أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في التعليم- الجمعة 13/10/1433هـ

الْحَمْدُ للهِ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم , عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ , الْحَمْدُ للهِ الذِي مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ تُعَلِّم , فَلَمْ يَبْقَ عَلَى اللهِ لِلْخَلْقِ حُجَّةٌ وَفَتَّحَ الْعُقُولَ وَفَهَّم ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الرَّبُّ الْكَرِيمُ الأَكْرَم , عَلَّمَ الْقُرْآنَ وَخَلَقَ الإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ وَأَعْطَى وَتَكَرَّم ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُرْشِدُ إِلَى السَّبِيلِ الأَقْوَم , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَبَارَكَ وَسَلَّمْ.
أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ إِرْسَالِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اللهُ تَعَالَى (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اصْطَفَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ الْبَشَرِ مِنْ أَشْرَفِ نَسَبٍ وَأَعْلَى قَبِيلَةٍ , ثُمَّ كَمَّلَهُ بِأَحْسَنِ الصِّفَاتِ وَأَجْمَلِ الأَخْلاقِ , وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ , وَدَلَّهُ لِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ وَأَرْفَعِ الْخِلالِ , ثُمَّ أَمَرَنَا بِالاقْتِدَاءِ بِهِ وَجَعَلَهُ أُسْوَةً حَسَنَةً لَنَا , فَمَنِ اتَّبَعَهُ أَحَبَّهُ اللهُ وَهَدَاهُ, وَمَنْ خَالَفَهُ أَبْغَضَهُ اللهُ وَشَنَاه .
وَإِنَّ مِمَّا اخْتَصَّ اللهُ بِهِ رَسَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُرُقَ التَّعْلِيمِ وَأَسَالِيبَ التَّوْجِيهِ وَالتَّدْرِيسِ , فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ , وَوَصَلَ إِلَى النِّهَايَةِ فِي ذَلِكَ ! كَيْفَ لا ؟ وَهَذِهِ مُهِمَّتُهُ وَتِلْكَ وَظِيفَتُهُ.
وَبين يدي اليوم إِشَارَاتٌ يَسِيرَةٌ وَنُبَذٌ بَسِيطَةٌ في أساليب النبي الكريم عليه أتم صلاة وتسليم في التربية والتعليم لَعَلَّهَا تَكُونُ مَنَارَاتٍ لَنَا عُمُومَاً وَلِلإِخْوَةِ الْمُدَرِّسِينَ والمربين خُصُوصَاً مَعَ بِدَايَةِ هَذَا الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ الْجَدِيدِ , أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَيْنَا وَعَلَى اُمَّةِ الْإسلام عَامَاً مُبَارَكَاً مَلِيئَاً بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِح !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..كَانَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدَأُ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ بِالأُصُولِ قَبْلَ الْفُرُوعِ يبدأ بِالأَهَمِّ أَوَّلاً , فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِفْرَادِ اللهِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الأَسَاس , فَقَدْ مَكَثَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْهَا عَشْرُ سِنِينَ يُعِلِّمُ النَّاسَ التَّوْحِيدَ , وَبَعْدَ الْعَشْرِ فُرِضَتِ الصَّلاةُ ! فَهَكَذَا نَحْنُ فِي تَعْلِيمِنَا وَفِي دَعْوَتِنَا ينبغي أن نُرَسِّخَ الْعَقِيدَةَ فِي قُلُوبِ النَّاشِئَةِ وَنُعَلِّقَ صِغَارَنَا بِاللهِ سُبْحَانَهُ , فَالْخَيْرُ هُوَ الذِي يَأْتِي بِهِ , وَالشَّرُّ هُوَ الذِي يَدْفَعُهُ !
وَمِنْ طُرُقِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الاهْتِمَامُ بِالصِّغَارِ وَاسْتِغْلالُ الْمَوَاقِفِ لِإِرْشَادِهِمْ , فَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ , فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) ,قال: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ! مُتَّفَقٌ عَلَيْه, فانظر كيف كان استغلال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الموقف من هذا الفتى الصغير, فحفظها ورسخت في عقله ولم يخالفها بعد ذلك.
وَمِنْ طُرُقِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : شَدُّ انْتِبَاهِ الْمُتَعَلِّمِ قَبْلَ إِلْقَاءِ الْعِلْمِ, وَيَكُونُ ذَلِكَ بِطُرُقٍ كَالنِّدَاءِ وَتَكْرَارِهِ , فعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (يَا مُعَاذُ) قُلْتُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ! ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ , ثَلَاثًا ثم قال: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ ) قُلْتُ : لَا ! قَالَ (حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ثُمَّ سَارَ سَاعَةً , فَقَالَ (يَا مُعَاذُ) قُلْتُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ! قَالَ (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ : أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) متفق عليه .
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. وَمِنْ أَسَالِيبِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِشْعَارُ الْمُتَعَلِّمِ بِحُبِّ الْمُعَلِّمِ لَهُ وَاهْتِمَامِهُ بِهِ , فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيدِي يَوْمًا ثُمَّ قَالَ (يَا مُعَاذُ ، وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّكَ) فَقَالَ مُعَاذٌ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ، وَأَنَا وَاللهِ أُحِبُّكَ ، فَقَالَ (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ : اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ , وَأَبُو دَاوُدَ , وَالنَّسَائِيُّ , وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : بِسَنَدٍ قَوِيٍّ .
وَمِنْ سِمَاتِ التَّعْلِيمِ النَّبَوِيِّ : مُرَاعَاةُ الشَّبَابِ وَالرَّحْمَةُ بِهِمْ وَالنُّزُولُ عِنْدَ رَغَبَاتِهِمْ مَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ , فَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , قَالَ أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ , فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ! فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا ! وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ ! وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا , فَقَالَ (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ , وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي , وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ , ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ, فانظر كيف راعى النبي صلى الله عليه وسلم حاجاتهم وتلمسها منهم قبل أن يطلبوها.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَجِّعُ الْمُتَفَوِّقِينَ وَيُحَفِّزُهُمْ ! وَهَذَا لَهُ دَوْرٌ فِي شَحْذِ الْهِمَّةِ وَالتَّطَلُّعِ لِلْمَزِيدِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ , لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ , أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَمِنْ أَسَالِيبِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ : عَدَمُ الْمُجَابَهَةِ بِالتَّوْبِيخِ وَالْعِتَابِ , فَكَانَ يُلَمِّحُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُصَرِّحُ إِلَّا إِذَا اقْتَضَتِ الْحَاجَةُ ! رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ) فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ (لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)
فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا أَحْسَنَهُ مُعَلِّمَا , وَمَا أَجَلَّهُ نَاصِحَاً , وَمَا أَجْمَلَ تَعْلِيمَهُ , وَمَا أَيْسَرَ تَفْهِيمَهُ !
فَحَرِيٌّ بِنَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالْمُعَلِّمُونَ والمربون أَنْ نَقْتِدِيَ بِهِ فِي تَعَامُلِنَا مَعَ من تحت أيدينا.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم,إنه هو الغفور الرحيم.
:: الخطبة الثانية ::.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ , وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالحِينَ ! وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ .
أَمَّا بَعْدُ : فِإِنَّ الْحَدِيثَ لا زَالَ مَوْصُولاً عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْلِيمِ , وَنَحْنُ نَسْتَقْبِلُ غَداً بِإِذْنِ اللهِ عَامَاً دِرَاسِيَّاً جَدِيدَاً , فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نَقْتَبِسَ مِنْ مِيرَاثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نَتَعَامَلُ بِهِ مَعَ الأَوْلادِ فِي الْبُيُوتِ , وَمَعَ الطُلَّابِ فِي الْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْسِيخِ الْعِلْمِ مَا يُسَمَّى فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَدِيثَةِ : بِالتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ , وَهَذَا يَتَجَلَّى بِكَثْرَةٍ فِي الْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ ! فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ أَمَامَ النَّاسِ , وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى مِنَ الْوُضُوءِ قَالَ (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَيْهِ ــ يعني المنبر ــ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلاتِي( فَمَا أَجْمَلَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ !
وَإِنَّ بَعْضَ الْمُدَرِّسِينَ الْمُوَفَّقِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ , حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَلِّمَ علوم شرعية, لَكِنَّهُ مُؤْمِنٌ حَرِيصٌ عَلَى نَفْعِ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ , فَيُحْضِرُ الْمَاءَ ثُمَّ يَخْرُجُ بِطُلَّابِهِ إِلَى سَاحَةِ الْمَدْرَسَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَمَامَهُمْ , وَيَأْمُرُ الطُّلابَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا , ثُمَّ يُقَوِّمُهُمْ وَيُعَدِّلُهُمْ وَيُوَجِّهُهُمْ ! فَأَنْعِمْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُعَلِّمِيْنَ وَجَزَاهُمُ اللهُ خَيْرَاً وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُمْ !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. هَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ وَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا زَخُرَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَتَكَاثَرَتْ بِهِ دَوَاوِينُهَا مِنْ هَدْيِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقَتِهُ فِي التَّعْلِيمِ , وَلِذَلِكَ وَقَدْ أَنْتَجَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ ثَمَارَهَا , وَآتَتْ أُكُلَهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا , وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهَا , حَتَّى اسْتَحَقُّوا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فَتَعَالَوْا - أَيُّهَا الآبَاءُ وَأَيُّهَا المربون وَالْمُعَلِّمُونَ - نَقْتَدِي بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقْتَفِي أَثَرَهُ وَنُعَلِّمُ صِغَارَنَا وَنُرَبِّي أَوْلادَنَا , وَاللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً .... جَعَلَنَا اللهُ مِمَّنِ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ , وَجَعَلَنَا مِمَّنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَمِلَ بِه وَدَعَا بِهِ وَإِلَيْه !
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً وَعَمَلاً صَالِحَاً , اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعَهُ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً , اللَّهُمَّ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَأَدْخِلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ وَأَسْقِنَا مِنْ حَوْضِهِ وَاجْمَعْنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَوَالِدِينَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
 اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة