أحكام الجنائز الجمعة 19/4/1434هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}, (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اتقوا الله تعالى، فإنه بتقوى الله تعالى تزكو النفوس وتصلح الأحوال، وإن مما يعين على ذلك تذكر الموت وسكراته، وقرب حلوله ومقدماته، فاستعدوا له بالأعمال الصالحة والتوبة من الذنوب والسيئات، فإن نسيان الموت يقسّي القلوب ويبعد عن ذكر علام الغيوب، وبذكره جاءت الوصية النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات: يعني الموت)) رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه.
تزوّد من الدنيـا فإنـك لا تـدري     إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجـر
فكم من صغارٍ يُرتجى طـول عمرهم       وقد أُدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكـم عـروس زينوهـا لزوجهـا           وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي ثم قال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري في صحيحه. وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) رواه البخاري.
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب     متى حُطّ ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمّلُ آمـالاً ونرجـو نتاجهـا             وعلّ الردى ممـا نرجّيـه أقرب
إذا كان الموت هو مصيرنا، والقبر هو مضجعنا, فإنه لا بد من الوقوف على بعض أحكام الجنائز، والتعرف على صحيحها من بدعها المحدثة، فإنه ما من بيتٍ إلا والموت داخله، قصر الزمان أو بَعُدَ. فقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي، مشتملاً على الإحسان للميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، والإحسان إلى أهله وأقاربه.
فأول هذه الأحكام زيارة المريض حال مرضه، وتذكيره بالآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وتلقينه الشهادة ليكون آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله, فقد جاءت الوصية النبوية الحكيمة بتلقين المحتضر لا إله إلا الله كما روى ذلك مسلم في صحيحه، وذلك لتكون هذه الكلمة الطيبة آخر كلام العبد من هذه الدنيا، ويُختمَ له بها، روى الإمام أحمد وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)).
 فإذا مات العبد سُنّ تغميضه وتسوية أطرافه وتغطيته، ثم الإسراع بتجهيزه، من تغسيلٍ وتكفينٍ وصلاةٍ عليه ودفنه، لما روى أبو داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله)). فلا يجوز تأخير دفن الميت إلا لعذر، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم الإسراع في دفن الميت، وذلك بتطهيره وتطييبه وتكفينه في ثياب بيض، ثلاثٌ للرجل وخمسٌ للمرأة.
وكان صلى الله عليه وسلم يأمرُ بغسل الميت ثلاثاً أو خمساً أو أكثر حسب ما يراه الغاسل، وكان يأمر من وَلِيَ الميت أن يحسن كَفنه ويكفّنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن.
 والرجل يتولى تغسيلَه الرجال، والمرأة تغسلُها النساء، والجنين الساقط من بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر غسّلَ وصُلي عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)) رواه أحمد وأبو داود.
فإذا غُسّل الميت وكُفّن، فإنه يصلى عليه جماعة، لفعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه، وكلما زاد العدد كان أفضل، ومقصود الصلاة عليه الدعاء له، لما روى مسلم في صحيحه: ((ما من ميتٍ يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلاّ شُفّعوا فيه)). وله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((ما من مسلم يموت فيقوم على قبره أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شُفّعوا فيه)).
والصلاة على موتى المسلمين من أفضل الطاعات وأعظم القربات، وقد رتب الله تعالى عليها الجزاء العظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراطٌ، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، والقيراطان: مثل الجبلين العظيمين)) متفق عليه.
 ومن فاتته الصلاة على الميت صلى على قبره صلاة الجنازة، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأةٍ سوداء كانت تَقُمُّ المسجد، ففقدها فسأل عنها، فقالوا: ماتت، فقال: ((أفلا كنتم آذنتموني))، قال: فكأنهم صغّروا أمرها، فقال: ((دلوني على قبرها)) فدلّوه، فصلى عليها.
والصلاة على الميت تكون بأربع تكبيرات، يقرأ في الأولى بعد التعوذ بالفاتحة، من غير استفتاح، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد. ويدعو بعد التكبيرة الثالثة للميت بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان يحفظه، فإن لم يكن فبأي دعاء دعا جاز، إلاّ أنه يخلص الدعاء للميت. ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه, ويرفع يديه مع كل تكبيرة.
نسأل الله بمنه وكرمه أن يجنبنا البدع والفتن، وأن يرزقنا الاتباع وحسن العلم والعمل.
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما قلت وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خاتم النبيين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. وبعد الصلاة على الميت يبَادر بحمله إلى قبره، ولا يُنقل إلى بلدٍ آخر، بل يدفن حيث مات إلا أن يوصي بذلك.
والسنة تشييع جنازة الميت حتى توضع في قبرها بسكينة وأدب وعدم رفع صوت، لا بقراءةٍ ولا بذكرٍ ولا بغير ذلك، ويسّنُ توسيع القبر وتعميقه ولحده، ويوضع الميت فيه موجهاً إلى القبلة على جنبه الأيمن، ويسدّ عليه اللحد سدّاً محكماً، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، ويكون مسنّماً أي محدباً فلا يمتهن، ولا بأس أن يجعل عليه علامةٌ، ليعرفه قريبه الذي يريد زيارته للسلام عليه والدعاء له.
ويحرم البناء على القبور واتخاذها مساجد وأضرحة ومزارات يصلى عندها ويتقرب إلى الله عندها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) رواه مالك في الموطأ.
ولا يجوز تجصيص القبر ولا إضاءته لحديث جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) رواه مسلم، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه إلى اليمن وأمره أن لا يدع تمثالاً إلا طمسه ولا قبراً مشرفاً إلا سواه. رواه مسلم.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله. ولعن زوارات القبور من النساء، وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن لا تهان القبور ولا توطأ وأن لا يجلس عليها ولا يتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها أو تتخذ أعياداً أو أوثاناً. روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم (تعني الموت) طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا زار قبور أصحابه أن يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنّها لأمته وشرع لهم أن يقولوا إذا زاروها: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)) رواه مسلم.
ومن البدع المحدثة القراءة عند الجنائز أو عند القبور, قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن، وهو بدعة حادثة، لم تكن من سنته صلى الله عليه وسلم ولا فعلته القرون المفضلة.
ومن البدع المحدثة كذلك والتي عمّت بها البلوى في العصور المتأخرة إعلان الإحداد على الأموات ولبس السواد وتنكيس الأعلام وتعطيل الأعمال الرسمية من أجل ذلك، فكل ذلك من الجهل والهوى والتقليد والله المستعان.
ومن الأمور التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم المبادرة إلى قضاء ديون المسلم الميت، لأنه مرتهن بدينه حتى يقضى عنه، وتنفيذ وصاياه الشرعية، والدعاء له، والصدقة عنه، والحج والعمرة عنه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) رواه مسلم.

وقد شرع الله سبحانه لأهل الميت الصبر عند مُصابهم ووعدهم على ذلك بجزيل الأجر والثواب، ونهى عن التسخط والجزع، وتوعد على ذلك بأليم العقاب، بل لقد جعل النياحة على الميت من الكفر الذي يجب الحذر منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت)) رواه مسلم.
واعتبر صلى الله عليه وسلم ـ كما عند البخاري ومسلم ـ لطم الخدود وشق الجيوب من دعوى الجاهلية.
أما البكاء الذي لا رفع للصوت معه، وحُزن القلب بلا تسخط، فلا بأس بهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم: ((تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب)) رواه البخاري.
ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها إحداداً على وفاة ولدها أو قريبها إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها فأربعة أشهر وعشرة أيام، لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلتُ على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً)) رواه البخاري.
وتستحب تعزية أهل الميت وحثهم على الصبر على مصابهم والاحتساب عند الله تعالى. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن أهل الميت لا يُكلَّفون صُنع الطعام للناس، بل أمر أن يَصنعَ الناس لهم طعاماً يرسلونه إليهم، وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم، لأن أهل الميت في شغلٍ بمصابهم عن إطعام الناس ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم ما يشغلهم)).
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واحذروا مخالفة الشريعة، فإن الخير كله فيما أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة