علامات الساعة الكبرى (1) الجمعة 17/5/1437هـ

علامات الساعة الكبرى (1)                 الجمعة 17/5/1437هـ

الحمد لله لم يزل عليّا، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض رِيّا، { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}, جعل الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا, والنار لمن عصاه ولو كان شريفًا قرشيًا، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} .
وكم لله من لطف خفي **** يدق خفاه عن فهم الذكيِّ
وكم أملٍ تساق به صباحًا **** فتأتيك المسرة ُبالعشيِّ
وكم يُسرٍ أتى من بعد عسرِ**** ففرَّج كربةَ القلبِ الشجيِّ
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا **** فلُذ بالواحد الفرد العلي
وأصلي وأسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..
ما جرّ أثواب الحرير ولا مشى * بالتاج من فوق الجبين مرصّعا
جاءت له الدنيا فأعرض زاهدا * يبغي من الأخرى المكان الأرفعا
من أَلبس الدنيا السعادة حلّة * فضفاضة لَبِس القميص مرقّعا
وهو الذي لو شاء نالت كفُّه * كلَّ الذي فوق البسيطة أجمعا
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فإنها وصيته تعالى للأولين والآخرين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. جرى الكلام في الجمعتين الماضيتين عن بعض علامات الساعة الصغرى التي وقعت والتي لم تقع بعدُ, وحديثنا اليوم بإذن الله عن العلامات الكبرى لقيام الساعة.
وأشراط الساعة الكبرى إذا ظهرت أول علامة منها فإن بقية العلامات تتابع كتتابع الخرز في المسبحة إذا قطعت, يتبع بعضها بعضًا.
روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خروج الآيات بعضها على إثر بعض, يتتابعن كما تَتابع الخرز في النظام).
ولعلنا قبل أن نشرع في الحديث عن العلامات الكبرى لقيام الساعة أن نتحدث عن المهدي الذي سبق ذكره مختصرًا في الجمعة الماضية لأنه توطئة وتمهيد للعلامات الكبرى, بل عده بعض أهل العلم من العلامات الكبرى.
أما المهدي فهو كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داوود وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد, لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني ــ أو من أهل بيتي ــ يواطء اسمه اسمي, واسم أبيه اسم أبي).
وأخرج أبو داوود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي مني, أجلى الجبهة ــ أي واسع الجبهة ــ, أقنى الأنف ــ أي طويل الأنف مع دقة أرنبته وحَدَب في وسط الأنف ــ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً, كما ملئت جوراً وظلماً, يملك سبع سنين).
قال ابن كثير رحمه الله: "هو محمد بن عبدالله العلوي الفاطمي الحسني".
ومكان خروج المهدي من جهة المشرق, روى ابن ماجه والحاكم من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة, كلهم ابن خليفة, ثم لا يصير إلى واحد منهم, ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يَقتُله قوم, قال الراوي: ثم ذكر شيئاً لا أحفظه, ثم قال: فإذا رأيتموه (يعني المهدي) فبايعوه ولو حبواً على الثلج).
قال ابن كثير - رحمه الله -: "والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرَّا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن, وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان؛ إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان, لا من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا استحسان"، إلى أن قال: " ويؤيدُه بناسٍ من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سود أيضا، وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء يقال له العقاب" إلى أن قال: "والمقصود: أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك نص الأحاديث". ا.هـ
وفي آخر الزمان ــ ولعلها في عهد المهدي هذا ــ تكون ملحمة بين المسلمين والروم, روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقومُ الساعةُ حتَّى ينزِلَ الرومُ بالأعماقِ ، أوْ بدابقٍ, فيخرجُ إليهمْ جيشٌ مِنَ المدينةِ مِنْ خيارِ أهلِ الأرضِ يومئذٍ فإذا تصافُّوا قالتِ الرومُ: خلُّوا بينَنا وبينَ الذينَ سُبُوْا مِنَّا نقاتلُهُمْ. فيقولُ المسلمونَ: لا واللهِ! لا نُخلِّي بينَكمْ وبينَ إخوانِنا, فيقاتلونَهُمْ فينهزمُ ثُلُثٌ لا يتوبُ اللهُ عليهمْ أبدًا, ويُقتَلُ ثلثُهمْ، أفضلُ الشهداءِ عندَ اللهِ, ويَفتتحُ الثلثُ لا يُفتنونَ أبدًا, فيفتتحونَ قُسطنطينيةَ, فبينَما همْ يقتسمونَ الغنائمَ، قدْ علَّقوا سيوفَهُمْ بالزيتون، إذْ صاحَ فيهم الشيطانُ: إنَّ المسيحَ قدْ خلَفَكمْ في أهليكُمْ. فيخرجونَ وذلكَ باطلٌ , فإذا جاءُوا الشامَ خرجَ, فبينَما همْ يُعِدُّونَ للقتالِ ، يُسوونَ الصفوفَ، إذْ أُقيمتِ الصلاةُ, فينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ, فأمَّهُمْ, فإذا رآهُ عدوُّ اللهِ، ذابَ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ, فلوْ تركَهُ لانذابَ حتى يهلكَ, ولكنْ يقتلُهُ اللهُ بيدِهِ, (أي بيد عيسى بن مريم عليه السلام) فيريهِمْ دمَهُ في حَربتِهِ.
فمن خلال الحديث السابق يتبين أن الدجال يظهر أولاً ثم يعقبه نزول عيسى بن مريم عليه السلام.
فمن هو المسيح الدجال؟ هذا هو موضوع حديثنا بعد جلسة الاستراحة بإذن الله تعالى.
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ .. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رب العالمين, وصلى الله وسلم على النبي الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعدُ:
فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
فإن المسيح الدجال سمي بالمسيح لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا.
وسمي بالدجال لكذبه وتمويهه وتخليطه على الناس.
وقد وردت صفاته في مجموعة كبيرة من الأحاديث, حاصلها أنه رجل, شاب, أحمر, قصير, متجعد شعر الرأس كثيفه, أجلى الجبهة, عريض النحر,في جسده انحناء, ممسوح العين اليمنى, وهذه العين ليست ببارزة, وليست بغائرة, وعينه الممسوحة كأنها عنبة طافية, وعينه اليسرى عليها قطعة لحم غليظة, مكتوب بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقطعة, أو (كافر) بدون تقطيع, يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب, يراها المؤمن ولا يراها الكافر, وهو عقيم لا يولد له.
عن راشد بن سعد قال: لمَّا فُتحت إصطخرُ، فإذا منادٍ: ألَا إِنَّ الدجالَ قد خرجَ، قال: فلقيهم الصعبُ بنُ جثامةَ، قال: فقال: لولا ما تقولون لأخبرتُكم إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: لا يَخْرُجُ الْدَجَّالُ حتى يَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذكرِه، وحتى تتركَ الأئمَّةُ ذكرَه على المنابرِ.
فالدجال لا يخرج إلا في زمن قد ترك ذكره والتحذير منه.
والدجال يخرج من جهة خراسان, روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان, يتبعه قوم كأن وجوههم المجان المُطرقة) والمجان هي التروس.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه كما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتبعُ الدجالَ من يهودِ أصبهانَ سبعونَ ألفًا عليهم الطَّيالِسَةُ)
والدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا يمر فيها جميع أنحاء الكرة الأرضية, سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسراع الدجال في الأرض فقال: (كالغيث استدبرته الريح) رواه مسلم.
لكن الدجال لا يستطيع أن يدخل مكة والمدينة, روى أنس بن مالك في الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة).
وعن أبي محجن الأدرع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وقال: يوم الخلاص, وما يوم الخلاص؟ ثلاثًا, فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: يجيء الدجال فيَصعَدُ أُحُداً فينطر المدينة, فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد, ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها (أي على كل مدخل إليها) مَلَكًا مُصلِتًا (أي رافعاً سيفه مانعاً له من دخول المدينة) فيأتي سَبَخَةَ الجُرُف فيضرب رواقه, ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات, فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه, فذلك يوم الخلاص.
والدجال من أعظم الفتن, روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَأنا أعلمُ بما مع الدجالِ منه, معه نهرانِ يجريانِ أحدُهما رأْيَ العينِ ماءٌ أبيضُ, والآخرُ رأْيَ العينِ نارٌ تأجَّجَ, فإمَّا أدْرَكْنَ أحدًا فلْيأتِ النهرَ الذي يراه نارًا, ولْيُغمضْ ثم لِيطأطئُ رأسَه فيشربَ منه فإنه ماءٌ باردٌ).
ومن فتنته ما رواه النواس بن سمعان كما عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فيأتي على القومِ فيَدْعُوهُم، فيؤمنون به ويستجيبون له, فيأمر السماءَ فتمطر, والأرضَ فتنبتُ, فتروح عليهم سارحتُهم أطولَُ ما كانت ذُرًّا (أي شعرها طويل) ، وأسبغُه ضروعًا (ممتلئة بالحليب)، وأمدُّه خواصرَ (أي ممتلئة شبعى), ثم يأتي القومَ فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه, فينصرف عنهم, فيصبحون مَمْحَلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالِهم, ويمرُّ بالخَرِبةِ فيقول لها: أَخرِجي كنوزَك, فتتبعُه كنوزُها كيعاسيبِ النحلِ, ثم يدعو رجلًا مُمتلئًا شبابًا, فيضربه بالسيفِ فيقطعه جَزلتَينِ رميةَ الغرضِ ثم يدعوه فيقبِلُ ويتهلَّلُ وجهُه يضحك).
والدجال فتنة عظيمة, فمن أدركه فليحذر أن يلقاه, روى أحمد وأبو داوود من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع بالدجال فلينأ عنه, فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يُبعث به من الشبهات).
ومن سبل الوقاية منه لمن لقيه أن يستغيث العبد بالله منه, روى ابن ماجه من حديث أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن ابتلي بناره فليستغث بالله).
ومن سبل الوقاية منه ما رواه مسلم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال), وهذه الآيات هي العشر الأولى من السورة كما روى مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف).
اللهم أجرنا من الفتن, ما ظهر منها وما بطن, اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال.
اللهم توفنا وأنت راض عنا غير غضبان, واجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة