عقوبة الذنوب والمعاصي الجمعة 14/4/1440هـ
الحمد لله رب العالمين، مَنَّ على من
شاء من عباده بهدايتهم للايمان, وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأشهد ألا
إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالكمال والجلال والعظمة والسلطان، وأشهد ان
محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى كافة الإنس والجان، فبلغ رسالة ربه وبيَّن غاية
البيان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا
العدل والأمن والإيمان. وسلم تسليما كثيراً.
أَمَّا بَعْدُ:
فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن ولا تعصوه، واعلموا أن
الذنوب والمعاصي تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ما في الدنيا والآخرة شر وداء، إلا
وسببه الذنوب والمعاصي, فبسببها أُخرج آدم عليه السلام من الجنة، وأُخرج إبليس من ملكوت السموات، وأُغرق
قوم نوح، وسُلطت الريح العقيم على قوم عاد، وأُرسلت الصيحة على قوم ثمود، ورُفعت
قرى قوم لوط حتى سَمعت الملائكُة نباحَ كلابهم، ثم قلبها الله عليهم، فجعل عاليها
سافلها.
فسبب المصائب والفتن كلِّها الذنوب,
فالذنوب والمعاصي ما حَلَّت في ديار إلا أهلكتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في
أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها.
إن للمعاصي آثارًا وشؤمًا، فهي تزيل
النعم، وتُحل النقم.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما
نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
لا يغير الله نعمه على الناس إلا إذا غيروا هم: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ}.
إذا كنت في نعمة فارعها ***
فإن الذنـــوب تزيل النـــعم
من كُفرانِ النعمة معصيةُ الله .. والتاريخ لا
يكذب:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
ومن شؤم المعصية أنها تَمنع القطر، وتُسَلِطُ
السلطان، ففي سنن ابن ماجه وصححه الألباني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ ؛ حتى يُعْلِنُوا
بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم
الذين مَضَوْا، ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ
وشِدَّةِ المُؤْنَةِ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم، ولم يَمْنَعُوا زكاةَ أموالِهم إلا
مُنِعُوا القَطْرَ من السماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا، ولم يَنْقُضُوا عهدَ
اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ اللهُ عليهم عَدُوَّهم من غيرِهم، فأَخَذوا بعضَ
ما كان في أَيْدِيهِم))
قال عكرمة في قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ
اللاعِنُونَ}. قال: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنعنا القطر
بذنوب بني آدم.
وشؤم المعصية يبلغ البر والبحر، كما قال
تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي
النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
ومن شؤم المعصية أنها تورث الذل، وتفسد
العقل، وتورث الهم، وتُضعف الجوارح، وتُعمي البصيرة، وأعظم من ذلك كله تأثيرها على
القلب.
روى الترمذي وقال حسن صحيح عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن العبدَ إذا أخطأ خطيئةُ
نُكِتتْ في قلبهِ نُكتةً سوداءَ فإذا هو نزعَ واستغفرَ وتابَ سُقلَ قلبهُ وإن عادَ
زيدَ فيها حتى تعلو قلبهُ وهو الرانُ الذي ذكرَ اللهُ {كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}))
وقال حذيفة رضي الله عنه: القلب هكذا
مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع
الخير، فلا يجد له مساغاً.
قال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير
لنفسك عصيانها
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
إن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر، ووَهناً في البدن، ونَقصاً في الرزق،
وبُغضة في قلوب الخلق.
وقال سليمان التميمي: إن الرجل ليذنب
الذنب فيصبح وعليه مذلته.
ومن خطورة المعاصي أنها تضعف الحفظ،
وربما أذهبته، وتحرم صاحبها العلم، كما قال الشافعي – رحمه الله -:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يعطاه عاصي
قالت عائشة رضي الله عنها: أَقِلُّوا
الذنوب، فإنكم لن تَلْقَوُا الله عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب.
خل الذنوب صغـيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
قال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر
الخطيئة، ولكن انظر إلى عِظم من عصيت.
ومن خطورة السيئة وشؤمها فعل السيئة
بعدها: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}.
قال أبو الحسن المزين: الذنب عقوبة
الذنب.
وكما قال القائل:
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم,
ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ
الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّهُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ
الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ
: {ياأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ
وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن
الذنب دَينٌ في ذمة فاعله لا بد من أدائه.
قال
أبو الدرداء رضي الله عنه: البر لا يبلى والإثم لا ينسى.
قال
الفضيل بن عياض: ما عملت ذنباً إلا وجدته في خلق زوجتي ودابتي.
ونظر
أحد العباد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأُتي في منامه وقيل له: لتجدن غِبَّها بعد
أربعين سنة.
ركب
محمد بن سيرين دَينٌ فاغتم لذلك, فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين
سنة.
ومن
أضرار الذنوب والمعاصي أنها تُثقل صاحبها عن العبادة.
قال
رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأُعد طهوري،
فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.
وقال
الحسن أيضاً: إن الرجل ليذنب الذنب فيُحرم به قيام الليل.
وقال
الثوري: حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.
وقال
بعض السلف: كم من أكلة ــ يعني من حرام ــ مَنعت قيام ليلة، وكم من نظرة ـــ يعني
حرام ـــ مَنَعت قراءة سورة.
أيها الإخوة.. إن المؤمن العاقل يجتهد في البعد عن
الذنوب، وَيَهجُرُ أهل الذنوب والمعاصي، فإن شؤم معصيتهم يبلغه.
ففي
الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يغزو
جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول
الله! يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم
ثم يبعثون على نياتهم))
ولما
تزلزلت المدينة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لئن عادت مرة أخرى
لا أساكنكم فيها.
أيها المسلمون.. وكما أن الذنوب والمعاصي تمحق بركة
العمر، وبركة الرزق والعلم، كذلك الاستقامة والتقوى تجلب البركة على العباد
والبلاد، قال الحسن البصري: "لو استقاموا على طاعة الله، وما أُمروا به لأكثر
الله لهم الأموال حتى يغتنوا بها. ثم يقول الحسن: والله إن كان أصحاب محمد صلى
الله عليه وسلم لكذلك، كانوا سامعين لله مطيعين له، فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر.
وقال
نوح عليه السلام لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}.
قال
ابن عباس رضي الله عنهما: إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في
الرزق، ومحبة في قلوب الخلق.
أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق