تربية الأولاد الجمعة 9/4/1441هـ
تربية الأولاد الجمعة 9/4/1441هـ
الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، له مافي السماوات ومافي الأرض ومابينهما وماتحت الثرى، أحمده سبحانه وأشكره, وأتوب إليه واستغفره, نعمه لاتحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله, هو أخشى الناس لربه وأتقى، دلَّ على سبيل الهدى، وحذَّر من طريق الردى, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه معالم الهدى، ومصابيح الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. إنَّ من أجَلِّ الأماناتِ وأعظمِ الهبات.. الأبناءُ والبنات, الذين هم بضعةٌ منك، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.. وإنما تكونُ هذه الوقايةُ بالقيامِ عليهم، وتربيتِهم وحفظِهم في دينِهم وأخلاقِهم ودنياهم, فإن الله حمَّلَكم مسؤوليةَ ذلك، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِه أو ينصِّرانِه أو يمجسانِه» ..
نعم.. الولد والبنت يُنتِجان ما يزرعه فيهم الآباء..
إن مما يَحزنُ له القلبُ، ويتفتَّتُ له الفؤادُ أن ترى كثيراً من الناسِ قد أهملوا تربيةَ أولادِهم، واستهانوا بها وأضاعوها، فلا حفظوا أولادَهم، ولا ربّوهم على البرِّ و التقوى، بل وللأسفِ الشديدِ إن كثيراً من الآباء أصلحَ اللهُ أحوالَهم يكونون سَبَباً لشقاءِ أولادِهِم وفسادِهِم، قال ابن القيم رحمه الله: "وكمْ ممن أشقى ولدَه وفلذةَ كبِدِه في الدنيا والآخرةِ بإهمالِه، وتركِ تأديبِه، وإعانتِه على شهواتِه، وهو بذلك يزعُمُ أنه يكرِمُه، وقد أهانه، ويرحمُه وقد ظلمَه، ففاتَه انتفاعُه بولدِه، وفوَّت على ولدِه حظَّه في الدنيا والآخرةِ، وإذا اعتبرتَ الفسادَ في الأولادِ رأيتَ عامَّتَه من قِبَلِ الآباءِ". انتهى كلامه رحمه الله.. فللهِ درُّه، ما أعجبَ كلامَه وأصدقَه!
إن المسلمَ الحقَّ يُهمُّه مسلكُ بنِيه نحوَ ربِّهم وإخوانِهم، وليست وظيفتُه ومهمتُه أن يُزحمَ المجتمعَ بأولادٍ ترَكَ حبلَهم على غاربِهم, وهذا هو هديُ الأولين من المؤمنين.
فهذا خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليه السلام يقول:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}
وهذا يعقوبُ عليه السلام يتعهَّد أولادَه في الرَّمَقِ الأخيرِ، كما قصَّ الله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
وهذا ركْبُ المؤمنين الصادِقين المتبعين، ركبُ عبادِ الرحمنِ، يلهجون قائلين: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}.
فاتقوا اللهَ أيها المؤمنون، وسيروا على هدْيِ أولئك المتقين {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.
أيها الآباءُ الأفاضلُ.. إنَّ من المشكلاتِ الكبرى، والنوازلِ العظمى، التي أُصِيبَتْ بها كثيرٌ من المجتمعاتِ الإسلاميةِ تقصيرَ الوالدَيْن في رِعايةِ أولادِهِما، وتربيتِهم على البرِّ والتقوى، ومعالمُ هذا التقصيرِ كثيرةٌ عديدةٌ.
فمن مظاهرِ التقصيرِ في تربيةِ الأولادِ: الانشغالُ عن الأولادِ بمشاغلِ الدُّنيا الفانِيةِ، التي لا تَعدِلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ، فكم هم الآباءُ الذين هَجروا بيوتَهم، فلم يجلسوا فيها إلا قليلاً، لأكلٍ أو شربٍ أو نومٍ، أما سائرُ أوقاتِهم فبين بيعٍ وشراءٍ، وبين جلساتٍ واستراحات، أو سفر ولقاء للزملاء والأصدقاء, فضاعت الواجباتُ الحقوقُ، ولو سمع هذا بصفقةٍ أو تجارةٍ لتركَ الأصدقاءَ، وقلَّل اللقاءَ، أَمَا عَلِم هذا أن خيرَ صفقة يجنيها: ولدٌ صالحٌ يدعو له.
وَمِن صُورِ التقصيرِ الشائعةِ في تربيةِ الأولادِ: تهوينَ الوالدين المعصيةَ على الأولادِ، وتجرئتَهم على مواقعةِ الخطايا والسيئاتِ، وذلك بموافقةِ الوالدَيْن لهذه الخطايا ومجاهرتِهم بها، فإنَّ مِن الآباءِ مَن يكون قد ابتُليَ ببعضِ الذنوبِ، فتجِدُه لا يتورَّعُ عن الوقوعِ فيها أمامَ أولادِه، فكم هم الآباءُ الذين ابتُلوا بالتدخين أو سَماعِ الأغاني مثلاً، أو النظرِ إلى المحرَّماتِ، أو غيرِ ذلك من السَّيِّئاتِ، وهم يفعلونها أمامَ أولادِهم، فيأخذُها عنهم أولادُهم، فكلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
وينشَأُ ناشئُ الفِتيانِ مِنَّا على ما كانَ عوَّدَه أبوه
وَمن أعظمِ الخيانةِ للأولادِ: تيسيرَ سُبُلِ المعصيةِ وأسبابِها لهم،بالإهمال في تربيتهم على حسن استعمال الأجهزة التي يصلون من خلالها إلى كثير من الشر والفساد إذا لم يحسنوا استعمالها، أو توفير وسائل المعاصي في البيوت كالقنوات السيئة أو الشيشة ونحوها، ويحتج كثير منهم بأن الابن إذا لم يفعل هذه المعصية عندي فسيفعلها خارج المنزل.. وكأن الأمر بين خيارين لا ثالث لهما كلاهما فعل المعصية.. وما فكر أن يساعد ابنه على أن يترك هذه المعصية إلى ما هو خير منها.
فليتَّقِ اللهَ هؤلاء الآباء والأمهات، فإنهم واللهِ ممن أشقى أولادَه، وفوَّت عليهم الخيرَ والاستقامةَ، وليتذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ».
فليتَّقِ اللهَ هؤلاء، وليذكروا يوماً يُرجَعون فيه إلى اللهِ، فيسألُهم ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا فعلتم بقولي:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
فاللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا يا رب العالمين, واهد ضال المسلمين يا هادي الحيارى والضالين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وراقبوه في السر والنجوى, واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى .
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن أمر تربية الأبناء أمر خطير, ومن خطورته أنه قد يكون سببًا في دخول الوالدين النار!
روى مسلم من حديث معقل بن يسار –رضي الله عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام :(ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
لقد سمى الله تعالى الأبناء في مواضع من كتابه بالأعداء .. لأنهم قد يلقون بأبيهم في النار: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}.
إن من أهم ما يجب على الأب والأم أن يتعلموا قول: (لا) تجاه طلبات الأبناء والبنات التي تضر ولا تنفع.
إن كثيرًا من مشكلات المجتمع سببها أن الآباء والأمهات لم يتعودوا قول (لا) لرغبات الأبناء والبنات ونزواتهم, فتجد الأب والأم يراعيان نفسيات الأبناء حتى لا تتأثر, ولو كان الفعل الذي يقومان به خطأً.
وتذكر دائمًا أن غضب الابنِ منك أهونُ من غضب الله عليك.
أيها الآباء.. إنكم ــ والله ــ مقبلون على حساب أمام الله (وكلكم مسؤول عن رعيته), فتذكروا هذه الأمانة, وارعوها حق رعايتها, وتذكروا الحديث الذي في المسند وغيره عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة و السلام: ( كفى بالمرء إثما أن يُضيّع من يعول).
وأي إضاعة أعظم من ترك الحبل للأبناء على الغارب؟ وإجابتهم لرغبات أنفسهم فيما حرم الله؟
ألا فاتقوا الله أيها المربون, فالأمر خطير جد خطير.
فإن قال قائل من الآباء أو الأمهات: قد حاولت كثيرًا إصلاح أبنائي فلم يصلحوا.
فيقال: عليك بذلَ الأسباب, واستفراغَ الوسع في ذلك, ومجاهدةَ الأبناء في الليل والنهار, ومتابعتَهم, والتحببَ إليهم, وترغيبَهم وترهيبَهم.
وعليك بالدعاء .. عليك بالدعاء.. اجتهد بالدعاء لهم بالصلاح والهداية والتوفيق, روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ ، ودعوةُ الصائِمِ ، ودعوةُ المسافِرِ).
وإياك إياك من الدعاء عليهم.. فقد أخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوَالِد على وَلدهِ).
وإن مما ينبغي أن يحرص عليه الآباء والأمهات المشاركة في الدورات التي تقام في كيفيةِ تربيةِ الأبناء ومعالجةِ مشكلاتهم والتي تقيمها مراكز التنمية الأسرية ومراكز الأحياء وغيرها, يقيم هذه الدورات مربون من أصحاب التجارب الناجحة, فشارك واحضر هذه الدورات, وطبق ما تتعلمه فيها ولو تقدم بك العمر, فإن من الخطأ الاستمرار على الخطأ.
وختامًا أكرر عليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
فاللهم اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا.
اللهم أصلح شباب المسلمين وفتياتهم, ودلهم على الحق والدين, واجعلهم هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, اللهم جنبنا وإياهم المحن وسوء الفتن, ما ظهر منها وما بطن, يارب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.
الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، له مافي السماوات ومافي الأرض ومابينهما وماتحت الثرى، أحمده سبحانه وأشكره, وأتوب إليه واستغفره, نعمه لاتحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله, هو أخشى الناس لربه وأتقى، دلَّ على سبيل الهدى، وحذَّر من طريق الردى, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه معالم الهدى، ومصابيح الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. إنَّ من أجَلِّ الأماناتِ وأعظمِ الهبات.. الأبناءُ والبنات, الذين هم بضعةٌ منك، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.. وإنما تكونُ هذه الوقايةُ بالقيامِ عليهم، وتربيتِهم وحفظِهم في دينِهم وأخلاقِهم ودنياهم, فإن الله حمَّلَكم مسؤوليةَ ذلك، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِه أو ينصِّرانِه أو يمجسانِه» ..
نعم.. الولد والبنت يُنتِجان ما يزرعه فيهم الآباء..
إن مما يَحزنُ له القلبُ، ويتفتَّتُ له الفؤادُ أن ترى كثيراً من الناسِ قد أهملوا تربيةَ أولادِهم، واستهانوا بها وأضاعوها، فلا حفظوا أولادَهم، ولا ربّوهم على البرِّ و التقوى، بل وللأسفِ الشديدِ إن كثيراً من الآباء أصلحَ اللهُ أحوالَهم يكونون سَبَباً لشقاءِ أولادِهِم وفسادِهِم، قال ابن القيم رحمه الله: "وكمْ ممن أشقى ولدَه وفلذةَ كبِدِه في الدنيا والآخرةِ بإهمالِه، وتركِ تأديبِه، وإعانتِه على شهواتِه، وهو بذلك يزعُمُ أنه يكرِمُه، وقد أهانه، ويرحمُه وقد ظلمَه، ففاتَه انتفاعُه بولدِه، وفوَّت على ولدِه حظَّه في الدنيا والآخرةِ، وإذا اعتبرتَ الفسادَ في الأولادِ رأيتَ عامَّتَه من قِبَلِ الآباءِ". انتهى كلامه رحمه الله.. فللهِ درُّه، ما أعجبَ كلامَه وأصدقَه!
إن المسلمَ الحقَّ يُهمُّه مسلكُ بنِيه نحوَ ربِّهم وإخوانِهم، وليست وظيفتُه ومهمتُه أن يُزحمَ المجتمعَ بأولادٍ ترَكَ حبلَهم على غاربِهم, وهذا هو هديُ الأولين من المؤمنين.
فهذا خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليه السلام يقول:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}
وهذا يعقوبُ عليه السلام يتعهَّد أولادَه في الرَّمَقِ الأخيرِ، كما قصَّ الله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
وهذا ركْبُ المؤمنين الصادِقين المتبعين، ركبُ عبادِ الرحمنِ، يلهجون قائلين: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}.
فاتقوا اللهَ أيها المؤمنون، وسيروا على هدْيِ أولئك المتقين {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.
أيها الآباءُ الأفاضلُ.. إنَّ من المشكلاتِ الكبرى، والنوازلِ العظمى، التي أُصِيبَتْ بها كثيرٌ من المجتمعاتِ الإسلاميةِ تقصيرَ الوالدَيْن في رِعايةِ أولادِهِما، وتربيتِهم على البرِّ والتقوى، ومعالمُ هذا التقصيرِ كثيرةٌ عديدةٌ.
فمن مظاهرِ التقصيرِ في تربيةِ الأولادِ: الانشغالُ عن الأولادِ بمشاغلِ الدُّنيا الفانِيةِ، التي لا تَعدِلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ، فكم هم الآباءُ الذين هَجروا بيوتَهم، فلم يجلسوا فيها إلا قليلاً، لأكلٍ أو شربٍ أو نومٍ، أما سائرُ أوقاتِهم فبين بيعٍ وشراءٍ، وبين جلساتٍ واستراحات، أو سفر ولقاء للزملاء والأصدقاء, فضاعت الواجباتُ الحقوقُ، ولو سمع هذا بصفقةٍ أو تجارةٍ لتركَ الأصدقاءَ، وقلَّل اللقاءَ، أَمَا عَلِم هذا أن خيرَ صفقة يجنيها: ولدٌ صالحٌ يدعو له.
وَمِن صُورِ التقصيرِ الشائعةِ في تربيةِ الأولادِ: تهوينَ الوالدين المعصيةَ على الأولادِ، وتجرئتَهم على مواقعةِ الخطايا والسيئاتِ، وذلك بموافقةِ الوالدَيْن لهذه الخطايا ومجاهرتِهم بها، فإنَّ مِن الآباءِ مَن يكون قد ابتُليَ ببعضِ الذنوبِ، فتجِدُه لا يتورَّعُ عن الوقوعِ فيها أمامَ أولادِه، فكم هم الآباءُ الذين ابتُلوا بالتدخين أو سَماعِ الأغاني مثلاً، أو النظرِ إلى المحرَّماتِ، أو غيرِ ذلك من السَّيِّئاتِ، وهم يفعلونها أمامَ أولادِهم، فيأخذُها عنهم أولادُهم، فكلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
وينشَأُ ناشئُ الفِتيانِ مِنَّا على ما كانَ عوَّدَه أبوه
وَمن أعظمِ الخيانةِ للأولادِ: تيسيرَ سُبُلِ المعصيةِ وأسبابِها لهم،بالإهمال في تربيتهم على حسن استعمال الأجهزة التي يصلون من خلالها إلى كثير من الشر والفساد إذا لم يحسنوا استعمالها، أو توفير وسائل المعاصي في البيوت كالقنوات السيئة أو الشيشة ونحوها، ويحتج كثير منهم بأن الابن إذا لم يفعل هذه المعصية عندي فسيفعلها خارج المنزل.. وكأن الأمر بين خيارين لا ثالث لهما كلاهما فعل المعصية.. وما فكر أن يساعد ابنه على أن يترك هذه المعصية إلى ما هو خير منها.
فليتَّقِ اللهَ هؤلاء الآباء والأمهات، فإنهم واللهِ ممن أشقى أولادَه، وفوَّت عليهم الخيرَ والاستقامةَ، وليتذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ».
فليتَّقِ اللهَ هؤلاء، وليذكروا يوماً يُرجَعون فيه إلى اللهِ، فيسألُهم ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا فعلتم بقولي:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
فاللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا يا رب العالمين, واهد ضال المسلمين يا هادي الحيارى والضالين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ وراقبوه في السر والنجوى, واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى .
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن أمر تربية الأبناء أمر خطير, ومن خطورته أنه قد يكون سببًا في دخول الوالدين النار!
روى مسلم من حديث معقل بن يسار –رضي الله عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام :(ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
لقد سمى الله تعالى الأبناء في مواضع من كتابه بالأعداء .. لأنهم قد يلقون بأبيهم في النار: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}.
إن من أهم ما يجب على الأب والأم أن يتعلموا قول: (لا) تجاه طلبات الأبناء والبنات التي تضر ولا تنفع.
إن كثيرًا من مشكلات المجتمع سببها أن الآباء والأمهات لم يتعودوا قول (لا) لرغبات الأبناء والبنات ونزواتهم, فتجد الأب والأم يراعيان نفسيات الأبناء حتى لا تتأثر, ولو كان الفعل الذي يقومان به خطأً.
وتذكر دائمًا أن غضب الابنِ منك أهونُ من غضب الله عليك.
أيها الآباء.. إنكم ــ والله ــ مقبلون على حساب أمام الله (وكلكم مسؤول عن رعيته), فتذكروا هذه الأمانة, وارعوها حق رعايتها, وتذكروا الحديث الذي في المسند وغيره عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة و السلام: ( كفى بالمرء إثما أن يُضيّع من يعول).
وأي إضاعة أعظم من ترك الحبل للأبناء على الغارب؟ وإجابتهم لرغبات أنفسهم فيما حرم الله؟
ألا فاتقوا الله أيها المربون, فالأمر خطير جد خطير.
فإن قال قائل من الآباء أو الأمهات: قد حاولت كثيرًا إصلاح أبنائي فلم يصلحوا.
فيقال: عليك بذلَ الأسباب, واستفراغَ الوسع في ذلك, ومجاهدةَ الأبناء في الليل والنهار, ومتابعتَهم, والتحببَ إليهم, وترغيبَهم وترهيبَهم.
وعليك بالدعاء .. عليك بالدعاء.. اجتهد بالدعاء لهم بالصلاح والهداية والتوفيق, روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ ، ودعوةُ الصائِمِ ، ودعوةُ المسافِرِ).
وإياك إياك من الدعاء عليهم.. فقد أخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوَالِد على وَلدهِ).
وإن مما ينبغي أن يحرص عليه الآباء والأمهات المشاركة في الدورات التي تقام في كيفيةِ تربيةِ الأبناء ومعالجةِ مشكلاتهم والتي تقيمها مراكز التنمية الأسرية ومراكز الأحياء وغيرها, يقيم هذه الدورات مربون من أصحاب التجارب الناجحة, فشارك واحضر هذه الدورات, وطبق ما تتعلمه فيها ولو تقدم بك العمر, فإن من الخطأ الاستمرار على الخطأ.
وختامًا أكرر عليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
فاللهم اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا.
اللهم أصلح شباب المسلمين وفتياتهم, ودلهم على الحق والدين, واجعلهم هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, اللهم جنبنا وإياهم المحن وسوء الفتن, ما ظهر منها وما بطن, يارب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق