آخر رمضان الجمعة 24/9/1434هـ
الحمد
لله الذي من علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا ما يقرب إليه من صالح الأعمال، الحمد
لله الذي أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا
والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرًا.
أما
بعد: فإن الله تعالى جعل الليل والنهار خلفة
لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، فالليل والنهار هما خزائن الأعمال, ومراحل الآجال,
يودعهما الإنسان ما قام به فيهما من عمل، ويقطعهما مرحلة مرحلة حتى ينتهي به
الأجل، فانظروا رحمكم الله ماذا تودعونهما، فستجد كل نفس ما عملت، وتعلم ما قدمت
وأخرت, في يوم لا تستطيع به الخلاص مما فات: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ
بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ
أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 13 - 15]
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. لقد قطعتم
الأكثر من شهر الصيام، ولم يبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام, فمن كان منكم
قام بحقه، فعليه بالتمام، وليحمد الله عليه وليسأله القبول، ومن كان منكم فرط فيه
وأساء فليتب إلى ربه وليجتهد في الطاعة، فباب الله مفتوح غير مقفول.
إننا
في العشر الأخيرة من رمضان، أنفس لحظات هذا الشهر المبارك, فاغتنموها بطاعة المولى
العظيم, أحسنوا في أيامه الصيام، ونوروا لياليه بالقيام، واختموه بالتوبة
والاستغفار, وسؤال الله العَفْوَ والعتق من النار, كم أناس تمنوا إدراك هذه العشر،
فأدركهم المنون، فأصبحوا في قبورهم مرتهنين لا يستطيعون زيادة في صالح الأعمال ولا
توبة من التفريط والإهمال، وأنتم قد أدركتموها بنعمة الله في صحة وعافية، فاجتهدوا
فيها بالعمل الصالح والدعاء, لعلكم تصيبون نفحة من رحمة الله تعالى، فتسعدوا بها
في الدنيا والآخرة.
لقد
كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعظم هذا العشر، ويخصها بالاعتكاف في المسجد تفرغا
لعبادة ربه، وتحريا لليلة القدر التي قال الله عنها في كتابه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] ومعنى ذلك أنها خير من ثلاثين ألف ليلة أو
قريبا منها, خير منها في بركتها، وما يُفيض فيها المولى الكريم على عباده من
الرحمة والغفران, وإجابة الدعاء وقبول الأعمال.
فاجتهدوا
عباد الله في طلب هذه الليلة كما كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يفعل، فإنه كان إذا
دخلت العشر شد المئزر، وأحيا ليله بعبادة ربه, نعم كان يفعل ذلك، وهو الذي غفر
الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, كان يفعل ذلك وهو أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى,
فكيف بنا نحن المفرطين المذنبين؟!
اجتهدوا
في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة، وتحروا خيرها وبركتها, بالمحافظة على الصلوات
المفروضة وكثرة القيام, وبذل الصدقات, وحفظ الصيام, وكثرة الطاعات, واجتناب
المعاصي والسيئات, والبعد عن العداوة بينكم, والبغضاء والمشاحنات، فإن الشحناء من
أسباب حرمان الخير في ليلة القدر، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبر أصحابه
بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين أي: تخاصما، وتنازعا، فرفعت بسبب ذلك.
واحرصوا
على قيام الليل مع الإمام في أول الليل وآخره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة", افتتحوا القيام بركعتين
خفيفتين امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، واتباعا له، ولِتَحُلُّوا عنكم عُقد
الشيطان التي يعقدها على كل نائم، فإذا استيقظ، وذكر الله انحلت عقدة، فإذا تطهر
انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت الثالثة فأصبح نشيطا طيب النفس، ومن جاء وقد شرع
الإمام في القيام، ولم يصل الركعتين الخفيفتين في بيته، فإنه يدخل مع الإمام، ولا
يصليهما لئلا ينفرد بصلاة وحده عن الجماعة.
وأطيلوا
القيام في الليل أطيلوا القراءة، وتدبروها، وأطيلوا الركوع، والقيام بعده وأطيلوا
السجود والجلوس بين السجدتين، أكثروا في الركوع من تعظيم الله عز وجل, وأكثروا من
تحميد الله والثناء عليه في القيام بعد الركوع، وأكثروا من الدعاء في السجود بعد
قول: سبحان ربي الأعلى وغيرها مما ورد، فدعاء الله في السجود حري بالإجابة، وأقرب
ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأكثروا من الدعاء في الجلوس بين السجدتين,
وأحضروا قلوبكم في جميع صلواتكم فرضها ونفلها، وأخلصوا في دعائكم، وألحوا على
ربكم، فإنه يحب الملحين في الدعاء لمحبته للجود والكرم قال الله تعالى: {وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
[البقرة: 186] اللهم وفقنا للدعاء ومن علينا بالإجابة. اللهم تقبل دعاءنا
وعباداتنا، وتجاوز عن تقصيرنا وسيئاتنا.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
الحمد
لله الذي شرع لعباده الشرائع لحكم بالغة وأسرار, ورتب على صيام رمضان وقيامه
إيمانا واحتسابا مغفرة الذنوب والأوزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، الملك الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار, صلى الله عليه
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليما.. أما بعدُ:
فيا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن الله تعالى قد
شرع لنا في ختام هذا الشهر عبادات جليلة نزداد بها إيماننا، وتكملُ بها عباداتنا،
وتتمُ بها علينا نعمة ربنا, شرع لنا ربنا في ختام هذا الشهر زكاة الفطر وهي صاع من
طعام, أي صاع من البر أو الرز أو التمر أو غيرها من قوت الآدميين، وهو ما يقارب
ثلاثة كيلو جرامات, قال أبو سعيد رضي الله عنه: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
زكاة الفطر صاعا من طعام، وكلما كان الطعام أطيب وأنفع للفقراء، فهو أفضل وأعظم
أجرا، فطيبوا بها نفسا، وأخرجوها من أطيب ما تجدون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما تحبون، وهي ولله الحمد قدر بسيط لا يجب في السنة إلا مرة واحدة، فكيف لا يحرص
الإنسان على اختيار الأطيب مع أنه الأفضل عند الله وأكثر أجرا. ويجوز للإنسان أن
يوزع الفطرة الواحدة على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين فأكثر؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قدر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن
الأمر واسع، وعلى هذا لو جمع أهل البيت فطرتهم في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها
للتوزيع من غير كيل، فلا بأس لكن إذا لم يكيلوها عند التوزيع، وزكاة الفطر فرض على
جميع المسلمين, على الصغير والكبير, والذكر والأنثى، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن
تنفقون عليه من الزوجات والأولاد والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذي في البطن،
فإن أخرج عنه فهو خير، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه,
والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط،
ولا تجزئ بعد صلاة العيد, إلا إذا كان الإنسان جاهلا فهذا تجزئه بعد الصلاة، ولا
يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في
وقتها، ويجوز للفقير أن يوكل شخصا في قبض ما يدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة
إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت
تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحدا يقبضها منك، أو يوكلك أنت في
القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك
حتى يأتي.
اللهم
تقبل منا صيامنا وقيامنا, وتجاوز اللهم عن تقصيرنا وتفريطنا, واجعلنا من عتقائك من
النار, ووفقنا لقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا, برحمتك يا أرحم الراحمين.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق