إصلاح البيت المسلم الجمعة 6/5/1435هـ
إن
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ
ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ},
{ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً
كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا
قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا
عظيما).
أما
بعد: فإن
البيوت نعمة من نعم الله عز وجل على عباده، قال الله تعالى في سياق الامتنان على
عباده: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [الحجر:8]، فالبيت
ضروري لكل حي حتى البهائم، فكل حي لا بد له أن يأوي إلى بيت.
إذا
علمنا أن البيوت نعمة فإنه يجب شكر هذه النعمة، وشكر هذه النعمة يكون بتسخيرها في
طاعة الله والبعد عن معصيته، ومن أسوء الأمور أن تسخر هذه النعمة في معصية الله,
أو تهمل حتى تكون مكانًا يعصى الله فيه, ولذلك فإنه يجب عليك ـ أيها المسلم ـ
الاهتمام بإصلاح بيتك لعدة أمور منها:
أولاً:
وقاية النفس والأهل نار جهنم، والسلامة من عذاب الحريق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
ثانيًا:
عظم المسؤولية الملقاة على راعي البيت أمام الله يوم الحساب، قال صلى الله عليه
وسلم: ((إن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل
الرجل عن أهل بيته)) رواه النسائي وابن حبان عن أنس وهو في صحيح الجامع والسلسلة
الصحيحة.
ثالثًا:
أنه المكان لحفظ النفس والسلامة من الشرور وكفّها عن الناس، وهو الملجأ الشرعي عند
الفتنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على
خطيئته)) رواه الطبراني في الأوسط عن ثوبان وهو في صحيح الجامع، وقال صلى الله
عليه وسلم: ((سلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته)) رواه الديلمي في مسند الفردوس
عن أبي موسى وهو في صحيح الجامع.
رابعًا:
أن الاهتمام بالبيت هو الوسيلة الكبيرة لبناء المجتمع المسلم، فإن المجتمع يتكوّن
من بيوت هي لبناته، فلو صلحت اللبنة لكان مجتمعنا قويًا بإذن الله، صامدًا في وجه
أعداء الله، يُشِع الخير، ولا ينفذ إليه الشر، فيخرج البيت الصالح إلى المجتمع
الداعية القدوة والقائد الرباني وطالب العلم المجتهد والمجاهد الصادق والشاب
الغيور على دينه وعلى عرضه والبنت العفيفة الطاهرة والزوجة المخلصة والأم المربية
وبقية الصالحين المصلحين.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إذا كان
الموضوع بهذه الأهمية فإن بيوت كثير من الناس اليوم قد نزلت بها المنكرات الكثيرة
وأصاب بعضها الضياع والتفريط والحرمان بسب إهمال إصلاح البيوت، فلذلك فإننا
سنتناول في هذه الخطبة بعض وسائل إصلاح البيوت، فنقول: تكوين البيت وإصلاحه يكون بعدة
أمور منها:
حسن
اختيار الزوجة، حيث ينبغي على صاحب البيت انتقاء الزوجة الصالحة بالشروط التي
ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها
ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) متفق عليه.
كما
ينبغي التبصر في حال الخاطب الذي يتقدم للفتاة التي استرعاك الله عليها، والموافقة
عليه حسب الشروط التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم من ترضون خلقه
ودينه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض)) رواه ابن ماجه وهو في
السلسلة الصحيحة.
فالرجل
الصالح مع المرأة الصالحة يبنيان بيتًا صالحًا؛ لأن البلد الطيب يخرج نباته بإذن
ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا.
ومن
وسائل إصلاح البيوت: السعي في إصلاح الزوجة، فإذا كانت الزوجة صالحة فبها ونعمت،
وهذا من فضل الله عز وجل، وإن لم تكن بذاك الصلاح فإن من واجبات رب البيت السعي في
إصلاحها، وذلك بالاعتناء بتصحيح عقيدتها وعبادتها بكافة أنواعها، والسعي لرفع
إيمانها، وذلك بحثها على قيام الليل وتلاوة الكتاب العزيز وحفظ الأذكار والتذكير
بأوقاتها ومناسباتها، وحثها على الصدقة وقراءة الكتب الإسلامية النافعة وسماع المحاضرات
والبرامج المفيدة، ومتابعة إمدادها بها، وإشراكها في دور تحفيظ القرآن, واختيار
صاحبات لها من أهل الدين تعقد معهن أواصر الأخوة، وتتبادل معهن الأحاديث الطيبة
والزيارات الهادفة، ودرء الشر عنها، وسدّ منافذه إليها بإبعادها قدر الإمكان عن
قرينات السوء وأماكن السوء.
ينبغي
أن يكون البيت مكانًا لذكر الله وشكره، قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل البيت الذي
يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مَثَل الحيّ والميت))، فلا بد من
جعل البيت مكانًا للذكر بأنواعه المختلفة، سواء ذكر القلب، أو ذكر اللسان، أو
الصلوات وقراءة القرآن، أو مذاكرة العلم الشرعي وقراءة كتبه المتنوعة. وكم من بيوت
للمسلمين اليوم ميتة بعدم ذكر الله فيها، بل ما هو حالها إذا كان الذي يذكر فيها
هو ألحان الشيطان من المزامير والغناء والغيبة والنميمة والبهتان؟! وكيف حالها وهي
مليئة بالمعاصي والمنكرات ؟ فأحيوا بيوتكم ـ رحمكم الله ـ بذكر الله.
اجعلوا
بيوتكم قبلة، وذلك باتخاذ البيت مكانًا للعبادة، قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا
إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ}
[يونس:87]، قال ابن عباس: (أُمروا أن يتخذوها مساجد).
لنربي
أنفسنا وأهلينا على الإيمان الذي يتبعه العمل، فعن عائشة قالت: كان رسول الله يصلي
من الليل، فإذا أوتر قال: ((قومي فأوتري يا عائشة)) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه
وسلم: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، فأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في
وجهها الماء)) رواه أحمد. ومما يزيد الإيمان ترغيب النساء في الصدقة، وهو أمر عظيم
حثّ عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني رأيتُكن أكثر
أهل النار)) رواه البخاري.
ومن
وسائل إصلاح البيوت الاهتمام بالأذكار الشرعية والسنن المتعلقة بالبيوت، فمن ذلك
أذكار دخول المنزل والخروج منه، وأذكار الصباح والمساء، وغير ذلك.
علينا
أن نقوم بتعليم أهالينا الأحكام المتعلقة بالصلاة والصيام، وجميع أركان الإسلام
والإيمان، وأحكام الحلال والحرام، ومما يساعد في ذلك إتاحة المجال لهم ليتفقهوا في
الدين، وإعانتهم على الالتزام بأحكام الشريعة، وعمل مكتبة إسلامية في البيت، وليس
بالضرورة أن تكون كبيرة، ولكن العبرة بانتقاء الكتب المهمة، ووضعها في مكان يسهل
تناولها، وحثّ أهل البيت على قراءتها.
أيها
المسلم، إن من الوسائل المهمة لإصلاح بيتك: دعوة الصالحين والأخيار وطلبة العلم
لزيارة البيت، قال الله تعالى عن نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ
دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا}[نوح:28]. إنَّ دخول أهل الإيمان بيتك يزيده نورًا،
ويحصل بسبب أحاديثهم وسؤالهم والنقاش معهم من الفائدة أمور كثيرة، فحامل المسك إما
أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، وجلوس الأولاد والإخوان
والآباء فيه تربية للجميع.
بارك
الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
الْحَمْدُ
للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى
نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا
بَعْدُ: ومن
الوسائل لإصلاح البيوت: عدم إظهار الخلافات العائلية أمام الأولاد؛ فإن إظهار ذلك
مما يزعزع تماسك البيت، ويضر بسلامة البناء الداخلي لأهل البيت، وعدم إدخال من لا
يُرضى دينه وخلقه إلى البيت، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((مثل جلس السوء كمثل صاحب الكير))،
وفي رواية البخاري: ((وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة)).
ومن
الوسائل في إصلاح البيوت الدقة في الملاحظة لأحوال أهل البيت، فكثير من الآباء لا
يعرفون من يصاحب أبناؤهم، ومع من يجلسون، ومع من يسافرون، والبنت من هن صديقاتها؟
وما مدى تعلّمها؟ وهذا الإهمال قد يكون أكبر الأسباب في انتكاس كثير من الأبناء
ووقوعهم في الشر والفساد، إلا أنه ينبغي عليك ـ أيها الأب ـ عدم تحسيس الأولاد
بفقدان الثقة بهم، ومراعاة النصح أو العقاب بأعمار الأولاد ومداركهم ودرجة الخطأ،
كما ينبغي أن تكون المراقبة خفية وليست على سبيل المجاهرة أو المداهمة.
أيها
الوالدان، عليكما بالاهتمام بالأطفال في البيت، وذلك في جوانب عدة منها: تحفيظهم
القرآن والقصص الإسلامية، والحذر من خروج الأطفال مع من هب ودب، والاهتمام بلعب
الأولاد المسلية والهادفة غير المحرمة، عليكما التفريق بين الذكور والإناث في
المضاجع، ولا تهملا الممازحة والملاطفة لهؤلاء الصغار كما كان يفعل حبيبكم صلى
الله عليه وسلم.
عليكما
بالحزم في تنظيم أوقات النوم والواجبات وحفظ أسرار البيوت، قال صلى
الله عليه وسلم: ((إن من شرار الناس عند الله منزلة
يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) رواه مسلم.
ومن
وسائل إصلاح البيوت أيضًا إشاعة خلُق الرفق في البيت، فعن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إذا أراد الله عز وجل بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق)) رواه الإمام أحمد أي:
صار بعضهم يرفق ببعض.
ومن
الوسائل أيضًا معاونة أهل البيت في عمل البيت، فقد كان صلى
الله عليه وسلم يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل
الرجال في بيوتهم، وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة
أهله ـ يعني: خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
ومنها:
مقاومة الأخلاق الرديئة في البيت كخلق الكذب والغش، تقول عائشة رضي الله عنها: كان
رسول الله إذا اطّلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث
توبة. وهو في صحيح الجامع.
وأخيرًا:
الحذر الحذر من المنكرات في البيوت، من الاختلاط بين الأقارب من الرجال والنساء,
وصور ذوات الأرواح, والتدخين واقتناء الكلاب وإدخال القنوات الفضائية التي تحوي
المنكرات،ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من المصلحين، تحظوا برضا الخالق رب
العالمين، وتكونوا عنده سبحانه من المفلحين الفائزين.
اللهم
أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظ بيوتنا وبيوت المسلمين من كل شر
ومكروه، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى
قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم
والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق