قواعد نفسية في التعامل مع الأزمات الجمعة 4/2/1438هـ
الحمد
لله الذي نور بجميل هدايته قلوب أهل السعادة، وطهر بكريم ولايته أفئدة الصادقين
فأسكن فيها وداده، ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته فأقبلت منقادة، أحمده على ما
أولى من فضل وأفاده، وأشكره معترفًا بأن الشكر منه نعمة مستفادة, وعد المحسنين
بالجنة { لِلَّذِينَ
أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}.
وأشهد
أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد وهو على كل شيء قدير
تعطف بفضل منك يا مالك الورى ***فأنت
ملاذي سيدي ومعيني
لئن أَبعَدَتني عن حِماك خطيئتي ***
فأنت رجائي شافعي ويقيني
ولست أرى لي حجة أبتغي بها *** رضاك فإن
العفو منك يقيني
وأشهد
أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.
هو صاحبُ الخلق ِالرفيع ِعلى المدى ***
هو قائدٌ للمسلمينَ همـــــــامُ
هو سيدُ الأخلاق ِدون منافـــــــــس ٍ
*** هو ملهمٌ هو قائدٌ مقــــــدامُ
مــــــاذا نقولُ عن الحبيبِ المصطفى ***
فمحمدٌ للعالمينَ إمــــــــــامُ
صلى
الله عليه, وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه واتبعهم
بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا
تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. أينما وجه
الإنسان اليوم سمعه أو بصره إلى وسائل الإعلام أو التواصل ... ليتعرف أخبار العالم
من حوله .. فلن يجد مع الأسف إلا ما يسوؤه.
قتل
وتشريد وتجويع وحصار .. قصف وتهديد وترويع ودمار .. حروب مستمرة, وتضييق على أهل
الدين والدعوة, وأزمات اقتصادية, وانفلاتات أخلاقية.
أخبار
سيئة في الجملة .. أصيب معها كثير من الناس بالإحباط واليأس, يأس من التغيير أو
الإصلاح, يأس من تبدل الحال أو تحسنه, وأصيب آخرون بداء لا يقل خطرًا عن اليأس ..
التجاهل واللامبالاة, فانشغلوا بأنفسهم وأهملوا كل ما يدور حولهم.
والسؤال:
كيف يمكنُ لنا أن نتوازنَ ذهنياً ونفسياً أمام هذه الأحداث المتلاحقة؟
كيف
يمكن أن نفرّ من مربع الإحباط والجزع واليأس دون أن ننتقل إلى مربع اللامبالاة
والإهمال المطلق؟
هذه
الخطبةُ بإذن الله هي محاولةٌ لتقديمِ جوابٍ، وذلك من خلال خمس (قواعدَ نفسية) موجودة في
كتابِ الله تعالى وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا استعصم بها المؤمنُ فإنّها
كفيلةٌ بإذن الله أن تُسكِّنَ روحه وتوجِّه طاقته إلى الوجهة السليمةِ.
القاعدةُ
النفسية الأولى: كل شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ.
كلُّ
مايجري على هذه الأرضِ صغيراً كان أو كبيراً إنما هو بقدرِ الله عز وجلّ
وإرادتِهِ.
(إنّا
كلَّ شيء خلقناه بقدر)، ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً )، (وخلق كل شيء فقدّره
تقديراً)، (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).
روى
عَبْدُ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ
الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ
سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " [مسلم].
من
أركانِ الإيمان أن نؤمن بالقضاءِ والقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ، وأن نؤمن أن لله حكمةً
في أقدارِهِ علمناها أو جهلناها.
إننا
عندما نتذكرُ أن كل شيءٍ بقضاءٍ وقدر، وأن ما جرى ويجري وسيجري إنما هو بتقدير
الله ومشيئتِهِ، وهو اللطيف الرحيم الرحمن الحكيم، وله فيه حكمةُ خير علمناها أو
جهلناها، فإنّ هذا يعينُ كثيراً على استقرارِ النفوسِ، وتعلقها بالخالق المقدر
المدبر، وانصرافها عن الجزع والقلق إلى تنفيذِ مرادِ الله من العمل والبذل، ثم
يقضي الله ماشاءَ.
القاعدةُ
النفسية الثانية: توطين النفس على استمرار الحياةِ.
يجبُ
على المؤمن أن يوطِّنَ نفسه ومشاعره وحياته على أنَّ عليه أنْ يستمر في حياته
وعمله وواجباته.
المصيبةُ
التي تقعُ هنا، أو الكارثة التي تحصل هناك، لا تعني أن تتوقف الحياةَ، وأن يغيبَ
كلُّ جميلٍ، وأن يتعطل العملُ.
في
الحديث: ((إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ فليغرِسْها)).
الفسيلة
تحتاج إلى سنوات كي تكبر وتثمر, والقيامة قامت والحياة ستنتهي, ولن تكبر الفسيلة
ولن تثمر, ومع ذلك أُمر المسلم بغرس الفسيلة في مثل تلك الحال, هي دعوةٌ للاستمرار
في العمل والعطاء حتى مع قيام الساعةِ حين تنتهي الدنيا ويتوقف كل شيء! فكيف بما
هو دون ذلك من الحوادث؟
تأمل
في قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك القين). الآية هنا تربط العملَ بالحياة،
فمادمتَ حياً فلتمضِ في عملكَ مهما كانتِ الظروفُ، والكوارث، والنوازل، فإن جاءك
اليقينُ ومتَّ فهذا هو العذر الوحيد المقبول لترك العمل!
مهما
صنعَ أعداؤنا من حولنا الموت .. فإن علينا أن نمضي في صناعةِ الحياةِ.
استمرّ
في دراستك, في وظيفتك, في نشاطك الدعويّ, في واجباتك الاجتماعية .. استمرّ وارتق
موقنًا أن ذلك جزءٌ من واجبك تُجاهَ ما يجري. ولاتنسى وأنت في ظل هذا الواجب
القاعدة التالية.
القاعدةُ
الثالثة: خصص شيئاً للنازلة وإن قلَّ.
وحاصلُ
هذه القاعدةِ النفسية/العملية أن على المسلم مع كل نازلةٍ أو كارثة أن يُسهم فيها
بقليل أو بكثيرٍ بحسب استطاعته.
يقول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ
يُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَتُسْتَحَلُّ حُرْمَتُهُ، إِلا نَصَرَهُ اللَّهُ
فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ خَذَلَ مُسْلِمًا فِي
مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، إِلا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ
يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ)).
لابدّ
لك من (دائرة) عملٍ تخدمُ بها كلَّ قضايا أمتكَ ..
وخديعة
الشيطان هنا أن يقنعك بأنك إما أن تغير الحال تغييراً كاملاً أو لا تفعل شيئاً.
إنَّ
الدعاءَ الصادقَ الملح المتكرر الخاشعَ ـــ مثلاً ـــ هو عملٌ لقضايا الأمة.
إن
وعيك وفهمك لما يجري هو جزء من العمل لقضايا الأمة.
إن
حديثك مع جلسائك وأهلك وتعريفهم وتوعيتهم بما جرى ويجري هو عمل لقضايا الأمة.
محاولة دعوة الناس لدين الله تعالى, إصلاحك لنفسك .. هو جزء من العمل لقضايا الأمة.
محاولة دعوة الناس لدين الله تعالى, إصلاحك لنفسك .. هو جزء من العمل لقضايا الأمة.
التغريدة
التي ترسلها أو تدوّرها .. الحالة التي تكتبها أو تشاركها .. الكلمة التي تنشئها
أو ترويها .. الوعي الذي تحصّله أو توصّله .. الريال الذي تدفعه أو تجمعه .. كل
هذه أعمالٌ تخدمُ قضايا المسلمين.
ولو
فكرت بهذا المنطق الواسعِ فأنا أجزم أنك ستجد نفسك قادراً على أن تقدم شيئاً لكل
قضية اليوم من قضايا الأمة، بل لكل مشكلة تراها جزءاً من مشكلات الوطن.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا
بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وراقبوه في السر والنجوى, واعلموا
أن أجسادنا على النار لا تقوى .
فيا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. فما زال الحديث عن
قواعد نفسية للتعامل مع الأزمات.
ومع
القاعدةُ الرابعة: استمر
.. لا تتوقف.
لايحقق
النجاحَ شيءٌ مثل استمرار الإنسانِ ومواصلته الطريقَ.
معظمُ
اختراعات البشرية جاءت بعد مئات المحاولات الفاشلة.
وكثيرٌ
من أصحاب الحقوق ما رد لهم حقوقهم، أو على الأقل أبقى الاعتراف بها إلا مواصلتهم
المطالبة بلا كلل ولا مللٍ.
ولنا
في هدي نبينا صلى الله عليه وسلم قدوةٌ وعبرةٌ..
عانى
رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش ما عانى, فصبر إحدى وعشرين سنةً حتى عاد
فاتحاً يُسقط الأصنام عن الكعبة.
ومن
قبله صبر نوحٌ عليه السلامُ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً، وهو يدعو قومه ليلاً
ونهاراً، سراً وجهاراً.
لاينبغي
إذنْ إذا طال الزمنُ أن نيأس .. أو نُحبط .. بل ينبغي أن نعتبرها فرصةً للصبر
والتربية والتعليم والخبرة .. إنها فرصةٌ (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ).
القاعدةُ
الخامسة: يقينُ القَدَرِ أقوى من يقين البصر.
إن
إيمان المؤمنين بموعودِ الله، وبما صحَّ من خبر المستقبل والغيبِ، أقوى أثراً في
نفوسهم مما يرون ويشاهدون.. فيقين القد أقوى من يقين البصر.
مهما
عايشوا من صعابٍ وحساباتٍ ماديةٍ مفجعةٍ فإنَّ إيمانهم ويقينهم بما أخبر به الله
يظل أبقى وأقوى.
تأمل
إن شئت كلمةَ موسى عليه السلام وقد واجهه البحرُ واقترب منه جنود فرعون، وقال له
بنو إسرائيل: (إنا لمدركون)! فقال شيئاً واحداً: (كلا، إن معي ربي سيهدين)! تأمل
في قوله: (كلا)، إنها علامةُ الرفض الفوريّ القاطعِ لتغليب يقين البصر على يقين
القدر! (كلا) ياقوم! ليس الأمر كما تقيسون! ثم يأتي التعليل: (إن معي ربي سيهدين).
(ولقد
سبقتْ كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون).
روى
تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليبلغَنَّ
هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله
اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ, عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ
وأهلَه, وذُلًّا يُذلُّ اللهُ به الكفرَ).
هذا
الدين باقٍ منصور بإذن الله.. لكن السؤال: هل ساهمنا في نصره؟ {وَإِنْ
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
أيها
الإخوة .. إن هذه القواعدَ الخمس ليستْ خاصةً بالتعاطي مع قضايا الحروب
والاعتداءات وما إليها.
بل
عامةٌ في كلِّ نازلةٍ تنزلُ بالمرءِ في خاصّ الأمر وعامّه.
إنها
رسالةٌ بسيطةٌ ينبغي أن تستقر في قلوبنا .. خلاصتها: أن المصائب ستزيدنا قوةً
لاضعفاً إذا نحنُ عشنا معها في ضوء هذه القواعد الخمسة: كل شيء بقضاء الله وقدره،
توطين النفس على استمرار الحياة، بذلُ ما أمكنَ لدفع المصيبة، العمل على حل
الأزمة وإن طال الطريق، يقينُ القدر أقوى من يقين البصر.
اللهم
أصلح أحوال المسلمين في كل مكان, اللهم ولِّ عليهم خيارهم, واكفهم شر شرارهم, اللهم
أعز الإسلام والمسلمين.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات
إرسال تعليق