رأس السنة الميلادية والكريسماس الجمعة 1/5/1441هـ
رأس السنة الميلادية والكريسماس الجمعة 1/5/1441هـ
إن الحمد لله نحمده، و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأ شهد أن محمداً عبدُه ورسولُه.
{يَاأَيها الذين آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَيَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً}.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ .. شخص من الأشخاص, يؤمن بالتعايش بين الناس, على اختلاف هوياتهم ومللهم, يتفهم وجهات النظر المختلفة ولو كانت مسيئة ويتقبلها, فهو تقدمي متحضر.
أتى أحد الأشخاص إلى والده فسبَّه وشتمه, فتقبل صاحبنا هذه الشتيمة بصدر رحب, وتفهم أن هذه وجهة نظر للشاتم ينبغي أن تحترم.
تمادى ذلك الشخص السابُّ واعتدى على والده بالضرب.. لم يدافع عن أبيه.. فالأمر في النهاية وجهة نظر للضارب وله حق التعبير عن نفسه بأي وسيلة كانت.. وربما كان على حق في ضرب والده!
تمادى الضارب أكثر واعتدى على والد صاحبنا حتى قتله! لم يغضب ابن القتيل فهذا حق من حقوق التعبير.. وهي في كل الأحوال قناعة لدى القاتل.. ولها حق الاحترام.
عقد القاتل مناسبة يحتفل فيها بجريمته.. وأولم الولائم ودعى الناس متفاخرًا بفعلته.. أتى إليه ابن القتيل في احتفاله.. وهنَّأه.. وأخبره أنه يخالفه فيما انتهى إليه من قتل والده.. لكنه يتفهم وجهة نظره وقناعته.. فهو تقدمي ومتفتح على آراء الآخرين.. ويكره التشدد في الآراء.. وبارك له بعد أن تناول من طعام الاحتفال ثم انصرف إلى بيته مبتسمًا سعيدًا.. يحلم بمجتمع يسوده الحب والسلام والتعايش بين الناس..
أيها الإخوة.. كيف ترون تصرفات هذا الشخص؟ هل هي في العقل والمنطق مقبولة؟
إذا كانت هذه التصرفات لا يقبلها العقل ولا المنطق فضلاً عن المروءة والوفاء.. فهي إساءة كبيرة لحق الأب العظيم.. وسذاجة في التعامل مع الإساءة مع من يتمادى عليه.. فكيف ترون بربكم من يفعل مثل هذه التصرفات لمن يسيء إلى رب العالمين.
يحتفل النصارى في الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام بعيد يزعمون أنه عيد ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.. ويحتفلون بعده بستة أيام في الأول من يناير بعيد رأس السنة الميلادية, وهو ما يوافق في عقيدتهم عيد ختان عيسى عليه السلام.
في هذا العيد يحتفل النصارى بميلاد الإله.. تعالى الله عن ذلك.. فهم يرون أن عيسى عليه السلام إله وابن الإله.. {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
نسبة الولد لله تبارك وتعالى منكر عظيم.. وتكذيب له سبحانه وتعالى في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
الله تبارك وتعالى يقول عن نفسه أنه لم يتخذ ولدًا.. وهؤلاء ينسبون له الولد ويتفاخرون بذلك.. بل ويجعلونه شريكًا لله في ملكه.. وعندما يحتفل النصارى بمولد هذا الولد الإله.. يأتي للأسف من يشاركهم من المسلمين في هذا الاحتفال بزعم الانفتاح وتقبل الآخرين, {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.
من اعتقد الألوهية في عيسى عليه السلام فهو كافر بالله مهين له بنص القرآن الكريم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}.
عجبًا للمسيح بين النصارى وإلى الله والدًا نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا بعد قتله أنهم صلبوه
إن عيد الميلاد عند النصارى قد أحدثوه لما يزعمونه تجديدًا لذكرى مولد المسيح عليه السلام، مع أنه لم يثبت لدى مؤرخي النصارى أنفسهم تاريخ مولده عليه السلام، والخلاف بينهم في عامه كبير جدا!! فكيف بشهره ويومه؟! والصحيح أنه عليه السلام ولد في الصيف لا الشتاء.. فالله عز وجل أمر مريم عليها السلام أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب.. وهذا لا يكون إلا في فصل الصيف.
وعيد الميلاد أو (الكريسماس) من أقدم أعيادهم؛ إذ أحدثوه في أواسط المائة الرابعة من التاريخ النصراني الميلادي.
والذي عليه المحققون من مؤرخي النصارى أن عيد الميلاد عيد وثني لا نصراني, أحدثه عباد الشمس لما يزعمونه مولدًا للشمس التي لا تقهر، فلما تنصر الرومان في القرن الرابع الميلادي، نقله رهبان النصارى من كونه عيدًا لمولد الشمس إلى عيدٍ لميلاد المسيح عليه السلام؛ مسايرة للرومان الوثنيين الذين اعتنقوا النصرانية المحرفة، وموافقة لهم في عيدهم؛ ولذا جعلوه في موعده.
وشجرة الميلاد التي هي من رموز عيدهم هذا مأخوذة من الوثنيين؛ إذ يعتقد الفراعنة والصينيون أن الشجرة رمز للحياة السرمدية، وأخذها عنهم الرومان الوثنيون، فلما اعتنقوا النصرانية اخترع الرهبان لها أصلاً في دينهم على عادتهم في التحريف والتبديل، وتطويع الدين والشريعة لأهواء الناس ومتطلباتهم.
من احتفل أو فرح أو هنأ بعيد للنصارى يهان فيه الله جل جلاله, فهو على خطر عظيم, روى ابن عمر رضي الله عنهما كما عند أبي داوود وغيره وصححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)، وفي الحديث المتفق على صحته عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ).
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. ومن الاحتفالات والأعياد النصرانية التي تأثر بها فئام من أبناء المسلمين الاحتفال برأس السنة الميلادية.
ورأس السنة الميلادية لم يثبت لدى النصارى أنفسهم أنه بهذا التاريخ.. بل هم مختلفون في تحديد تاريخه اختلافًا عظيمًا.
وعيد رأس السنة الميلادية يوافق عيدًا وثنيًا يسمى عيد (البسترينة) وهي آلهة اتخذها اليونان والرومان الوثنيون رمزًا للقوة، فلما اعتنق الرومان النصرانية أقرَّ الرهبان كثيرًا من شعائرهم وأعيادهم، وأحدثوا لها أصولاً دينية عندهم، فسموا هذا العيد الوثني (عيد الخِتانة) وزعموا أن المسيح عليه السلام خُتِنَ فيه.
وهذا الاحتفال فيه موالاة للنصارى, فهو احتفال ببدء سنتهم الدينية, وبما أن هذا الاحتفال من خصائص النصارى، فمشاركة المسلم لهم فيه نوع من الولاء لهم، والجهرِ بمحبة دينهم، والرضى بمعتقداتهم، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}, ويقول سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
ومن العجيب أن النصارى لا يبادلون هؤلاء المتعاطفين من المسلمين تعاطفًا مماثلاً، فما سمعنا أحدهم يحتفل بعيد الفطر أو عيد الأضحى، بل يعتبرون استسلام بعضنا لعاداتهم ومعتقداتهم عزة لهم لكونهم الأمة الغالبة، فالضعيف دائمًا يُعجب بالقوي ويتبعه, كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) متفق عليه.
لقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحرصُ كلَّ الحرصِ على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كلِ شيء، حتى قال عنه اليهودُ أنفسهم كما يروي أنس رضي الله عنه عند مسلم: "ما يريدُ هذا الرجلُ أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه".
جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، قال رحمه الله: "الزور هي أعياد المشركين"، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعيادَ المشركين، وجاءَ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (اجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم)؛ أخرجه البيهقي بسند صحيح.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك؟!".
إن مشاركة النصارى في أعيادهم لا تقتصرُ على الحضور فقط، بل هناك صورٌ أخرى للمشاركة يغفل عنها كثيرٌ من الناس، ومنها: تهنئة الكفار بأعيادهم، وهذا منكرٌ عظيم وجرمٌ كبير؛ لأنه نوعُ رضا بما هم عليه من الباطل وإدخالٌ للسرور عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله: "وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم، فحرامٌ بالاتفاق، مثلَ أن يهنئهم بأعيادِهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مبارك عليكَ، أو: تهنأُ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب"؛ ا.هـ.
ومن صور المشاركة أيضًا للمشركين في أعيادِهم ما نشاهدهُ في بعض الأسواق من بيع ما يستعينون به على إقامةِ شعائِر دينهم وأعيادهِم من شموع وورودٍ ونحوها، أو كتابةِ عبارات التهنئةِ على الحلوياتِ والورود وغيرهِا، أو تأجيرِ الفنادق أو القاعات؛ ليقيموا فيها حفلاتِهم وأعيادِهم، فإن هذا كلَّه من التعاون على الإثمِ والعدوانِ، والمالُ الذي يُجنى من وراءِ ذلكَ سحتٌ عياذاً بالله، وأيّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنار أَولَى به، قال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يجوزُ بيعُ كلِ ما يستعينون به على إقامةِ شعائِرهم الدينية".
أيها الإخوة.. اعتصموا بحبل الله جميعًا.. وتمسكوا بدينكم.. عضوا عليه بالنواجذ.. واعتزوا بهويتكم الإسلامية.. وإياكم ومحدثات الأمور.. فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "اسلك طريق الحق ، ولا يغرك قلة السالكين, وإياك وطرق الباطل، ولا يغرك كثرة الهالكين".
اللهم اعصمنا من الفتن, ما ظهر منها وما بطن, وثبتنا على دينك حتى نلقاك يا رب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.
إن الحمد لله نحمده، و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأ شهد أن محمداً عبدُه ورسولُه.
{يَاأَيها الذين آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قَولاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَيَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً}.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ .. شخص من الأشخاص, يؤمن بالتعايش بين الناس, على اختلاف هوياتهم ومللهم, يتفهم وجهات النظر المختلفة ولو كانت مسيئة ويتقبلها, فهو تقدمي متحضر.
أتى أحد الأشخاص إلى والده فسبَّه وشتمه, فتقبل صاحبنا هذه الشتيمة بصدر رحب, وتفهم أن هذه وجهة نظر للشاتم ينبغي أن تحترم.
تمادى ذلك الشخص السابُّ واعتدى على والده بالضرب.. لم يدافع عن أبيه.. فالأمر في النهاية وجهة نظر للضارب وله حق التعبير عن نفسه بأي وسيلة كانت.. وربما كان على حق في ضرب والده!
تمادى الضارب أكثر واعتدى على والد صاحبنا حتى قتله! لم يغضب ابن القتيل فهذا حق من حقوق التعبير.. وهي في كل الأحوال قناعة لدى القاتل.. ولها حق الاحترام.
عقد القاتل مناسبة يحتفل فيها بجريمته.. وأولم الولائم ودعى الناس متفاخرًا بفعلته.. أتى إليه ابن القتيل في احتفاله.. وهنَّأه.. وأخبره أنه يخالفه فيما انتهى إليه من قتل والده.. لكنه يتفهم وجهة نظره وقناعته.. فهو تقدمي ومتفتح على آراء الآخرين.. ويكره التشدد في الآراء.. وبارك له بعد أن تناول من طعام الاحتفال ثم انصرف إلى بيته مبتسمًا سعيدًا.. يحلم بمجتمع يسوده الحب والسلام والتعايش بين الناس..
أيها الإخوة.. كيف ترون تصرفات هذا الشخص؟ هل هي في العقل والمنطق مقبولة؟
إذا كانت هذه التصرفات لا يقبلها العقل ولا المنطق فضلاً عن المروءة والوفاء.. فهي إساءة كبيرة لحق الأب العظيم.. وسذاجة في التعامل مع الإساءة مع من يتمادى عليه.. فكيف ترون بربكم من يفعل مثل هذه التصرفات لمن يسيء إلى رب العالمين.
يحتفل النصارى في الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام بعيد يزعمون أنه عيد ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.. ويحتفلون بعده بستة أيام في الأول من يناير بعيد رأس السنة الميلادية, وهو ما يوافق في عقيدتهم عيد ختان عيسى عليه السلام.
في هذا العيد يحتفل النصارى بميلاد الإله.. تعالى الله عن ذلك.. فهم يرون أن عيسى عليه السلام إله وابن الإله.. {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
نسبة الولد لله تبارك وتعالى منكر عظيم.. وتكذيب له سبحانه وتعالى في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
الله تبارك وتعالى يقول عن نفسه أنه لم يتخذ ولدًا.. وهؤلاء ينسبون له الولد ويتفاخرون بذلك.. بل ويجعلونه شريكًا لله في ملكه.. وعندما يحتفل النصارى بمولد هذا الولد الإله.. يأتي للأسف من يشاركهم من المسلمين في هذا الاحتفال بزعم الانفتاح وتقبل الآخرين, {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.
من اعتقد الألوهية في عيسى عليه السلام فهو كافر بالله مهين له بنص القرآن الكريم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}.
عجبًا للمسيح بين النصارى وإلى الله والدًا نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا بعد قتله أنهم صلبوه
إن عيد الميلاد عند النصارى قد أحدثوه لما يزعمونه تجديدًا لذكرى مولد المسيح عليه السلام، مع أنه لم يثبت لدى مؤرخي النصارى أنفسهم تاريخ مولده عليه السلام، والخلاف بينهم في عامه كبير جدا!! فكيف بشهره ويومه؟! والصحيح أنه عليه السلام ولد في الصيف لا الشتاء.. فالله عز وجل أمر مريم عليها السلام أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب.. وهذا لا يكون إلا في فصل الصيف.
وعيد الميلاد أو (الكريسماس) من أقدم أعيادهم؛ إذ أحدثوه في أواسط المائة الرابعة من التاريخ النصراني الميلادي.
والذي عليه المحققون من مؤرخي النصارى أن عيد الميلاد عيد وثني لا نصراني, أحدثه عباد الشمس لما يزعمونه مولدًا للشمس التي لا تقهر، فلما تنصر الرومان في القرن الرابع الميلادي، نقله رهبان النصارى من كونه عيدًا لمولد الشمس إلى عيدٍ لميلاد المسيح عليه السلام؛ مسايرة للرومان الوثنيين الذين اعتنقوا النصرانية المحرفة، وموافقة لهم في عيدهم؛ ولذا جعلوه في موعده.
وشجرة الميلاد التي هي من رموز عيدهم هذا مأخوذة من الوثنيين؛ إذ يعتقد الفراعنة والصينيون أن الشجرة رمز للحياة السرمدية، وأخذها عنهم الرومان الوثنيون، فلما اعتنقوا النصرانية اخترع الرهبان لها أصلاً في دينهم على عادتهم في التحريف والتبديل، وتطويع الدين والشريعة لأهواء الناس ومتطلباتهم.
من احتفل أو فرح أو هنأ بعيد للنصارى يهان فيه الله جل جلاله, فهو على خطر عظيم, روى ابن عمر رضي الله عنهما كما عند أبي داوود وغيره وصححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)، وفي الحديث المتفق على صحته عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ).
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. ومن الاحتفالات والأعياد النصرانية التي تأثر بها فئام من أبناء المسلمين الاحتفال برأس السنة الميلادية.
ورأس السنة الميلادية لم يثبت لدى النصارى أنفسهم أنه بهذا التاريخ.. بل هم مختلفون في تحديد تاريخه اختلافًا عظيمًا.
وعيد رأس السنة الميلادية يوافق عيدًا وثنيًا يسمى عيد (البسترينة) وهي آلهة اتخذها اليونان والرومان الوثنيون رمزًا للقوة، فلما اعتنق الرومان النصرانية أقرَّ الرهبان كثيرًا من شعائرهم وأعيادهم، وأحدثوا لها أصولاً دينية عندهم، فسموا هذا العيد الوثني (عيد الخِتانة) وزعموا أن المسيح عليه السلام خُتِنَ فيه.
وهذا الاحتفال فيه موالاة للنصارى, فهو احتفال ببدء سنتهم الدينية, وبما أن هذا الاحتفال من خصائص النصارى، فمشاركة المسلم لهم فيه نوع من الولاء لهم، والجهرِ بمحبة دينهم، والرضى بمعتقداتهم، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}, ويقول سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
ومن العجيب أن النصارى لا يبادلون هؤلاء المتعاطفين من المسلمين تعاطفًا مماثلاً، فما سمعنا أحدهم يحتفل بعيد الفطر أو عيد الأضحى، بل يعتبرون استسلام بعضنا لعاداتهم ومعتقداتهم عزة لهم لكونهم الأمة الغالبة، فالضعيف دائمًا يُعجب بالقوي ويتبعه, كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) متفق عليه.
لقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحرصُ كلَّ الحرصِ على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كلِ شيء، حتى قال عنه اليهودُ أنفسهم كما يروي أنس رضي الله عنه عند مسلم: "ما يريدُ هذا الرجلُ أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه".
جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، قال رحمه الله: "الزور هي أعياد المشركين"، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعيادَ المشركين، وجاءَ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (اجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم)؛ أخرجه البيهقي بسند صحيح.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك؟!".
إن مشاركة النصارى في أعيادهم لا تقتصرُ على الحضور فقط، بل هناك صورٌ أخرى للمشاركة يغفل عنها كثيرٌ من الناس، ومنها: تهنئة الكفار بأعيادهم، وهذا منكرٌ عظيم وجرمٌ كبير؛ لأنه نوعُ رضا بما هم عليه من الباطل وإدخالٌ للسرور عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله: "وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم، فحرامٌ بالاتفاق، مثلَ أن يهنئهم بأعيادِهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مبارك عليكَ، أو: تهنأُ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب"؛ ا.هـ.
ومن صور المشاركة أيضًا للمشركين في أعيادِهم ما نشاهدهُ في بعض الأسواق من بيع ما يستعينون به على إقامةِ شعائِر دينهم وأعيادهِم من شموع وورودٍ ونحوها، أو كتابةِ عبارات التهنئةِ على الحلوياتِ والورود وغيرهِا، أو تأجيرِ الفنادق أو القاعات؛ ليقيموا فيها حفلاتِهم وأعيادِهم، فإن هذا كلَّه من التعاون على الإثمِ والعدوانِ، والمالُ الذي يُجنى من وراءِ ذلكَ سحتٌ عياذاً بالله، وأيّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنار أَولَى به، قال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يجوزُ بيعُ كلِ ما يستعينون به على إقامةِ شعائِرهم الدينية".
أيها الإخوة.. اعتصموا بحبل الله جميعًا.. وتمسكوا بدينكم.. عضوا عليه بالنواجذ.. واعتزوا بهويتكم الإسلامية.. وإياكم ومحدثات الأمور.. فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "اسلك طريق الحق ، ولا يغرك قلة السالكين, وإياك وطرق الباطل، ولا يغرك كثرة الهالكين".
اللهم اعصمنا من الفتن, ما ظهر منها وما بطن, وثبتنا على دينك حتى نلقاك يا رب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.


تعليقات
إرسال تعليق