التشبه بالكفار الجمعة 17/2/1435هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: كان الناس قبل بعثةِ النبي صلى الله عليه وسلم في جاهلية جهلاء, وضلالةٍ عمياء، ولقد مقت الله تعالى أهل الأرض آنذاك, عربَهم وعجمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب، لم يبق منهم قبل البعثة إلا قلة.
لقد هدى الله الناس بعد ذلك ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى، هدايةً جلت عن وصف الواصفين, وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الكريمة والسنن المستقيمة ما لو جُمعت حكمةُ سائر الأمم قاطبةً إلى الحكمة التي بعث بها نبيّنا صلى الله عليه وسلم لتفاوتا تفاوتًا عظيمًا، فله سبحانه الحمد كما يحبّ ويرضى.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. بعِث الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر بالتوحيد والبراءة من الشرك، ولقد كان من أوائل ما نزل عليه من القرآن قول الله سبحانه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:5]، قال ابن زيد في تفسير هذه الآية: "الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون، أمره أن يهجرها، فلا يأتيها ولا يقربها".
أمر الله نبيه أن يهجر الشرك وأهله، ذاك أنه لا يمكن أن يجتمع الشرك مع الإيمان، فإذا وقع هذا رفع ذاك، وكما أنّ الليل والنهار لا يجتمعان فكذلك الشرك والإيمان.
دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه في مكة مدةً من الزمن، حتى اشتد أذى كفار قريش له ولأصحابه، حتى إذا خشي الرسول صلى الله عليه وسلم من تزايد أذى الكفار على المسلمين أمر أصحابه أن يفروا بدينهم إلى الحبشة فرارًا بدينهم ليغادروا موضع الشرك وأهله.
ثم أمر الله نبيه أن يهاجر بدينه من مكة إلى المدينة، حتى إذا قوي الإسلام بفتح مكة التي كانت فيما قبل دار كفر فأصبحت بعد الفتح دار إيمانٍ وإسلام جعل الله فتح مكة فارقًا في الأجر، {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد:10].
لقد جعل الله الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام أمرًا لازمًا لا شك فيه، فمن لم يهاجر فقد قال الله تعالى عنه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} [النساء:97، 98]، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من رجلٍ مسلمٍ يقيم بين أظهر المشركين)) رواه الترمذي وأبو داود.
لقد جاء دين الإسلام آمرًا أتباعه بالبعد عن كل ما فيه تقريب من الشرك، وجاء بالنهي عن كل ما فيه مشابهة للمشركين أو مماثلة لهم, وقطع الإسلام مادة المشابهة للكفار من أصلها، في الصحيحين: ((خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى))، وروى أبو داود عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم))، وروى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر))، وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون))، ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه كانت اليهود إذا حاضت فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، فقال صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح))، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم في صحيحه.
لقد جاءت أوامر الشريعة ناهيةً عن كل ما فيه مشابهة حتى في أخص عبادات المسلمين ومعاملاتهم، أفيرضى عاقل بعد ذلك أن يوافق اليهود أو النصارى في أعيادهم وأمور دينهم؟! لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه جالسًا وصلى خلفه الصحابة قيامًا أشار إليهم فقعدوا، فلما سلموا قال: ((إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم)) رواه الإمام مسلم. ولما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فأمر الناس بصيامه، ثم قال: ((صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود؛ صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده)).
إن اليهود والنصارى لا يقرّ لهم قرار حتى يفسدوا على الناس دينهم، {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ} [البقرة:109]، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120].
إنه لا عز لنا ولا فلاح إلا باتباع سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]، قال عمر رضي الله عنه: (نحن قَوْمٌ أَعَزّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلامِ، فَإِنْ طَلَبْنَا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ).
لقد أكثر أهل العلم في نقل التحذير من أعياد الكفار والمشاركة فيها، جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] قال رحمه الله: "الزور هي أعياد المشركين"، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعيادَ المشركين، وجاءَ عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسِهم يومَ عيدهمِ؛ فإن السخطة تنزل عليهم)، وقال أيضًا رضي الله عنه: (اجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم) أخرجه البيهقي بسند صحيح.
قال تقي الدين رحمه الله: "وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك؟! ثم قوله: (اجتنبوا أعداء اللهِ في عيدهم) أليس نهيًا عن لقائِهم والاجتماع بهم فيه؟! فكيف بمن عَمِلَ عَملهم؟! ولقد كان عليٌ رضي الله عنه يكرهُ موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟!".
  بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ـ إن دين الإسلام هو دين الكمال، والتمسك به هو العز، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8]، ومع أن الله سبحانه قد حذرنا سلوكَ سبيل المغضوب عليهم والضالين إلا أن قضاءه نافذ بما أخبر به رسوله فيما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه))، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!))، وفي رواية في البخاري: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ))، قيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ((ومن الناس إلا أولئك؟!)).
ما مات الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وقد نهى عن كل ما يدعو إلى المشابهة والمماثلة بالمشركين، حتى إنه في مرض موته طفق يطرح خميصةً على وجهه من شدة الألم، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، ثم قال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) أخرجاه في الصحيحين.
 إن مشابهة أهل الكتاب ومشاركتهم في أعيادهم ومناسباتهم توجب عند المسلم نوعَ مودة لهم ولا شك، وإننا لندرك جميعًا أن فئامًا ممن يتشبهون بالكفار في لباسهم أو سلوكهم أو عاداتهم أنهم تميل نفوسهم إلى حبهم وتقديرهم والإعجاب بهم, والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم.
أيها الأخ الحبيب .. إذا تقرر هذا وعلمت أن دين الإسلام هو الحق وأن ما سواه باطل فاعلم أنه لا يجوز حضور احتفالات اليهود والنصارى ولا تهنئتهم بها، قال الإمام ابن القيم: "أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، وذلك كأن يهنئهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزله أن يهنئه بسجوده للصليب، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه. ويدخل في هذا أيضًا تعظيمهم ومخاطبتهم بالسيد والمولى، وذلك حرام قطعًا، ففي الحديث: ((لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل))" انتهى كلامه رحمه الله.
يحتفل النصارى هذه الأيام بعيد رأس السنة الميلادية, ولأن هذه المناسبة النصرانية قد ينخدع بها بعض البسطاء من المسلمين، فيشاركون في فعالياتها واحتفالاتها، أو يهنئون النصارى بمناسبتها، وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء أنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً أن يقيم احتفالات لأعياد لا أصل لها في دين الإسلام، ولا يجوز حضورها ولا المشاركة فيها ولا الإعانة عليها بأي شيء كان؛ لأنها إثم ومجاوزة لحدود الله. ولا يجوز لمسلم التعاون مع الكفار بأي وجه من وجوه التعاون في أعيادهم، ومن ذلك إشهار أعيادهم وإعلانها ولا الدعوة إليها بأي وسيلة كانت.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.


تعليقات

المشاركات الشائعة