إن الفضل العظيم يطال حتى من يموت وهو مرابط في سبيل الله ممن مات بغير القتل.
{وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ
اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ *
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}.
وعن
أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من فصل في سبيل الله فمات أو قُتل فهو شهيد, أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته
هامة أو مات على فراشه وبأي حتف شاء الله مات فإنه شهيد, وإن له الجنة", رواه
أبو داوود.
بل
أعظم من ذلك, فإنه قد جاءت بعض الروايات في أن من أصابه صداع الرأس في سبيل الله
غفر له ما تقدم من ذنبه.
فقد
روى ابن أبي شيبة من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "من صَدَع رأسه في سبيل الله غفر له ما تقدم من
ذنبه".
أيها
الإخوة.. ألا وإن من أعظم الأعمال أن يعتني
الرجل بأهل وأولاد من غزا ورابط في سبيل الله, فإن هذا المعتني يكون شريكًا
للمجاهد في الأجر.
روى
البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا, ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد
غزا".
وعن
زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خلف غازياً
في أهله بخير وأنفق على أهله فله مثل أجره".
عباد
الله.. لا تنسوا إخوانكم المجاهدين, وخصوصًا المرابطين على الحد الجنوبي من
دعائكم, ولنكن معهم صفًا واحدًا, فإن الدعاء سهم يُقذف في نحور العدى, وقد كان
السلف رحمهم الله يحرصون أن يكون مع الجيش جمع من العبَّاد والعلماء, يستمدون
بدعائهم عون الله تعالى للفئة المقاتلة, فألحوا على الله تعالى أن ينصر إخواننا.
اللهم
انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان, اللهم انصر إخواننا المرابطين على
أرض الجنوب, اللهم سدد رميهم, ووحد صفهم, وانصرهم نصراً مؤزرًا على عدوك وعدوهم,
اللهم كن معهم ولا تكن عليهم, اللهم وأعد اليمن يمنًا سعيدًا تعلو فيه راية التوحيد
والسنة يا رب العالمين.

تعليقات
إرسال تعليق