ما أجمل الستر وما أقبح التستر الجمعة 29/7/1440هـ


الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إقرارا به وتوحيدا, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا.
أَمَّا بَعْدُ.. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ .. مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيُّ، رضي الله عنه, أَحَدُ الْأَصْحَابِ الْأَخْيَارِ مِمَّنْ وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، فَآمَنَ بِرَبِّهِ، وَصَدَّقَ بِرِسَالَةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَاشَ فِي مَدِينَةِ رَسُولِه؛ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ نُورَ الْإِيمَانِ، وَضِيَاءَ التَّقْوَى، بَيْدَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ بَشَرِيَّتِهِ، وَلَمْ يَنْسَلِخْ مِنْ ضَعْفِهِ الْآدَمِيِّ؛ (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا).
‏فَزَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِعْلَ الْحَرَامِ، وَأَزَّتْهُ نَفْسُهُ، وَفِي سَاعَةِ الْغَفْلَةِ وَسَكْرَةِ الشَّهْوَةِ، وَقَعَ فِي الْإِثْمِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
‏عَصَى مَاعِزٌ رَبَّهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّ ذَاكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، فَاحْتَرَقَ قَلْبُهُ، وَالْتَاعَتْ نَفْسُهُ نَدَمًا وَأَسَفًا، وَعَاشَ أَيَّامًا عِدَّةً فِي بُؤْسٍ وَغَمٍّ، وَحَسْرَةٍ وَهَمٍّ.
‏عِنْدَهَا قَرَّرَ مَاعِزٌ أَنْ يَبُوحَ بِأَمْرِهِ ذَاكَ إِلَى أَحَدِ بَنِي عَشِيرَتِهِ، وَهُوَ هَزَّالُ الْأَسْلَمِيُّ، الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِفَ وَيُقِرَّ أَمَامَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخَطِيئَتِهِ.
‏مَشَى الْمُذْنِبُ التَّائِبُ تَجُرُّهُ رِجْلَاهُ نَحْوَ الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، فَوَقَفَ فِي حَيَاءٍ وَاسْتِحْيَاءٍ، وَنَطَقَ بِجُرْمِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكَرَّرَ مَاعِزٌ اعْتِرَافَهُ، وَأَقَرَّ أَرْبَعًا بالزنى، وَأَلَحَّ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُقِيمَ حَدَّ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، حَدِّ زنى المسلم المحصن وهو الرجم، فَرُجَمَ حَتَّى فَاضَتْ رُوحُهُ إِلَى بَارِئِهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَدَعَا لَهُ، وَاسْتَغْفَرَ، وَأَثْنَى عَلَى تَوْبَتِهِ وَصِدْقِهِ مَعَ رَبِّهِ.
فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ هَزَّالًا الْأَسْلَمِيَّ هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِالِاعْتِرَافِ، دَعَاهُ ثُمَّ قَالَ: "يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ"!
مَعَاشِرَ الإخوة: مَا أَجْمَلَ السَّتْرَ! وَمَا أَعْظَمَ بَرَكَتَهُ وَأَبْهَى حُلَّتَهُ! ‏السَّتْرُ ‏خُلُقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَسِيمَا الصَّالِحِينَ؛ يُورِثُ الْمَحَبَّةَ، وَيُثْمِرُ حُسْنَ الظَّنِّ، وَيُطْفِئُ نَارَ الْفَسَادِ. هُوَ جَوْهَرٌ نَفِيسٌ، وَعُمْلَةٌ ثَمِينَةٌ، وَسُلُوكٌ رَاقٍ.
‏السَّتْرُ طَاعَةٌ وَقُرْبَانٌ، وَدِينٌ وَإِحْسَانٌ، ‏وَصَفَ الرَّحْمَنُ نَفْسَهُ بِهِ، فَهُوَ -سُبْحَانُهُ- سِتِّيرٌ يَسْتُرُ كَثِيرًا، وَيُحِبُّ أَهْلَ السِّتْرِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ *** عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ
لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ بسِتْرِهِ *** فَهْوَ السَّتِيرُ وَصَاحِبُ الْغُفْرَانِ
‏أَقَرَّ الْإِسْلَامُ بِهَذَا الْخُلُقِ الْكَرِيمِ، وَحَضَّ وَكَافَأَ عَلَيْهِ؛ "وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" رواه مسلم.
وَلِأَجْلِ السَّتْرِ شَرَعَ الْإِسْلَامُ حَدَّ الْقَذْفِ؛ حَتَّى لَا تَكُونَ الْأَعْرَاضُ بَعْدَ ذَلِكَ كَلَأً مُبَاحًا. وَلِأَجْلِ السَّتْرِ أَمَرَ الشَّارِعُ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ؛ حِمَايَةً لِلْأَعْرَاضِ، وَصَوْنًا لِلْمَحَارِمِ.
وَلِأَجْلِ السَّتْرِ -أَيْضًا- تَوَعَّدَ الْجَبَّارُ أَهْلَ السُّوءِ، الَّذِينَ يُحِبُّونَ إِشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
ومِنْ أَجْلِ ‏السَّتْرِ ‏-أَيْضًا- نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ التَّجَسُّسِ عَلَى الْآخَرِينَ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا). قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: التَّجَسُّسُ: الْبَحْثُ عَنْ عَيْبِ الْمُسْلِمِينَ وَعَوْرَتِهِمْ.
أَمَّا خَيْرُ الْخَلْقِ, وَأَعْرَفُ الْخَلْقِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ -تَعَالَى- فَقَدْ كَانَ عَظِيمَ الْحَيَاءِ، عَفِيفَ اللِّسَانِ، بَعِيدًا عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، حَرِيصًا عَلَى كَتْمِ الْمَعَايبِ وَالزَّلَّاتِ، كَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ وَيَكْرَهُهُ، عَرَّضَ بِأَصْحَابِهِ وَأَلْمَحَ، كَمْ مَرَّةٍ قَالَ لِلنَّاسِ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا!"، "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا".
‏ ‏بِهَذَا الْمَنْهَجِ وَهَذِهِ الْعِفَّةِ تَرَبَّى الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- فَسَتَرُوا عُيُوبَ النَّاسِ، وَطَوَوْا مَعَايبهم.
‏فَهَذَا صِدِّيقُ الْأُمَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: "لَوْ لَمْ أَجِدْ لِلسَّارِقِ وَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ إِلَّا ثَوْبِي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتُرَهُ بِهِ".
‏وَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُؤْتَى إِلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ بِرَجُلٍ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا -أَيْ: كَثِيرًا مَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ- فَقَالَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إِنَّا نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ، نَأْخُذْهُ بِهِ".
‏إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالسَّتْرِ: أَنْ يَسْتُرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، وَيُغَطِّيَ عَيْبَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْعَافِيَةِ -نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ- أَنْ يُفَاخِرَ الْعَبْدُ بِالذَّنْبِ أَوْ أَنْ يُبَاهِيَ بِالْخَطِيئَةِ، لَيْسَ مِنَ الْعَافِيَةِ تَسْمِيعُ الْعِبَادِ بِالذُّنُوبِ الْخَفِيَّاتِ، وَخَطَايَا الْخَلَوَاتِ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
أيها الفضلاء! إِذَا قَلَّبْنَا النَّظَرَ فِي مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ، نَرَى ظَاهِرَةَ نَشْرِ الْفَضَائِحِ وَإِشَاعَةِ الْقَبَائِحِ قَدِ انْتَشَرَتِ انْتِشَارًا مُرَوِّعًا؛ عَبْرَ الْهَوَاتِفِ الْمَحْمُولَةِ، وَصَفَحَاتِ "الْإِنْتَرْنِتْ"، وَشَاشَاتِ الْفَضَائِيَّاتِ، حَتَّى غَدَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ وَأَحْدَاثُهَا أَسْرَعَ انْتِقَالًا، وَأَوْسَعَ انْتِشَارًا، فَلَا دِينَ يَمْنَعُ، وَلَا خُلُقَ يَرْدَعُ.
‏ ‏إِذَا عَلِمَ الْعَاصِي -وَكُلُّنَا ذَاكَ الْعَاصِي- أَنَّ الْأَفْوَاهَ لَاكَتْهُ، وَالنَّظَرَاتِ قَدْ نَهَشَتْهُ، وَالْأَصَابِعَ قَدْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ، لَمْ يُبَالِ بَعْدَهَا بِمُجَاهَرَةٍ فِي مَعْصِيَتِهِ أَوْ مُفَاخَرَةٍ فِي ذَنْبٍ..
‏رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ، أَفْسَدَتْهُمْ"، أَوْ: "كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ".
وسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِذَا عُلِمَ مِنَ الرَّجُلِ الْفُجُورُ، أَيُخْبَرُ بِهِ النَّاسُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يُسْتَرُ عَلَيْهِ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيَةً.
‏نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عُيُوبَنَا، وَيَغْفِرَ ذُنُوبَنَا، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ زَلَّاتِنَا وَهَفَوَاتِنَا، وَأَنْ يَصُونَ عَوْرَاتِنَا، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِنَا؛ إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآَنِ العَظِيمِ, وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ, قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخِلَّانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. لئن كان عنوان الخطبة الأولى: ما أجمل الستر! فحديثنا الآن عن: ما أقبح التستر.
ظلم العمال والأُّجراء والخدم أمر موجود في مجتمعاتنا، استهان به بعض ضعفاء الإيمان، وفقراء الأخلاق، ومن تمزقت عندهم خيوط الإنسانية…. وما علم هؤلاء المساكين أن المخاصمةَ أمامهم.
مخاصمةٌ ممن ؟ من الله  الملك العدل، الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة.
روى البخاري في صحيحه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلمَ قال: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ).
إن هذا التجاوزَ في الحق، والاعتداءَ على الحقوقِ ما كان ليكون إلا لخفةٍ في الديانة، وضعفٍ في الأمانة، واستهانة بالوفاء.
فهذا الوافد إنما هاجر وطنه وتحمل ألم الغربة ليعملَ، ويُحفَظَ له حقُّه، ومن أعظم صور حفظ الحقوق كتابتها والالتزام بها.
والوفاء بالعقد حَتْمٌ لازمٌ على الطرفين، والقيام به تامَّاً مستوفى، من أعظم صور أداء الأمانة،  (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)
وبسبب عدم كتابة عقود العمل أو التقصير في الالتزام بها، برزت صور وأخطاء، حقيق ألا يُستهان بها، ومنها:
تغيير عقود العمل بعد مجيء العامل, وهذا غدر وخيانه، وتحايل وقلة أمانة.
يأتي العامل من بلده بمهنة تعلَّمها ومهر فيها، فيفاجأ بمهنة أخرى مرهقة، في طبيعة العمل أو في زيادة الوقت، فيصبح مضطرًا لقبول المهنة الجديدة للحاجة وقلة الحيلة.
ـ ومن صور المخالفة الصريحة: تحصيل الفِيَزِ والتأشيرات وبيعها على العمال بمبالغ باهظة، لا يستطيعها الموظَّف فضلًا عن عامل فقير غريب، وفي الحديث الصحيح: (لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه).
وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للإفتاء بتحريم المتاجرة بالتأشيرات أو التستر على العمالة المخالفة المتخلفين من كفلائهم.
ـ ومن أخطاء العمل وصور المخالفة: استقدام عشرات العمال وربما المئات، وإلقاؤهم في الشوارع والطرقات، ومطالبتهم بدخل شهري ثابت، ولا يوفّر لهم الكفيل أو الشركة السكن المناسب، ولا الخدمات الضرورية التي يَنصّ عليها نظام العمل في البلد، بل ربما يُجْمَعون في غرف ضيقة، لا تفي بأدنى متطلبات الحياة، مما يهيئ الفرص لحصول الجرائم الاجتماعية والأخلاقية.
ـ ومن صور تضييع الحقوق وظلم الموظفين: الاستقطاع من كدهم وتعبهم شهريًا أو سنويًا مقابل الكفالة، وهذا مخالفة صريحة للنظام الذي وضع للمصلحة العامة، وفيه ما فيه من ظلم العامل الذي جاء بناء على اتفاق ، ليس فيه هذا الاستقطاع.
أخي الوافد الكريم .. إنَّ عملك مقصور على صاحب العمل، فما أتيت هذا البلد إلا باتفاق، دفع فيه صاحب العمل وتكلف، فعملك عند الغير من غير إذنه ورضاه مخالفة للنظام، وإضرار لصاحب العمل.
أيها الإخوة: إذا حفظت حقوق العمال، مع التعامل الحسن، تآلفت النفوس، وظهر الإخلاص والوفاء، والجد وصدق الانتماء، فكانت النتيجة نجاح واستمرار في العطاء.
أما إذا ضاعت الحقوق وضيعت الواجبات فهي شرارة الظلم، وبداية القهر، فلا تنتظر إلا تنافرَ النفوس، وانعدامَ البركة، والخسارةَ في الدنيا قبل الآخرة.
اللهم أدم علينا الأمن والأمان، ووفقنا للعمل برضاك، واجعلنا من أهل طاعتك وهداك.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

* مستفادة من خطبة للدكتور/ عبدالرحمن المحيسن وفقه الله

تعليقات

المشاركات الشائعة