فضل رعاية البنات الجمعة 29/3/1440هـ
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ السماواتِ
والأرضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُّورَ, وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ
له، شهادةً تُنجي قائِلَهَا يومَ البعثِ والنشورِ، وأشهدُ أنَّ نَبيَّنا محمدًا
عبدُهُ ورسولُه، المنعوتُ في القرآنِ والتوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ, صلى اللهُ
عليهِ وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ صلاةً تُضَاعَفُ لِصَاحِبِهَا الأُجور, وَسَلَّم
تَسليمًا كثيرًا إلى يومِ النشور.
أَمَّا بَعْدُ:
{ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى سيكون
حول عمل صالح، يفوزُ من يؤديه على وجهه وبشروطه بثلاثة أمور: أولها: يُحْجب عن
النارِ، فلا يدخُلَها.
ثانيها: يحشر يوم الفزع الأكبر مع
المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: تجب له الجنة، بل ويكون فيها مع
النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الجزاء العظيم أيها المؤمنون مقيد
بشروط، لابد للحصول عليه أن تؤدى شروطه وتكمل جوانبه, فما هو هذا العمل، وما هي
شروطه؟
هذا العمل أيها المؤمنون: هو رعاية
البنات، والقيام عليهن وعلى مصالحهن، وهذا شأن ديننا مع المرأة يكرمها ويصونها
ويحفظها ويرغب الرجال في الجنة وعظيم الثواب، إن هم قاموا على رعايتها وحفظها.
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما
رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني: (مَن كانَ لَهُ ثلاثُ بَناتٍ فصبَرَ عليهنَّ،
وأطعمَهُنَّ، وسقاهنَّ، وَكَساهنَّ من جِدتِهِ كنَّ لَهُ حجابًا منَ النَّارِ يومَ
القيامةِ)
فهذا هو الجزاء الأول، الذي تناله يا
عبد الله: سِتر وحجاب من النار، {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}, جعلني
الله وإياكم من الفائزين.
وأما الجزاء الثاني فهو الحشر مع النبي صلى
الله عليه وسلم, فعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه)) [رواه
مسلم].
وأما الجزاء الثالث: فقد روى ابن حبان
وغيره وصححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن كان له ثلاثُ
بناتٍ, أو ثلاثُ أخَواتٍ, أو ابنتانِ, أو أُختانِ, فأحسَن صُحبتَهنَّ واتَّقى
اللهَ فيهنَّ دخَل الجنَّةَ).
فما أعظم هذا الأجر، وما أجلّ هذه
المنزلة؟
ولكنها قيدت بقيودٍ ثقال ومهمّات شاتة،
تحتاج إلى جهاد وصبر حتى يحققها العبد، فيفوز بهذا الجزاء والأجر.
فما هي هذه الشروط والقيود التي قُيّد
بها هذا الأجر العظيم؟!
الشروط اجتمعت في قوله : ((فأحسن
إليهن)).
فالإحسان إلى البنات إحساناً يوافق
الشرع، هو الشرط الجامع والقيد الأكبر.
أخرج البخاري في الأدب المفرد وصححه
الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له ثلاثُ بناتٍ يؤويهِنَّ
ويَكفيهِنَّ ويَرحَمهُنَّ فقد وجبَتْ له الجنةُ البتةَ. فقال رجلٌ من بعضِ القومِ:
وثِنتَينِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: وثِنتَينِ)
فقال : ((يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن)).
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الألفاظ
يجمعها لفظ الإحسان.
فما معنى الإيواء؟ّ! وما المراد
بكفايتهن ؟! وكيف نرحمهن؟!
أما الإيواء، فيكون على ثلاثة أشكال:
أولها: إيواؤها إلى أم صالحة، تكون قدوة
لها. أما سمعت نصيحة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)).
ثانيها: إيواؤها في خدرها، في بيتها,
تعليمها أن تَقَرَّ في بيتها ولا تخرج منه إلا لضرورة أو حاجة أو قربة أو طاعة
((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)).
وهذا معنى قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن}
فأمر النساء بالقرار في البيت، فهو أستر لهن وأحفظ لحياتهن.
ثالثها: الإيواء إلى بيت عامر بالذكر
والطاعة والعمل الصالح.
((من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن
فقد وجبت له الجنة البتة)).
كان هذا هو الإيواء؟ فما المراد بقوله :
((يكفيهن؟!)).
المراد، قد فسره صلى الله عليه وسلم في
رواية مسلم بقوله: ((من عال جاريتين حتى تبلغا)) قال النووي رحمه الله: عالهما قام
عليهما بالمؤونة والتربية.
ويفسره أيضاً قوله : ((وكساهن من جِدَته)).
نعم عباد الله، كفاية المرأة حاجاتها
الضرورية من طعام ولباس ومؤنة من الواجبات ومن أعظم القربات التي يشتغل بها
الرجال.
مع ملاحظة أن الإنفاق على البنات
والأخوات ينبغي أن يكون بالقدر المعتدل, فلا إفراط ولا تفريط, ولا إسراف ولا
تقتير.
فالتقتير والبخل مذمة في الدين والدنيا,
و الإغداق مهلك للفتاة, موجب لقصر حياتها الزوجية، فما أن تنتقل هذه الفتاة إلى
دار زوجها، وتفقد هذا الدلال إلا وتنشز على بعلها وتفتقد ما نشأت عليه.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم,
ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ
الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ
وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّهُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ
الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ
: {ياأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ
وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
أما
القيد والشرط الثالث: الذي يندرج تحت معنى الإحسان إلى البنات، قوله صلى الله عليه
وسلم: (ويرحمهن) فما هي حقيقة الرحمة؟! وما المراد بها!!
المعنى
الذي يتبادر إلى الذهن أول وهلة، هو المعنى الظاهر والعام للرحمة (يرحمهن): أي
يعطف عليهن ويشفق عليهن ولا يضربهن إلى غير ذلك من معاني الرحمة. ولا شك أنّ هذا
حق. ولكن من أعظم معاني الرحمة بالبنات: رحمتهن بالسعي والعمل الجاد على تجنيبهن
النار وبئس القرار. وذلك بتربيتهن على شعائر الإسلام وإقام الصلاة والحجاب والستر
والعفاف. {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.
فالرجل
الذي يعطف على بناته ويدللهن ويحسن إليهن مادياً ومعنوياً ثم هو لا يأمرهن بصلاة
أو صيام ولا ستر أو حجاب، فهذا يهلك نفسه ويهلك أهله. لأنه لم ينصح لهن ولم يأخذ
بأيديهن وحجزهن ويبعدنهن عند النّار.
أيها الإخوة.. إن ما تقدم صورة واحدة من صور شتى
كرّم بها الإسلام المرأة ورفع قدرها. وأي رفعة وتكريم أعظم وأرفع من ترغيب الرجال
بالجنة والحشر مع المصطفى صلى الله عليه وسلم, ونجاتهم من النار إن هم أحسنوا إلى
البنات، وقاموا عليهن بالرعاية الكاملة.
فاتقوا
الله معاشر المؤمنين وأحسنوا إلى بناتكم وأخواتكم.
واعلموا
أنّ الأجر العظيم الذي استمعتم إليه مقيد بهذه القيود الثقال وهي يسيرة لمن يسرها
الله عليها مقدورة على من اجتهد وحرص.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق