علامات الساعة الصغرى الجمعة 10/5/1437هـ
الحمد
لله الواحد، العزيز العظيم الشاهد، سامع ذكر الذَّاكر وحمد الحامد، وعالم ضمير
العبد ونية المقاصد، لعظمته خضع الراكع وذلَّ الساجد، رفع السماء فعلَّاها ولم
يحتج إلى مُساعِد، وألقى في الأرض رواسيَ راسخاتِ القواعد، تنزَّه عن شريك مشاقِقٍ
أو ندٍّ مُعاند، وعزَّ عن وَلَدٍ وجَلَّ عن والِد، وأحاط علمًا بالأسرار والعقائد،
وأبصر حتى دبيب النمل في الجلامد، ويقول في الليل: هل من سائلٍ فانتبهْ يا راقد, ﴿
وَالصَّافَّاتِ صَفاّ * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا *
إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾[ الصافات: 1، 4].
أحمده على الرخاء والشدائد, وأقرُّ بتوحيده
إقرارَ عابد، وأصلِّي على رسوله الذي كان لا يُخيِّب السائل القاصد, صلى الله عليه
وعلى آله وأصحابه الأماجد, وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما
بعدُ: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. جرى
الكلام في الجمعة الماضية عن بعض علامات الساعة الصغرى التي وقعت وانقضت, أو
علامات حدثت وما زالت مستمرة في الحدوث, ونتحدث اليوم بإذن الله عن بعض علامات
الساعة الصغرى التي لم تقع حتى الآن.
وليس
المقصد من إيراد هذه العلامات مجرد العلم بها, بل المقصد هو السؤال الذي طرحه
النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الرجل الذي أتاه وسأله عن الساعة فقال:
ماذا أعددت لها؟
فمن
علامات الساعة الصغرى التي لم تقع بعد: نزول مطر من السماء لا تقي منه بيوت الطين
والحجر, وإنما تقي منه الخيام المصنوعة من الشعر, فقد أخرج ابن حبان وأحمد من حديث
إبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى
يُمطَر الناس مطرًا لا تُكِّن منه بيوت المدر ــ أي لا تقي منه بيوت الطين ــ, ولا
تكن منه إلا بيوت الشعر).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي لم تقع بعد: أن يهزم المسلمون فيلجأون إلى المدينة
ويحاصَروا فيها, أخرج أبو داوود والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك المسلمون أن يحاصَروا إلى المدينة, حتى يكون أبعد
مسالحَهم سَلاح) أي أبعد مواضع المخافة من العدو "سلاح" وهو موضع قريب
من خيبر.
ومن
العلامات التي لم تقع: ظهور المسخ والخسف والقذف, والمسخ هو قلب الخلقة من شيء إلى
شيء آخر, كما قال تعالى: { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا
لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.
والخسف:
هو انشقاق الأرض وابتلاعها ما فوقها كما حدث لقارون.
والقذف:
هو الرمي بحجارة من السماء كما وقع لقوم شعيب عليه السلام, وكما وقع لأصحاب الفيل.
روى
ابن ماجه في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف), ووروى الطبراني في المعجم الكبير عن سهل بن
سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون في آخر الزمان خسف
وقذف ومسخ, إذا ظهرت المعازف والقينات, واستُحلت الخمر).
ومن
علامات الساعة الصغرى: جيش يغزوو البيت الحرام يُخسف بأوله وآخره, روى البخاري عن
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة,
فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم, قالت عائشة: قلت: يا رسول الله!
كيف يُخسف بأولهم وآخرهم, وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم
ويُبعثون على نياتهم).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي لم تقع بعد: ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من
تكلم السباع والوحوش, وتكلم طرف السوط وشراك النعل وفخذ الرجل, روى البيهقي وغيره
وصححه الشيخ الألأباني من حديث أبي سعيد الحدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (والذي نفْسِي بِيدِهِ، لا تَقومُ الساعةُ حتى تُكلِّمَ السِّباعُ الإنْسَ،
وحتَّى يُكَلِّمَ الرجلُ عَذَبَةَ سوْطِهِ، وشِراكُ نعلِهِ، و يُخبِرَهُ فخِذُهُ
بما يُحْدِثُ أهلُهُ بَعدَهُ).
ومن
العلامات: انحسار نهر الفرات في العراق عن جبل من ذهب, وتقوم على على هذا الذهب
مقتلة عظيمة بين الناس.
روى
مسلم في صحيحه عن عبدالله بن الحارث بن نوفل رضي الله عنه قال: كنت واقفًا مع
أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا,
قلت: أجل, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يوشك الفرات أن يَحسِر
عن جبل من ذهب, فإذا سمع به الناس ساروا إليه, فيقول من عنده: لئن تركنا الناس
يأخذون منه ليُذهبنَّ به كله, قال: فيقتتلون عليه, فيُقتل من كل مائة تسعة
وتسعون).
وقد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم من حضر هذا الجبل أن يأخذ من هذا الذهب شيئًا, كما
جاء في الحديث عند مسلم: (يوشك الفرات أن يَحسر عن جبل من ذهب, فمن حضره فلا يأخذ
منه شيئًا).
ومن
العلامات: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (تقيء الأرض أفلاذ كبدها, مثل الأسطوانات من الذهب
والفضة, فيجيء القاتل فيقول: في هذا قَتلت, ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي,
ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي, ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي لم تقع بعد: عودة جزيرة العرب جنات ومروجًا وأنهاراً,
فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض, حتى يَخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا
يقبلها منه, وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهاراً).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي تسبق قيام الساعة عودة الخلافة على منهاج النبوة, كما
روى الإمام أحمد والبزار والطبراني عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون, ثم يرفعها الله إذا شاء أن
يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة, فتكون ماشاء الله أن تكون, ثم يرفعها إذا
شاء أن يرفعها, ثم تكون ملكًا عاضَّا, فيكون ماشاء الله أن يكون, ثم يرفعها إذا
شاء أن يرفعها, ثم تكون ملكًا جبرياً, فتكون ماشاء الله أن تكون, ثم يرفعها إذا
شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة, ثم سكت).
وروى
أبو داوود عن عبدالله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يده على رأسي أو قال على هامتي, ثم قال: يا ابن حوالة, إذا رأيت الخلافة
نزلت الأرض المقدسة, فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام, والساعة يومئذ أقرب
إلى الناس من يدي هذه على رأسك) صححه الألباني.
باركَ
اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ
الحكيمِ .. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ
المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة
الثانية
الحمدُ
للهِ على إحسانِه, وأشكرُه على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ
وحدَه لا شَريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه
وعلى آلِه وأصحابِه وإخوانه, وسلمَ تسليماً كثيراً، أما بعدُ:
فلا
زلنا في تعداد بعض من علامات الساعة الصغرى التي لم تقع بعد, فمن ذلك: خراب
المدينة النبوية وخلوها من أهلها, فقد روى الإمام مالك في موطئه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: لتُترَكَنَّ المدينة على أحسن ما كانت, حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغَّذى
على بعض سواري المسجد أو على المنبر ــ يعني يبول عليه بولاً متقطعاً, فقالوا: يا
رسول الله: فلمن تكون ثمارها ذلك الزمان؟ فقال: للعوافي, الطير والسباع), ودخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم, قال عوف بن مالك رضي الله عنه: فنظر
إلينا ثم قال: أما والله ليدعُنَّها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي, أتدرون ما
العوافي؟ الطير والسباع).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي لم تقع: هدم الكعبة, ثم لا تعمر بعد ذلك, روى الإمام
أحمد في مسنده من خديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (يُخَرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة, ويسلبها حليتها, ويجردها من
كسوتها, ولكأني أنظر إليه: أصيلع, أفيدع ــ وهو زائغ ما بين القدم وعظم الساق ــ,
يضرب عليها بمسحاته ومعوله).
ومن
علامات الساعة الصغرى: رفع القرآن من الصدور والمصاحف, ومحو الإسلام من قلوب
الناس, كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (يُدرَسُ الإسلامُ كما يُدرَسُ وشْيُ الثَّوبِ, حتَّى لا يُدرَى ما صيامٌ ولا
صلاةٌ ولا نُسكٌ ولا صدقةٌ, ويُسرى على كتابِ اللهِ في ليلةٍ, فلا يبقَى في الأرضِ
منه آيةٌ, ويبقَى طوائفُ من النَّاسِ الشَّيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ ، يقولون
: أدركنا آباءَنا على هذه الكلمةِ : لا إلهَ إلَّا اللهُ فنحن نقولُها).
وأخرج
مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في
الأرض: الله, الله).
ومن
علامات الساعة الصغرى التي لم تظهر: خروج المهدي, فقد أخرج أبو داوود وغيره من
حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو لم يبق من الدنيا
إلا يوم واحد, لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني ــ أو من أهل بيتي ــ
يواطء اسمه اسمي, واسم أبيه اسم أبي).
وروى
الإمام أحمد وابن ماجه عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
( المهدي منا أهل البيت, يصلحه الله في ليلة), وأخرج أبو داوود عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي مني, أجلى الجبهة ــ أي
واسع الجبهة ــ, أقنى الأنف ــ أي طويل الأنف مع دقة أرنبته وحدب في وسط الأنف ــ
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً, كما ملئت جوراً وظلماً, يملك سبع سنين).
ومن
علامات الساعة الصغرى فتح المسلمين لروما عاصمة إيطاليا, أخرج الإمام أحمد عن
عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله
عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً
أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولاً
يعني القسطنطينية).
ومن
العلامات: قتال اليهود وتكلم الحجر والشجر مع المسلمين, أخرج البخاري ومسلم من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة
حتى تقاتلوا اليهود, حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي
فاقتله) ولمسلم من حديث ابن عمر: (إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
ومن
العلامات الصغرى التي لم تقع بعد: خروج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه كما صح بذلك
الحديث عند البخاري ومسلم.
أيها
الإخوة .. وبعد: فهذه مجموعة من علامات الساعة الصغرى التي لم تظهر بعد, أسأل الله
تعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن, وأن يعيننا على أنفسنا والشيطان, اللهم
أحسن خاتمتنا في الأمور كلها, وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق