الامتحانات الجمعة 7/4/1440هـ
الحمد لله الذي اهتدى بهديه ورحمته
المهتدون، وضلّ بعدله وحكمته الضالون {لا
يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ
جهاده، وتركنا على المحجّة البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. صلى
الله عليه، وعلى آله وصحبه وأتباعه، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أَمَّا بَعْدُ:
{ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. في هذه الأيام تشتعل العزائم, وتتوقد
الهمم, وتتضافر الجهود؛ استعدادًا للامتحانات. تتهيأ المدارس والمؤسسات العلمية
بجميع مرافقها وأعضائها، ويهتم الآباء بتوجيه أبنائهم وتشجيعهم، وينشط الطلاب
للمذاكرة وجدًا واجتهادًا.
العقول الخاوية تصبح بالامتحانات واعية،
والنفوس الباردة تصير بالامتحانات جادة، والهمم الفاترة تتحول لتكون عالية صامدة.
لماذا كل هذا الاهتمام بالامتحانات؟!
لقد آمن الجميع أنه اجتياز طريقٍ للمستقبل، أو ضمان لوظيفة، أو نافذة للرزق، أو
كسبِ السمعة وحسنِ الصيت، لذلك فإن تحطيم أستار الكسل والضعف والبرود في
الامتحانات لم يعد غريبًا في حياة الناس.
أيها الإخوة الكرام.. إن من المهم جدًا
أن نعتدل في نظرتنا للامتحانات، ونوصي الأبناء والتلاميذ بالجد والاجتهاد فيها،
دون إغفال جوانب الإصلاح والتربية، التي هي مقصود المدارس والمؤسسات التعليمية.
لا ينبغي أن ترتفع المعدلات والدرجات مع
انخفاض التديّن والأخلاق في حياة هؤلاء الناجحين. ولربَّ حائزٍ على تقدير عالٍ
ويوضع في لوحة الشرف وهو لا يمتّ للخير والخلق بصلة.
في الامتحانات يدخل طلابٌ المساجد، لم
يكونوا يعرفونها من قبل، مظهرين النسك والخير والضراعة لله، ابتغاء النجاح
والتفوق، وهذه فرصة مهمة للمعلمين والمربين وأئمة المساجد، أن يزيدوا في إيمان
هؤلاء ويحرصوا على تعليقهم بالله، وربط مستقبلهم بتوفيق الله ورعايته وتأييده،
وأنهم فقراء إليه، محتاجين لفضله وإنعامه.
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأوّل ما يقضي عليه اجتهادهُ
وفي ظلّ انفِتاح هذا العصر تتناءى طوائف
من الطلاب عن المساجد، ولا تبالي بأهمية التوكّل على الله وسؤاله التوفيق والنجاح.
وهؤلاء هم في أمسّ الحاجة إلى النصح
والتذكير، وحين يُذَكَّرُ قبيلَ الامتحان بأهميته وضرورة التهيؤ له, فينبغي التنبيه
أيضًا إلى أهمية الصلاة واللجوء إلى الله،
فمنه يُستمد النجاح والتفوق والتميز، فهو أهل الفضل والمن تبارك وتعالى: {وَمَا
بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ
تَجْأَرُونَ}
إن المتأمّل لمسألة الامتحانات يدرك لها
فوائدَ كثيرة غير النجاح والشهادة، فمن فوائدها: إقبالُ التلاميذ على المساجد،
ودعاؤهم الله كثيرًا بالنجاح والتوفيق، وفي ذلك تربية إيمانية لا تخفى، جدير بنا
أن نستثمرها وننميها.
ومن فوائدها: استيقاظ الهمم والعقول،
وتحولها إلى منابع تفيض بالجد والاهتمام والاستبصار.
ومنها: تفجر الطاقات عن مظاهر من العمل
والنبوغ والصمود؛ من أجل نيل رمز النجاح ووسام التفوق.
ومن فوائدها: العزوف عن اللعب واللهو،
فتقلّ العناية بالترفيه عند كثيرين أيام الامتحان.
ومن فوائدها أيضًا: استطعامُ الحياة
الجادة، وتركُ حياة الكسل والنوم والبطالة، وفي ذلك تربية للإنسان على الدأبَ
والصبر ومقاومة شدائد الحياة.
ومنها: إيقان الجميع بأن لكلِ نصَب وجهدٍ
ثمرةً ولذةً، وأن الأمنيات لا تنال بالأحلام والتخيلات، وإنما بالهمم العالية
والنفوس الدائبة.
وما نيلُ المطالـب بالتمني ***
ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا
فمن استطاب الراحة واستلذَّ بالنوم
وارتاح للفراغ فهذا لا يصعد عَلَما ولا يحقّق أَمَلا.
ومن فوائد الامتحانات: أن أهلها
يُعَظِّمون الوقت فيها، ويَحرصون على حفظه وعدم إضاعته، فيُسابقونه ويتقلّلون من
الزيارة والخروج من أجله، فليت هؤلاء الشباب يحفظون الأوقات دائما كحفظهم لها في
الامتحانات.
إن أمر الامتحانات ينبغي أن يذكرنا حال
الدنيا والدارَ الآخرة, فهناك الفوز والفشل, والنجاح والخسارة، وقد كان من دعاء
النبي المأثور: ((اللهم لا تجعل الدنيا
أكبر همنا, ولا مبلغ علمنا)). وكم من ناجح متفوّق في الدنيا .. راسب خاسر في
الآخرة، فالنجاح الحقيقي هو النجاح في امتحان يوم القيامة، حينما تسودّ وجوه وتبيض
وجوه، وتعلو أنفس وتَسقط أنفس، فهنالك الحياة الحقيقية والفرح الدائم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الفائزين
بجنات عدن، الناجين من النار، إنه على كل شيء قدير.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم,
ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ
الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّهُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ
الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ
: {ياأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ
وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
الوقت
هو عمر الإنسان، وفيه شقاوته وسعادته، وسوف يسأل عنه يوم القيامة، وقد ذمّ الله
تعالى أقواما بتضييعهم الوقت وعدم الانتفاع به، فقال تعالى: {أَوَ لَمْ
نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ
فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
وروى
الترمذي وغيره عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ،
وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ
أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ).
أيها
الإخوة.. يجب علينا تعميق النفوس بالإيمان، وزرع الثقة في الطمأنينة فيها،
والاستعداد للامتحان دون مبالغة وتهويل وتخويف، وتربية الأبناء على التوكل على
الله, وسؤالِه الفتحَ والتوفيقَ والنجاح، فإنه المنعم المتفضل سبحانه وتعالى، بيده
مفاتيح الفرج ومنابع اليسر والرزق والتوفيق.
فما يُذكَر الله تعالى في عسر إلا يسَّره، ولا
كربة إلا فرَّجها، ولا مخافة إلا أمَّنها، ولا صعب إلا هَوَّنَه تبارك وتعالى، {مَا
يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ
فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
وكان
كثير من الصالحين إذا تعسّرت عليه الأمور أو أشكلت عليه المسائل يكثر الدعاء
والذكر والاستغفار إلى من هو على كل شيء قدير، الذي لا تعجزه الحاجات، ولا تشق
عليه المهمات، فما هو إلا وقت يسير فينحل الإشكال وتزول الملمة وينقشع الهم. وبقدر
صدق العبد وإخلاصه وكثرة توجهه تنزل عليه البركات وتغشاه الرحمات، ويلازمه التوفيق
والنجاح في كل شؤونه وأموره.
قال
ابن تيمية رحمه الله: "إن المسألة لتغلق عليّ، فاستغفر الله ألف مرة أو أكثر
أو أقل، فيفتحها الله علي, وإن من أسباب راحة البال، استغفار ذي الجلال".
وقال
ابن القيِّم رحمه الله: "وشَهِدتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّة رحمه الله إذا
أعيَته المسائل واستعصَتْ عليه، فَرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستعانة
بالله واللجوء إليه، واستِنزال الصوابِ من عنده، والاستفتاح من خَزائن رحمته،
فقلَّما يلبَثُ المددُ الإلهي أنْ يَتتابَع عليه مَدًّا، وتَزدلِف الفتوحات
الإلهيَّة إليه، بأيَّتهنَّ يبدأ".
إخواني
الكرام، لا تزال كلمة العقلاء من العلماء والمفكرين والباحثين تتفق أن النجاح في
الحياة وتحقيق الأماني مرهون بالهمة العالية والكفاح الدائب، ومن شروطه ترك الكسل
ومجانبة البطالين وهجر الراحة والرفاهية، قال الإمام يحيى بن أبي كثير رحمه الله:
"لا يُستطاع العلم براحة الجسد".
خرج
أحد العلماء وهو القفَّال الشافعي رحمه الله يطلب العلم وعمره أربعون سنة، بينما
هو في الطريق جاءته نفسه فقالت له: كيف تطلب العلم وأنت في هذا السن؟! متى تحفظ؟!
ومتى تُعلّم الناس؟! فرجع، فمرّ بصاحب ساقية يسقي على البقر، وكان الرِّشاء ـ أي:
الحبل ـ يقطع الصخر من كثرة ما مرّ، فقال: أطلبه وأتضجّر من طلبه!
اطلبْ ولا تضجر من مطلبٍ
*** فـآفة الطالـب أن يضجرا
أما ترى الحبل بطول الْمدى ***
على صليب الصخر قد أثَّرا
وكان
هذا الموقف عظةً له، فواصل من خلاله طلبَ العلم، وجدَّ واجتهد، حتى بلغ المنزل،
وصار من أئمة الشافعية ومن العلماء الكبار رحمه الله.
فاللهم
إنا نسألك علمًا نافعًا, ورزقًا طيباً, وعملاً صالحًا متبقلاً يا رب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق