المطر الجمعة 16/4/1441هـ
المطر الجمعة 16/4/1441هـ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.. الحمد لله (الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد) .. خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى ، فجعله غثاء أحوى .. السماءَ بناها، والأرضَ دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبالَ أرساها.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. الكرمُ صفة من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجلّ هباته، فمن أعظم منه جودًا سبحانه، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حبيبُ قلوبنا، وقرةُ عيوننا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد..اتقوا الله حق تفاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. (استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) .
ها هي رحمة الله تنزل، فرَويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، برحمة الله وفضله.
وواللهِ، لولا اللهُ ما سُقينا ولا تنعّمنا بما أوتينا
لقد فرح بهذه النعمة الصغار والكبار، والصالحون والمقصرون.. ترى البهجة والسرور في وجوههم، استبشاراً برحمة ربهم.
وبمناسبة نزول الأمطار، هذه بعض الوقفات على وجه الاختصار.
الوقفة الأولى: إن في نزول الأمطار وتصريفِها بين البلاد، عبرةً لأولي الأبصار، وعظةً للعصاة والفجار، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا).
علينا أن نتذكر بنزول المطر أن الله تعالى هو وحدَه القادر على إنزال الغيث، وأن من الخطأ العظيم أن يُنسَب إنزالُ المطر إلى غيره من الكواكب والأنواء وارتفاع الضغط الجوي وانخفاضه أو غير ذلك من الأسباب، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)) رواه مسلم.
الوقفة الثانية: المطر نعمة من نعم الله، تستوجب شكر المنعِم سبحانه الذي أنزل هذا المطر علينا، فلولا فضله ورحمته ما سُقينا.. اشكروا الله بالثناءِ عليه بألسنتكم، والتحدثِ بنعمتِه، اشكروا الله بالقيام بطاعته والإنابة إليه.
أكثروا من شكره، فهو سبحانه يحبّ الشاكرين، ويزيد النعم عند شكرها، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ..وقال سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) .
فاللهم لك الحمد والشكر على نعمك وآلائك التي لا تعد ولا تحصى.
الوقفة الثالثة: (هل نزول المطر دليل على رضى الله عنا؟): إن إنزال المطر ليس بالتأكيد دليلاً على رضا الله عن خلقه، فها هي دول الكفر ينزل عليها المطر على مدار العام.
فلا يظن الواحدُ منا أن هذا المطرَ دليلُ رضا الله عن العباد، أو هو جزاءٌ مستحق لما قدمناه من أعمال.
قد ينزل المطر بسبب دعوة رجلٍ صالحٍ أو صبي، أو رحمةً بالبهائم .. وقد يكون استدراجًا من الله تعالى لخلقه.. وقد يكون تنبيهًا للمؤمنين المقصّرين لشكره وحمده والرجوع إليه.. نسأل الله أن يرزقنا شكر نعمته، والإنابة إليه.
ويشهد لهذه الحقيقة ويبرهن عليها ما جاء في سنن ابن ماجه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يَنقُص قومٌ المكيالَ والميزان، إلا أُخذوا بالسنين وشدةِ المؤنة وجورِ السلطان، ولم يَمنعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائمَ ما أُمطِروا)).
الوقفة الرابعة: من السنن النبوية ما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية والأذكار المتعلقة بالمطر. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري إذا رأى المطر قال: ((اللهم صيِّبا نافعًا))، وعندما يتوقف المطر يقول: ((مُطِرنا بفضل الله ورحمته))، وإذا نزل المطر وخشي منه الضرَر دعا وقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر))، وإذا هبت الريحُ نهانا عن سبّها لأنها مأمورة، وكان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به))، وجاء في الأثر بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته).
ومن سنن المطر: الدعاء، فنزول المطر من مواضع إجابة الدعاء، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء وتحت المطر)) رواه الحاكم وحسنه الألباني.
ومن السنن المأثورة عند نزول المطر، أن يكشف الإنسان شيئاً من ملابسه ليظهر الجلد حتى يصيبه المطر، تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح مسلم عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه)).
فليحرص المسلم على هذه الأذكار والسنن، وكم هو جميل أن يعلّمها أهله وأطفالَه، ويرغبَهم في حفظها والعملِ بها.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وجعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على النبي الأمين, أما بعد:
الوقفة الخامسة: من السنن النبوية المأثورة ما جاء في بعض الرخص المتعلقة بنزول المطر، ومن هذه الرخص الجمع بين الصلاتين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين الصلاتين في المسجد، رفعاً للمشقة عن أمته، لكن ينبغي التنبه إلى أنه لا يجمع بين صلاتي الجمعة والعصر لأنه لم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الرخص أيضاً، الصلاة في الراحلة أو في البيوت عند الحاجة فقد جاء عن عمرو بن أوس قال: أنبأنا رجل من ثقيف أنه سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ يعني في ليلة مطيرة ــ في السفر يقول: (حي على الصلاة, حي على الفلاح, صلوا في رحالكم).
ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها في مسألة الجمع بين الصلاتين في المطر ما يأتي:
أولاً: الرخصة وردت في الجمع فقط لا القصر.. وبالتالي فإنْ جمع المصلون فإنهم لا يقصرون, بل يُصلُّون الصلاة الرباعية تامة على صفتها.
ثانيًا: من دخل المسجد ولم يصل المغرب ووجد الإمام يصلي العشاء فإنه يدخل معه بنية المغرب, ثم يسلمُ بعد الثالثة, أو يجلس وينتظره حتى يسلم معه, فإن صلى العشاء جاهلاً صحت صلاته ويصلي المغرب بعدها دون أن يعيد العشاء.
ثالثاً: تشرع الأذكار التي بعد الصلاة وكذلك النافلة البعدية إذا فرغ المصلي من صلاة العشاء, ويسن له أن يأتي بالأذكار الخاصة بصلاة المغرب لأنها تزيد عن أذكار صلاة العشاء.
الوقفة السادسة والأخيرة: هذه الأمطار كشفت خيانة الأمانة عند كثير ممن وثق فيهم ولاة الأمر وسلموهم تنفيذ أو الإشراف على مشاريع تصريف مياه الأمطار, أو مشاريع الطرق, فغرقت كثير من الشوارع, وتضررت كثير من المركبات والممتلكات, وتعطلت مصالح كثير من المسلمين, وكل ذلك بسبب فئة غلَّبت مصلحتها الشخصية على المصلحة العامة.
ألا فليعلم هؤلاء أنهم قد اتصفوا بصفة من صفات المنافقين (وإذا ائتمن خان), وليعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبرأ من كل غاش (من غشنا فليس منا), وليسمعوا إلى قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
أيها المسلمون.. أكثروا من حمد الله والثناء عليه على ما أنعم به علينا من هذه الأمطار, فاللهم لك الحمد والمنة, ولك الشكر والثناء الحسن, اللهم أجعلها أمطار خير وبركة, وأنبت بها الزرع, وأدر بها الضرع, واجعلها بلاغًا للحواضر والبوادي يارب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.. الحمد لله (الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد) .. خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى ، فجعله غثاء أحوى .. السماءَ بناها، والأرضَ دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبالَ أرساها.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. الكرمُ صفة من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجلّ هباته، فمن أعظم منه جودًا سبحانه، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ).. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حبيبُ قلوبنا، وقرةُ عيوننا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد..اتقوا الله حق تفاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. (استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) .
ها هي رحمة الله تنزل، فرَويت الأرض، وجرت الوديان، وامتلأت الآبار، وسالت العيون، برحمة الله وفضله.
وواللهِ، لولا اللهُ ما سُقينا ولا تنعّمنا بما أوتينا
لقد فرح بهذه النعمة الصغار والكبار، والصالحون والمقصرون.. ترى البهجة والسرور في وجوههم، استبشاراً برحمة ربهم.
وبمناسبة نزول الأمطار، هذه بعض الوقفات على وجه الاختصار.
الوقفة الأولى: إن في نزول الأمطار وتصريفِها بين البلاد، عبرةً لأولي الأبصار، وعظةً للعصاة والفجار، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا).
علينا أن نتذكر بنزول المطر أن الله تعالى هو وحدَه القادر على إنزال الغيث، وأن من الخطأ العظيم أن يُنسَب إنزالُ المطر إلى غيره من الكواكب والأنواء وارتفاع الضغط الجوي وانخفاضه أو غير ذلك من الأسباب، فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)) رواه مسلم.
الوقفة الثانية: المطر نعمة من نعم الله، تستوجب شكر المنعِم سبحانه الذي أنزل هذا المطر علينا، فلولا فضله ورحمته ما سُقينا.. اشكروا الله بالثناءِ عليه بألسنتكم، والتحدثِ بنعمتِه، اشكروا الله بالقيام بطاعته والإنابة إليه.
أكثروا من شكره، فهو سبحانه يحبّ الشاكرين، ويزيد النعم عند شكرها، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ..وقال سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) .
فاللهم لك الحمد والشكر على نعمك وآلائك التي لا تعد ولا تحصى.
الوقفة الثالثة: (هل نزول المطر دليل على رضى الله عنا؟): إن إنزال المطر ليس بالتأكيد دليلاً على رضا الله عن خلقه، فها هي دول الكفر ينزل عليها المطر على مدار العام.
فلا يظن الواحدُ منا أن هذا المطرَ دليلُ رضا الله عن العباد، أو هو جزاءٌ مستحق لما قدمناه من أعمال.
قد ينزل المطر بسبب دعوة رجلٍ صالحٍ أو صبي، أو رحمةً بالبهائم .. وقد يكون استدراجًا من الله تعالى لخلقه.. وقد يكون تنبيهًا للمؤمنين المقصّرين لشكره وحمده والرجوع إليه.. نسأل الله أن يرزقنا شكر نعمته، والإنابة إليه.
ويشهد لهذه الحقيقة ويبرهن عليها ما جاء في سنن ابن ماجه بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لم يَنقُص قومٌ المكيالَ والميزان، إلا أُخذوا بالسنين وشدةِ المؤنة وجورِ السلطان، ولم يَمنعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائمَ ما أُمطِروا)).
الوقفة الرابعة: من السنن النبوية ما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية والأذكار المتعلقة بالمطر. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما يروي البخاري إذا رأى المطر قال: ((اللهم صيِّبا نافعًا))، وعندما يتوقف المطر يقول: ((مُطِرنا بفضل الله ورحمته))، وإذا نزل المطر وخشي منه الضرَر دعا وقال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر))، وإذا هبت الريحُ نهانا عن سبّها لأنها مأمورة، وكان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به))، وجاء في الأثر بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته).
ومن سنن المطر: الدعاء، فنزول المطر من مواضع إجابة الدعاء، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء وتحت المطر)) رواه الحاكم وحسنه الألباني.
ومن السنن المأثورة عند نزول المطر، أن يكشف الإنسان شيئاً من ملابسه ليظهر الجلد حتى يصيبه المطر، تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح مسلم عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديث عهد بربه)).
فليحرص المسلم على هذه الأذكار والسنن، وكم هو جميل أن يعلّمها أهله وأطفالَه، ويرغبَهم في حفظها والعملِ بها.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وجعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على النبي الأمين, أما بعد:
الوقفة الخامسة: من السنن النبوية المأثورة ما جاء في بعض الرخص المتعلقة بنزول المطر، ومن هذه الرخص الجمع بين الصلاتين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين الصلاتين في المسجد، رفعاً للمشقة عن أمته، لكن ينبغي التنبه إلى أنه لا يجمع بين صلاتي الجمعة والعصر لأنه لم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الرخص أيضاً، الصلاة في الراحلة أو في البيوت عند الحاجة فقد جاء عن عمرو بن أوس قال: أنبأنا رجل من ثقيف أنه سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ يعني في ليلة مطيرة ــ في السفر يقول: (حي على الصلاة, حي على الفلاح, صلوا في رحالكم).
ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عليها في مسألة الجمع بين الصلاتين في المطر ما يأتي:
أولاً: الرخصة وردت في الجمع فقط لا القصر.. وبالتالي فإنْ جمع المصلون فإنهم لا يقصرون, بل يُصلُّون الصلاة الرباعية تامة على صفتها.
ثانيًا: من دخل المسجد ولم يصل المغرب ووجد الإمام يصلي العشاء فإنه يدخل معه بنية المغرب, ثم يسلمُ بعد الثالثة, أو يجلس وينتظره حتى يسلم معه, فإن صلى العشاء جاهلاً صحت صلاته ويصلي المغرب بعدها دون أن يعيد العشاء.
ثالثاً: تشرع الأذكار التي بعد الصلاة وكذلك النافلة البعدية إذا فرغ المصلي من صلاة العشاء, ويسن له أن يأتي بالأذكار الخاصة بصلاة المغرب لأنها تزيد عن أذكار صلاة العشاء.
الوقفة السادسة والأخيرة: هذه الأمطار كشفت خيانة الأمانة عند كثير ممن وثق فيهم ولاة الأمر وسلموهم تنفيذ أو الإشراف على مشاريع تصريف مياه الأمطار, أو مشاريع الطرق, فغرقت كثير من الشوارع, وتضررت كثير من المركبات والممتلكات, وتعطلت مصالح كثير من المسلمين, وكل ذلك بسبب فئة غلَّبت مصلحتها الشخصية على المصلحة العامة.
ألا فليعلم هؤلاء أنهم قد اتصفوا بصفة من صفات المنافقين (وإذا ائتمن خان), وليعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبرأ من كل غاش (من غشنا فليس منا), وليسمعوا إلى قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
أيها المسلمون.. أكثروا من حمد الله والثناء عليه على ما أنعم به علينا من هذه الأمطار, فاللهم لك الحمد والمنة, ولك الشكر والثناء الحسن, اللهم أجعلها أمطار خير وبركة, وأنبت بها الزرع, وأدر بها الضرع, واجعلها بلاغًا للحواضر والبوادي يارب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.


تعليقات
إرسال تعليق