آفات الصيف الجمعة 7/7/1432هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد:
فهاهم الطلاب والمدرسون قد ألقوا عن
عاتقهم عبء الدراسة، وثقل المذاكرة وهموم التصحيح وقيل لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء!
هاهم قد فرغوا من العمل الذي كلف به كل
منهم وبدأت لديهم ساعات الفراغ, ولكل طريقته في استغلالها.
فمن مستغل لها في العمل الخيري والدعوي,
وآخر مستغل لها في الأندية الصيفية, وثالث يسافر يمنة ويسرة, ورابع يتنقل بين
الأرصفة والاستراحات.
إن هذه الأنماط من التفكير تشعرنا
بخطورة قضية الصيف والإجازة الصيفية.
وتشعرنا بأن علينا أن نسرع بدراسة
واقعنا الاجتماعي وتأمله والبحث عن مواطن الخلل لإصلاحها قبل أن يطغى السيل ويتسع
الخرق على الراقع فلا نتمكن من فعل شيء. وحينها نعض أصابع الندم ولات ساعة مندم.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..كان
من المقدر أن يكون الصيف بإجازته مدرسة من وراء المدرسة، وعاملاً تربوياً مهماً
لنا ولإخواننا، ولكننا ـ وللأسف ـ نشاهد أنه قد تحول عند كثيرين إلى معول هدم لكل
ما بني طوال العام، فلم يا ترى؟
إنها جملة من الآفات التي نستطيع أن
نسميها بآفات الصيف!!
ومنشأ هذه الآفات كلها الفهم الخاطئ
للصيف وإجازته، فنحن نسميها الإجازة الصيفية أو العطلة الصيفية! والإجازة مأخوذة
من قولهم: أجاز له ذلك أي سوغه، وأجاز له البيع أي أمضاه، وأجاز الموضع أي سلكه
وخلفه وراءه.
والعطَل في اللغة كما قال الصاغاني:
"فقدان الزينة والشغل، والأعطال من الرجال الذين لا سلاح معهم، والتعطيل:
التفريغ والإخلاء وترك الشيء ضياعاً، وإبل معطلة لا راعي لها، وتعطل الرجل بقي بلا
عمل.. ويقال للدلو التي انقطع حبلها فلم يعد يستقى بها: العطِلة".
وهكذا تسرب هذان المعنيان اللغويان إلى
واقعنا، أو قل استدعيناهما نحن إلى واقعنا، فصار معنى الصيف عندنا وصار مفهومه عند
الكثيرين هو: تسويغ ضياع الأوقات، وإمضاؤها في غير نفع، وتخليف جلائل الأعمال
وراءنا، والفراغ من الشغل، وترك المهمات ضياعاً، وإهمال الراعي (ولي الأمر)
لرعاياه من الأبناء.
نعم، ترى بعض الأباء حريصاً على ابنه في
زمن الدراسة، يحاول أن يقنن أوقات لعبه، وأن يصرفه إلى الدرس والجد، فإذا جاء
الصيف ترك له الحبل على الغارب يفعل ما يشاء، ويأتي ما أراد!! بل ربما قال له
مشجعاً على الدراسة: ادرس الآن، وإذا جاءت الإجازة فافعل ما تشاء!!
وهكذا نعمق هذا المفهوم الخطير للإجازة
لدى أبنائنا ومن نعول!
عجيب أمرنا أيها الإخوة، أليس المسلم
محاسباً على كل نفَس من أنفاسه؟ أليس هو مسؤولاً عن كل دقيقة من دقائق عمره، مجزياً
عن كل لحظة من لحظات يومه؟
أليس ما ألقي علينا من مهمات جسام لا
تكاد تسعها أوقاتنا؟ أما قال الله تعالى:
فَإِذَا
فَرَغْتَ فَٱنصَبْ
وَإِلَىٰ رَبّكَ
فَٱرْغَبْ
مر ابن عقيل رحمه الله يوماً على صبيان أمضوا عامة يومهم في اللعب فقال: ما هذا؟
فقالوا: فرغنا! فقال: أو بهذا أمر الفارغ؟ أين أنتم من قوله تعالى:
فَإِذَا
فَرَغْتَ فَٱنصَبْ
وَإِلَىٰ
رَبّكَ فَٱرْغَبْ
؟
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..كيف
يسوغ في عقل أن يكون لدى الإنسان المسـلم وقــت (معطـل) ووقته هو مادة حياته؟ قال
ابن القيم رحمه الله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو يمر مر السحاب،
فما كان من وقته لله و بالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته وإن
عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير
ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته".
كان أسلافنا يستشعرون ضيق الزمن وأن ما
قدر لهم من سنين في هذه الحياة لا يكفي للقيام بما ندبوا له من واجبات، لذا كانوا
حريصين على كل ساعة بل على كل دقيقة بل على كل لحظة و نفَس، هاهو الإمام ابن عقيل
يقول: "وأنا أُقصِر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء
على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت في المضغ، توفراً على مطالعة أو تسطير فائدة لم
أدركها"!!
ولله در أولئك من رجال..
وهكذا إذا أيها الإخوة يكون الفهم
الخاطئ للإجازة الصيفية أو العطلة الصيفية مدعاة إلى كثير من التفريط.
ولعل البعض الآن يتساءل ويقول: أتريدنا أن نحمل كابوس الدراسة في أيام الإجازة؟
أم تريدنا في نصَب دائم لا نرتاح؟ أم تريدنا في جد دائم لا ترويح فيه؟
فيقال لهؤلاء إن الله قد أذن لنا
بالتمتع بالطيبات:
قُلْ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ
مِنَ ٱلرّزْقِ قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا
خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
ولكننا نحتاج إلى أن نعالج مفهومًا خاطئًا وهو أن الإجازة فراغ محض, وسهر وضياع
أوقات ومن تصور ذلك واعتقده فلن يفعل شيئاً ذا بال، ولن ينتج له في هذا الوقت
النفيس شيء ينفعه, ولكن عندما يتصورها فرصة للاستجمام وتطوير الذات فسوف ينجز
أشياء ذات بال دون أن يبخس حق نفسه من الراحة والمرح، ورحم الله من قال:
أفـد
طبعـك المكدود بالهـم راحـة يجم وعلله بشيء من المزح
ولكن
إذا أعطيته ذاك فليكـن بمقـدار ما
يعطى الطعام من الملـح
فكل ما تريد ولا يزد الملح في طعام،
فيصبح غير صـالح للأكل.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم,
ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي
ولكم,إنه هو الغفور الرحيم.
::
الخطبة الثانية ::.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وجعل
الظلمات والنور, ثم الذين كفروا بربهم يعدلون, أحمده تعالى وأشكره, وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, بعثه الله رحمةً
للعالمين, بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا, فبلغ الرسالةَ أحسنَ البلاغ, وأدى
الأمانة أتم الأداء, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فصلى الله عليه
وسلم, وعلى آله وأصحابه, وعلى سائر عباد الله الصالحين.
أما بعد:فاتقوا
الله عباد الله ولا موتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى
الله عليه وسلم .. ومن
آفات الصيف الناشئة عن المفهوم الخاطئ
للإجازة: السهر المفرط في غير طاعة.
فقد تعودت كثير من مجتمعاتنا السهر إلى
ساعات متأخرة من الليل أمام التلفاز أو في أحاديث فارغة لا جدوى منها، أو في
الولائم والأعراس! ولو لم يكن في هذا السهر إلا مخالفة هدي النبي
لكفى بذلك سوءاً فقد روى البخاري رحمه الله عَنْ
أَبِي بَرْزَةَ
أَنَّ
النبي
كَانَ
يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا.
قال ابن حجر رحمه الله: "لأن السمر
بعدها قد يؤدي إلى النوم عن الصبح أو عن وقتها المختار أو عن قيام الليل، وكان عمر
بن الخطاب يضرب الناس على ذلك ويقول أسمراً أول الليل ونوماً آخره؟" وقال
أيضاً: "والمراد بالسمر ما يكون في أمر مباح لأن المحرم لا اختصاص لكراهته
بما بعد صلاة العشاء بل هو حرام في الأوقات كلها".
ولم يستحب الرسول
السمر بعد العشاء إلا في الأمور النافعة من
العبادة أو الفقه والخير أو ملاطفة الأهل والضيف، فقد ورد في كل ذلك من الأحاديث
ما يرخص فيه أو يستحبه , وبناء على ما سبق نستطيع أن نعتب على كثير من إخواننا
سهرهم في قيل وقال، وتضييع أوقات ولعب حتى يؤول بهم الأمر إلى النوم عن صلاة
الفجر!!
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ومن
آفات الصيف، التجمعات الرصيفية وكثير من تجمعات الاستراحات, وهي ظاهرة ـ وإن كانت
موجودة طوال العام ـ تكثر في فترة الإجازة.
وهؤلاء أقل ما يقال في حال كثير منهم
أنه اجتماع على مباح وفراغ وضياع للأوقات, فضلاً عن أن يكون اجتماعهم على محرم,
ويقال لهؤلاء:
قد
هيأوك لأمر لو فطنت له فاربأ
بنفسك أن ترعى مع الهمل
أربأ بك أخي أن يكون هذا حالك، وأذكرك بأن من
كان في سنك من أسلافنا كان لا يُرى إلا في جهاد وغزو أو في مجلس علم وذكر أو على
الأقل في بيته يعين أبويه على أمورهما.
أريدك أن تعلم يا أخي أن بعض هذه
التجمعات بداية الانحراف، وأن كثيرين دخلوا من بواباتها إلى عالم الخمور والمخدرات
والفواحش.
وأريدك أن تعلم أن هذا الذي أوبقته
الكبائر يأبى أن يراك نقياً طاهراً وهو ملوث بالعصيان، فيحرص على إغوائك و إضلالك
ويبدأ معك من جلسة على الرصيف وينتهي بك إلى عالم مظلم مخيف.
فكن حصيفاً يا أخي واحذر…
وكن أيها الأب حصيفاً واحذر على ابنك
قبل أن تفاجأ في يوم أنه أُخِذ مجرماً، أو أنه صار على غير ما تحب.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الأصل في حياة الإنسان الجد والعمل, والترفيه والترويح طارئ ليجدد على
الإنسان نشاطه حتى يعود لعمله بخير حال, أمّا أن يُصبِحَ التّرويح للنَّفس طابعَ
الحياة في الغدوِّ والآصالِ والخَلوة والجَلوة, وهمًّا أساسًا في الحياة فهو خروجٌ
به عَن مقصده وطبيعته واتّجاهٌ بالحياة إلى العَبَث والضّياع، والإنسانُ الجادّ
عَلَيه أن يجعلَ للّهوِ والترويح له ولمن يعوله وقتًا، ويجعَل للعمل والجدّ
أوقاتًا، لا العكس، لاَ سِيّما ونحن نعيش في عَصرٍ استَهوَت معظمُ النّفوسِ فيه
كلّ جديد وطريف، حتّى صارت أكثرَ انجذابًا إلى احتِضَان واعتناقِ ما هو وافِدٌ
عليها في ميدان اللّهو والمرَح، ولا غروَ في ذلك ، فإنّ الاسترخاءَ الفكرِيّ
وهَشاشةَ الضابِط القِيمِيّ لدى البَعضِ منّا سببهما الانغماس في الترويح وجعله
أساسًا في الحياة على حساب العمل الذي هو الأساس في حياة الإنسان.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة
أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة
الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم
صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم
أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه
بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق