الغيرة الجمعة 25/2/1438هـ

الحمد لله العلي العظيم القادر، هو الأولُ والآخر والباطن والظاهر، عالم الغيب والشهادة المطلع على السرائر والضمائر, خلق فقدَّر, ودبّر فيسر، فكل عبد إلى ما قَدَّره عليه وقضاه صائر, أحمده سبحانه على خفيّ لطفه، وجزيل بره المتظاهر, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ولد ولا ند ولا مُظاهِر, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات والبصائر, اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن على سبيله إلى الله سائر . وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. أتحدث إليكم اليوم عن خصلة من خصال الإيمان.. بل هي صفة من صفات الرحمن.. هي حصن الأسرة، وعماد العفة ، وأساس الفضيلة.
إنها الغيرة يا عباد الله، وأعني بها الحَمِيَّةَ والأَنَفةَ والمحافظةَ على الأعراض.
أكملُ الغيرة غيرة الله تعالى, وهي صفة كمال لا تماثِلُ المخلوقَ، كما في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أمة محمد, ما أحدٌ أغيرُ من الله أن يرى عبده أو أمته تزني", وفي حديث أبي هريرة: "إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتيَ المؤمنُ ما حرَّم الله".
أما بالنسبة للمخلوق فالغيرة أربعة أنواع: 1] غيرة واجبة: وهي كل ما تضمن درء فتنة أو ريبة. 2] وغيرة مستحبة: وهي ما تضمن المستحَبَّ من الصيانة والاحتياط. 3] وغيرة منهي عنها: وهي الغيرة في مباح لا ريبة فيه فهي مما لا يحبه الله بل ينهى عنه لأنه من الغلو.
عن جابر بن عتيك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الغيرة ما يحب الله ومن الغيرة ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرةُ في غير ريبة".رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.
الرابع من أنواع الغيرة: غيرة طبيعية: كغيرة الزوجات بعضهن من بعض، وهذه الغيرة ليس مأموراً بها، ولا تذم المرأة لأجلها. وقد وقع في هذا النوع جملة من الحوادث من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فتكسر إحداهُنَّ صَحفة طعام الأخرى، وتغار عائشة رضي الله عنه إذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة بعد موتها، إلا أن هذه الغيرة الطبيعية لم تُنقِص من قدر وفضل أمهات المؤمنين، فكن سيدات العالم.
أيها الإخوة .. لقد ضَعُفَتِ الغيرة في زمننا هذا عند كثير من الناس, فأصبحنا نرى مشاهد تدمي القلوب من مظاهر ضعف الغيرة بين الناس, فمن ذلك تساهل النساء في الحجاب، وضَعف سلطة الرجل على زوجته وبناته وغيرهم من محارمه، ولا سيما عند السفر للخارج. فما إن تقلع الطائرة ألا ويكون الحجاب نسياً منسياً إما بإقرار الزوج وتلك عظيمة، وإما بأمره وهذه أعظم.
ومن مظاهر ضعف الغيرة أيضًا تساهل كثير من الرجال في ركوب نسائه متبرجات متعطرات مع السائق أو سيارة الأجرة، أو سفرهن بلا محرم.
ومن مظاهر ضعف الغيرة إدخال كثير من الناس إلى منازلهم القنوات التي تنشر الفساد بالصوت والصورة، فتبث هذه القنوات الرذيلة، وتهيج الشهوة، وتدعو إلى الفاحشة، وتفسد النساء والشباب، وهو ساكت لا يتكلم، جامد لا يتحكم.
ومن ذلك التساهل في اختلاط السائقين بالمحارم داخل البيوت، واختلاط الخادمات بالرجال ولاسيما الشباب. وهذا باب عظيم من الفتنة، تحدث بسببه أمور يندى لها الجبين.
ومن مظاهر ضعف الغيرة ما يحدث في بعض المجتمعات والأُسَر من اختلاط الأقارب وعدم احتجاب المرأة عن أقارب زوجها أو أبناء عمها أو خالها ونحوهم من غير المحارم.
ومن مظاهر ضعف الغيرة أن تخرج نساء الرجل متجملات أو يلبَسن عباءة مزخرفة أو ضيقة, وأعظم منه من تكشف نساؤه وجهها في الطريق أو السوق وهي متجملة, مخالفة أمر ربها, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخُبث, رواه أحمد وصححه الألباني.
لقد أصبحت الغيرة عند كثير من الناس من الأمور التي يُستحى منها, فأصبح يخشى أن يُرمى بالتشدد أو الوسوسة, أو يُتهَم بأنه لا يثق بأهله ونحو ذلك.
إن الغيرة لا تنافي الثقة بالأهل, وإنما المطلوب أن يحافظ الإنسان على أهله ويصونهم, {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
بل أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر بناتَه ونساءَه بالحجاب والستر {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
فإذا كان الله تعالى أمر أشرف الرجال أن يأمر أطهر النساء بالستر فما الظن بمن هو دونهم؟
أيها المسلمون .. لسائل أن يسال لماذا ضعفت الغيرة في القلوب، أو ما هي أسباب ضعف الغيرة؟ فإجابة عن ذلك يقال: من أسباب ضعف الغيرة: ضعف الإيمان: فالغيرة مأمور بها وبقدر إيمان العبد يكون امتثاله لأوامر ربه سبحانه وتعالى.  
ومن أسبابها الغزو الفكري بوسائله المتعددة: حيث تأثر بعض أبناء المسلمين بما يعرض في الشاشات والقنوات ورأوا أن لاحضارة ولا تقدم إلا بنقل أنماط الحياة الغربية بغثها وسمينها إلى المجتمعات الإسلامية.
ومن ذلك كثرة السفر للخارج ولغير حاجة, والاختلاط بالكافرين الذين لا يغار أحدهم على عرضه, فيخرج أهله وقتما شاؤوا مع من شاؤوا, وتُرتكب بينهم الفاحشة باسم الصداقة, فيتأثر بهم كثير ممن يخالطهم من أبناء المسلمين, فتضعف عندهم الغيرة.
ومن أسباب ضعف الغيرة: ضعف قوامة الرجل، والحب المفرط الذي يضعف سلطته على أهله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن العزيز في قصة يوسف عليه السلام: "وذلك أن زوجها كان قليل الغيرة أو عديمها وكان يحب امرأته ويطيعها، ولهذا لما اطلع على مراودتها قال: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين}, فلم يعاقبها ولم يُفرِّق بينها وبين يوسف حتى لا تتمكن من مراودته وأَمَر يوسف أن لا يذكر ما جرى لأحد محبة منه لإمرأته ولو كان فيه غيرة لعاقب المرأة" اهـ .
ومن أسباب ضعف الغيرة: تحول الغيرة إلى تقاليد وعادات قابلة للتغير مع طول الأمد وتغير أحوال الناس, فلا يربطها المرء بدين أو شرع بل بما جرى عليه عمل الناس وكفى.
ومن أسباب ضعف الغيرة اقتراف الفواحش: فإن أهل الفواحش من أضعف الناس غيرة، لأن الهوى يعمي القلب، كما قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}. أما أهل الغيرة فهم من أبعد الناس عن الفواحش، ولهذا قيل: (ما فجر غيور قط).
ومن أسباب ضعف الغيرة: تفريط المسلمين في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتشار الفواحش والمنكرات، وتحولها إلى أمر عادي لا غضاضة فيه عند كثير من الناس، وكثرة الإمساس تذهب الإحساس، حتى إن الغيور ليُعَد غريباً في بعض المجتمعات.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قاعد, فاشتد ذلك عليه, ورأيت الغضب في وجهه. فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة. فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة, فإنما الرضاعة من المجاعة.
ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، يقول: فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر. فقلت: لمن هذا؟ قالوا: هذا لعمر، فذكرتُ غيرته فوليت مدبراً. فبكى عمر وهو في المجلس ثم قال: أو عليك يا رسول الله أغار. رواه البخاري.
وهاهو  رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنْ دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَهْلِهِ وَوَجَدَ مَا يَرِيبُهُ أَشْهَدَ أَرْبَعَاً)، قَالَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا)، فَقَالَ سَعْدُ: إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟، قَالَ: (نَعَمْ)، فَقَالَ سَعْدُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، ولَأَضْرِبَنَّهُ بِهِ غَيْرَ مُصْفِحٍ – أَيْ غَيْرَ ضَارِبٍ بِصَفْحِ السَّيْفِ وَهُوَ جَانِبُهُ بَلْ أَضْرِبُهُ بِحَدِّهِ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
هذه غيرة الله وهذه غيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه غيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان الصالحون من بعدهم يغارون: نقل ابن كثير عن نور الدين زنكي قال: "كان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً...وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية"ا.ه
وروى ابن الجوزي عن أبي عبدالله محمد بن أحمد بن موسى القاضي، قال: حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين، فتقدمت امرأة فادعى وليُّها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا، فأنكر، فقال القاضي: شهودك، قال: قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي، فقال الزوج: تفعلون ماذا؟! قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة؛ لتصح عندهم معرفتها، فقال الزوج: فإني أُشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدَّعيه، ولا تسفر عن وجهها، فأُخبرت المرأة بما كان من زوجها، فقالت: فإني أُشهد القاضي أنْ قد وهبتُه هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة، فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الاخلاق!
أولئك آبائي فجئني بمثلهم     ***   إذا جمعتنا يا جرير المجامع

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة