ليلة النصف من شعبان الجمعة 14/8/1440هـ
إنَّ
الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ
بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ
اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل
عمران: 102]
((يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1]
((يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً *
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً))[الأحزاب: 70 و71]. أما بعد:
فإن
أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها
وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. خَلَقَ اللهُ
تَعَالَى الزَّمَانَ، وَفَاضَلَ بَيْنَ الْأَزْمَانِ كَمَا فَاضَلَ بَيْنَ سَائِرِ
خَلْقِهِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا، وَمَعْرِفَةُ فَضِيلَةِ الزَّمَانِ
عَلَى غَيْرِهِ تُدْرَك بِالنَّصِّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ
لِأَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ أَنْ يُفَضِّلَ زَمَانًا لَمْ يَرِدْ لَهُ فَضْلٌ
لَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ عِبَادَاتٍ
لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ
فَعَلَ ذَلِكَ فقد أحدث في دين الله ما لم يأذن به الله.
وَشَهْرُ
شَعْبَانَ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ عَمَلٌ وَهُوَ صِيَامُ
أَكْثَرِهِ, فقد رَوَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ
اللَّـهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ
حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّـهِ صلى الله عليه وسلم
اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا
مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «كَانَ
يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا».
وَحِكْمَةُ
إِكْثَارِهِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَعْبَان بَيَّنَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّـهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا
تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ
رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛
فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالنَّسَائِيُّ.
وَهَذَا
الْعَرْضُ لِلْأَعْمَالِ هُوَ الْعَرْضُ السَّنَوِيُّ؛ فَإِنَّ عَرْضَ
الْأَعْمَالِ يَوْمِيٌّ وَأُسْبُوعِيٌّ وسنَّوي: فالله تعالى يُعْرَضُ عَلَيْهِ
عَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ،
وَالْأُسْبُوعِيُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ العمل يَوْمَيِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ؛
وَلِذَلِكَ نَدَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى صِيَامِهِمَا، والسنوي
يُعْرَضُ فِي شَعْبَانَ؛ فَاسْتُحِبَّ صِيَامُ أَكْثَرِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَصُومُ أَكْثَرَهُ.
هَذَا
مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ شَعْبَانَ: الصِّيَامُ فَحَسْبُ.
أَمَّا
لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فقد كَثُرَ كَلَامُ الناس فِيهَا، وَاخْتَلَفَ
النَّاسُ حَوْلَها، وَأَحْدَثُوا فِيهَا مَا أَحْدَثُوا، وَخَصُّوهَا بِأَعْمَالٍ
كَثِيرَةٍ؛ والْكَلَامَ عَنْهَا، وَتَحْرِيرَ الْقَوْلِ فِيهَا يَكُونُ فِي
مَقَامَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا:
مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْفَضْلِ.
وَثَانِيهِمَا:
مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ أَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ كَصِيَامِ نَهَارِهَا، وَقِيَامِ
لَيْلِهَا، وَاخْتِصَاصِهَا بِصَلَاةٍ يُسَمُّونَهَا الْأَلْفِيَّةَ،
وَاتِّخَاذِهَا عِيدًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ وَالْأَمْصَارِ.
أَمَّا
فَضْلُهَا؛ فَجَاءَت فِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ، لَا يَسْلَمُ حَدِيثٌ مِنْهَا
مِنْ طَعْنٍ فِي رُوَاتِهِ، أَوِ انْقِطَاعٍ فِي سَنَدِهِ، وأصح ما ورد فيها
الحديث الذي رواه جمع من الصحابة «أنَّ اللهَ تَعَالَى يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ
لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا
لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» صححه الشيخ الألباني رحمه الله.
وهذا
الحديث ليس فيه تخصيص هذه الليلة بعمل معين, وإنما غاية ما فيه الخبر عن اطلاع
الله تعالى على خلقه وغفرانه ذنوبهم إلا المشرك والمشاحن.
وقد
أنكر سلف هذه الأمة على من خصص ليلة النصف من شعبان بعمل صالح كصلاة مخصوصة أو
نحوها, قِيلَ لِلتَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ
-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: إِنَّ زِيَادًا النُّمَيْرِيَّ يَقُولُ: «أَجْرُ
لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَأَجْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: لَوْ
سَمِعْتُهُ وَبِيَدِي عَصًا لَضَرَبْتُهُ».
أَمَّا
فَضِيلَةُ الْعَمَلِ فِيهَا، أَوْ تَخْصِيصُهَا بِقِيَامٍ، أَوْ بِإِفْرَادِ
يَوْمِهَا بِالصِّيَامِ، أَوْ بِصَلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ فِيهَا، وَهِيَ صَلَاةٌ
مُبْتَدَعَةٌ وَمُرْهِقَةٌ، يُصَلِّي فِيهَا المُصَلِّي مِئَةَ رَكْعَةٍ، يَقْرَأُ
فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ عَشْرَ مَرَّاتٍ، أَوِ اتِّخَاذِ
يَوْمِهَا أَوْ لَيْلَتِهَا عِيدًا بِالِاجْتِمَاعِ فِي المَسَاجِدِ، أَوِ
الْبُيُوتِ عَلَى طَعَامٍ مَخْصُوصٍ، وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالزِّينَةِ؛ فَكُلُّ
ذَلِكَ مِنَ المُبْتَدَعَاتِ الَّتِي أَنْكَرَهَا الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا
وَحَدِيثًا.
قَالَ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «فَأَمَّا
صَوْمُ يَوْمِ النِّصْفِ مُفْرَدًا فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ إِفْرَادُهُ
مَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُهُ مَوْسِمًا تُصْنَعُ فِيهِ الْأَطْعِمَةُ،
وَتُظْهَرُ فِيهِ الزِّينَةُ، هُوَ مِنَ المَوَاسِمِ المُحْدَثَةِ المُبْتَدَعَةِ
الَّتِي لَا أَصْلَ لَها، وَكَذَلِكَ مَا قَدْ أُحْدِثَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ
مِنَ الِاجْتِمَاعِ الْعَامِّ لِلصَّلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ فِي المَسَاجِدِ
الْجَامِعَةِ، وَمَسَاجِدِ الْأَحْيَاءِ وَالدُّرُوبِ وَالْأَسْوَاقِ؛ فَإِنَّ
هَذَا الِاجْتِمَاعَ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِزَمَانٍ وَعَدَدٍ،
وَقَدْرٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يُشْرَعْ، مَكْرُوهٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ
الْوَارِدَ فِي الصَّلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ
بِالْحَدِيثِ..» ا.هـ.
وتَعْظِيمُ
لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَتَخْصِيصُهَا بِعِبَادَاتٍ أَوْ
بِاحْتِفَالَاتٍ أمر مُحْدَثٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبَعْدَ
صَحَابَتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَعَلَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ
الشَّامِ بِنَاءً عَلَى أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَالْعِبَادَاتُ تُؤْخَذُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ،
وَمِمَّا صَحَّ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ أَقْوَالِ
الرِّجَالِ وَاجْتِهَادَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ
رَدٌّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
أَسْأَلُ
اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ
بِمَا عَلِمْنَا، وَأَنْ يَدُلَّنَا عَلَى الْحَقِّ، وَيَهْدِيَنَا لِاتِّبَاعِهِ،
وَأَنْ يُرِيَنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَيُعِينَنَا عَلَى اجْتِنَابِهِ، إِنَّهُ
سَمِيعٌ قَرِيبٌ.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما
سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم, إنه هو الغفور الرحيم.
الخُطْبَةُ
الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ
لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا
بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ –عِبَادَ اللَّـهِ- وَأَطِيعُوهُ: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ
وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ﴾.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ينبغي للمسلم أن
يتعلم السُّنَّةَ، ويحذر الْبِدْعَةَ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يَعْمَلُ فِي
بِدْعَتِهِ وَلَا يُقْبَل عَمَلُهُ، وَيَسْعَى وَلَا يَجِدُ أَجْرَ سَعْيِهِ؛ بَلْ
يَكُونُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَفِي الدُّنْيَا
تَشْغَلُهُ بِدْعَتُهُ عَنْ تَعَلُّمِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ شَرِيعَةِ رَبِّهِ،
كَمَا تَشْغَلُهُ عَنِ السَّعْيِ فِي مَصَالِحهِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وَأَمَّا
فِي الْآخِرَةِ فَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ أَحْرَى أَنْ يُحَاسَبَ عَلَى بِدْعَتِهِ،
وَأَنْ يُؤَاخَذَ بِعِبَادَتِه لِرَبِّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُحِبُّهُ اللهُ
تَعَالَى وَلَا يَرْضَاهُ؛ كَمَا يُؤَاخَذُ عَلَى تَقْصِيرِهِ فِي تَعَلُّمِ
السُّنَّةِ، وَاجْتِنَابِ الْبِدْعَةِ.
وَصَاحِبُ
الْبِدْعَةِ الَّذِي يَنْشُرُ بِدْعَتَهُ، وَيُنَافِحُ عَنْهَا يخشى عليه أَنْ
يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَهُوَ عَلَى بِدْعَتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ الْبِدْعَةِ هُوَ
الشُّبْهَةُ، وَصَاحِبُهَا يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى خَيْرٍ وَهُوَ عَلَى شَرٍّ؛
إِمَّا اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ، أَوْ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ، فَهُوَ يَعْبُدُ اللهَ
تَعَالَى عَلَى جَهْلٍ.
وَمِنْ
شُؤْمِ الْبِدْعَةِ أَنَّهَا لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ؛ فَلَيْسَ ثَمَّةَ زِمَامٌ
يَزُمُّهَا، وَلَا غَايَةٌ تَبْلُغُهَا، وَالنَّاسُ يَتَوَسَّعُونَ فِيهَا جِيلًا
بَعْدَ جِيلٍ حَتَّى يَبْلُغُوا بِهَا الشِّرْكَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّـهِ
تَعَالَى، أَوْ يَعْمَلُوا أَعْمَالًا شَنِيعَةً مُنْكَرَةً، لَا يَرْضَاهَا كَثِيرٌ
مِمَّنْ غَرَّتْهُمُ الْبِدْعَةُ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهَا، قال أَبُو مُحَمَّدٍ
المَقْدِسِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا بِبَيْتِ
المَقْدِسِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ هَذِهِ الَّتِي تُصَلَّى فِي رَجَبٍ، وَلَا
صَلَاةُ شَعْبَانَ، وَأَوَّلُ مَا حَدَثَتْ عِنْدَنَا -يَعْنِي: صَلَاةَ
شَعْبَانَ- فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا
فِي بَيْتِ المَقْدِسِ رَجُلٌ مِنْ نَابْلِس يُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْحَمْرَاءِ،
وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ، فَقَامَ يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ الْأَقْصَى
لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ انْضَافَ
إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ وَرَابِعٌ، فَمَا خَتَمَهَا إِلَّا وَهُمْ جَمَاعَةٌ
كَبِيرَةٌ، ثُمَّ جَاءَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَصَلَّى مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ،
وَشَاعَتْ فِي المَسْجِدِ الْأَقْصَى وَبُيُوتِ النَّاسِ وَمَنَازِلهِمْ، ثُمَّ
اسْتَقَرَّتْ كَأَنَّهَا سُنَّةٌ...» ا.هـ.
وقد
أُحْدِثَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَدْعِيَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ حَتَّى
صَارَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ يُؤَلِّفُونَهَا
وَيُوَزِّعُونَهَا عَلَى الْعَامَّةِ فِي كُتُبٍ مَطْبُوعَةٍ.
ثُمَّ
صَارَ يُحْتَفَلُ بِهَا كَمَا يُحْتَفَلُ بِالْأَعْيَادِ الْكَبِيرَةِ، وَهَكَذَا
لَا يَقِفُ الْجَهَلَةُ عِنْدَ حَدٍّ فِي بِدْعَتِهِمْ، وَكُلُّ أَهْلِ جِيلٍ
يُحْدِثُونَ فِيهَا أَعْمَالًا جَدِيدَةً، حَتَّى تُصْبِحَ شَعِيرَةً مِنَ
الشَّعَائِرِ الْكَبِيرَةِ؛ فَيُطْمَسُ مَا يُطْمَسُ مِنَ السُّنَّةِ، وَيَنْتِجُ
عَنْهَا مَا يَنْتِجُ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ
الْحَقُّ فِي غُرْبَةٍ، وَضَحِيَّةُ ذَلِكَ: عَوَامُّ المُسْلِمِينَ؛ إِذْ
يَسْعَوْنَ فِي تِلْكَ الْبِدَعِ سَعْيًا بَاطِلًا، يُرْهِقُ أَبْدَانَهُمْ،
وَيَسْتَنْزِفُ أَمْوَالهُمْ، وَيُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُمْ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا
بِأَوْزَارٍ اللهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ،
نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ.
أَلَا
فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَاحْذَرُوا الْبِدَعَ؛ فَإِنَّهَا شَرٌّ عَظِيمٌ،
وَالْتَزِمُوا السُّنَنَ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهَا، وَإِذَا زَاحَمَتِ السُّنَّةُ
الْبِدْعَةَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَيْرِ الزَّمَانِ، وَإِذَا قَضَتِ الْبِدْعَةُ
عَلَى السُّنَّةِ كَانَ ذَلِكَ شُؤْمًا عَلَى النَّاسِ.
اللهم
بلغنا رمضان, وأعنا فيه على الصيام والقيام, واجعلنا فيه من عتقائك من النار.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق