أسباب طرد الملائكة من البيوت الجمعة 24/4/1436هـ

أسباب طرد الملائكة من البيوت            الجمعة 24/4/1436هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد:  يشتكي كثير من الناس من ضعف استقرار في بيته، وقلة البركة فيه، وعدم اطمئنان النفس فيه، ولا شك أن لهذا الانزعاج، وعدم الطمأنينة أسباب .. ومن أهم هذه الأسباب: هجر الملائكة لبيوتنا.
نعم، إن عدم دخول ملائكة الرحمة، الذين يطوفون بالرحمة والبركة, والاستغفارِ لبيوت المسلمين، لهو من أعظم الأسباب في شكوى كثير من الناس من عدم الاستقرار والطمأنينة في البيوت .
والمصيبة أن هجر الملائكة لبيوتنا إنما يكون بسبب بعض الأعمال التي نعملها فنطرد بها الملائكة من بيوتنا، من حيث نشعر أو لا نشعر .. فما هي هذه الأعمال، وما الأحاديث التي وردت فيها؟
من أول الأعمال التي تطرد الملائكة من البيوت: وجود الكلب في البيت بلا ضرورة.
ففي الصحيحين عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة)).
قال النووي رحمه الله: "سَبَبُ اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْت فِيهِ كَلْب: لِكَثْرَةِ أَكْله النَّجَاسَات, وَلِأَنَّ بَعْضهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيث, وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّ الشَّيَاطِين, وَلِقُبْحِ رَائِحَة الْكَلْب وَالْمَلَائِكَة تَكْرَه الرَّائِحَة الْقَبِيحَة , وَلِأَنَّهَا مَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذهَا; فَعُوقِبَ مُتَّخِذهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُول الْمَلَائِكَة بَيْته, وَصَلَاتِهَا فِيهِ, وَاسْتِغْفَارهَا لَهُ، وَتَبْرِيكهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْته, وَدَفْعهَا أَذًى لِلشَّيْطَانِ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ كَلْب أَوْ صُورَة فَهُمْ مَلَائِكَة يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيك وَالِاسْتِغْفَار , وَأَمَّا الْحَفَظَة فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيْت , وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَم فِي كُلّ حَال, لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالهمْ وَكِتَابَتهَا".اهـ
إن من كمال دين الإسلام، وحرصه على النظافة والطهارة، أن بين لنا أضرار اقتناء الكلاب، وحذر من لعابها، ونهى عن اقتنائها إلا لفائدة مرجوة كالصيد أو الحراسة .
وإن من المؤسف حقاً، ما انتشر عند بعض الناس من اقتناء الكلاب في البيوت، تقليداً لعادات الكفار, وما علم المسكين أنه يطرد الملائكة من بيته، وأعظم من هذا أنه يضيع ما جمعه من أجور الطاعات والحسنات، ودليل هذا: الوعيد الرهيب الذي صح عن رسول الله r عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال: (مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)، وفي رواية (ينقص من أجره قيراطان كل يوم).
ومن أسباب عدم دخول الملائكة البيوت: وجود الصور المحرمة في البيت.
ويدل عليه الحديث السابق ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة)) .
قال النووي رحمه الله: "قَالَ الْعُلَمَاء : سَبَب اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ صُورَة كَوْنُهَا مَعْصِيَةً فَاحِشَة , وَفِيهَا مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى , وَبَعْضهَا فِي صُورَة مَا يَعْبُد مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى" اهـ .
والمراد بالصورة: الصورة المحرمة وهي ماكان من صور ذوات الأرواح وكان مصنوعاً بيد الإنسان، سواء كان تمثالاً مجسماً أو رسماً سطحياً، ويستثنى من ذلك لعب الأطفال وعرائس البنات، فقد جاءت الأدلة بالترخيص فيها ووجدت في أشرف بيت وهو بيت النبوة كما كان في لُعَب عائشة رضي الله عنها .
واختلف علماؤنا في الصور الحديثة الفوتوغرافية الملتقطة بالآلة دون فعل الإنسان، ومع القول بجوازها فإنه لا يجوز تعليقها على الجدران أو الملابس، لأن تعليقها ذريعة لتعظيمها .
ومن أسباب هجر الملائكة للبيوت: وجود الجرس والموسيقى.
فعن بُنَانَةَ مَوْلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ الْأَنْصَارِيِّ أنها كانت عند عَائِشَةَ رضي الله عنها, إِذْ دُخِلَ عَلَيْهَا بِجَارِيَةٍ وَعَلَيْهَا جَلَاجِلُ يُصَوِّتْنَ، فَقَالَتْ لَا تُدْخِلْنَهَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ تَقْطَعُوا جَلَاجِلَهَا وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ . رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة t أن النبي r قال: "الجرس مزامير الشيطان" .
والمراد بالجرس حديدة مقوسة أو مدورة أو مربعة, يوضع فيها حلقة، والحكمة في ذلك أن صوت الجرس محبوب للشيطان ولذا نُهيَ عنه .
قال ابن حجر : الكراهة لصوته لأن فيه شبهاً بصوت الناقوس وشكله" ا.هـ
ولا يتعلق بالجرس ما يسميه الناس اليوم أجراس البيت أو الساعات
أو جرس تنبيه الجوال, لأن هذا اسم اصطلاحي، ولكن يُمنع من جرس البيت أو الساعة ما كان على أصوات الموسيقى وأنغامها، أو ما كان شبيهاً بنواقيس النصارى وشعار كنائسهم فإنه يمنع لذلك .
وإذا كان هذا في مجرد وجود الجرس وصوته، فكيف بأصوات الموسيقى ومزامير الشيطان التي كثر وجودها في البيوت وللأسف، حتى إنك لتدخل البيت فترى فيه مضخمات الصوت الكبيرة وما يسمى بالمسرح المنزلي الذي ترتج منه جدران البيت، لا بالقرآن والذكر، بل بالموسيقى المحرمة ومزامير الشيطان، فكيف يكون للملائكة قرار في هذا البيت؟ وهل هذه الأغاني والموسيقى إلا وسيلة لجلب الشياطين ونزع السكينة ومحق البركة من البيت؟ .
        بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله  على إحسانه, والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه, والصالة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وإخوانه, وسلم تسليمًا كثيرًا,
أما بعد: ومن أسباب طرد الملائكة من البيوت: وجود الروائح الكريهة في المنزل.
فقد ورد روى مسلم عن جابر t قال: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ)).
فكل رائحة كريهة تنفر الملائكة وتبعدهم عن الإنسان وعن البيت كما ذكر أهل العلم، وكثير من الناس لا يبالي بهذه القضية، فتجد رائحة بيوتهم كريهة نتنة، وربما انتشرت فيها رائحة سجائر الدخان الخبيثة .. وما يقال في الدخان المحرم وأضرارِه المختلفة، ومنها رائحته الخبيثة، أعظم مما يقال في البصل أو الثوم .
وإذا كان رسول الله r نهانا أن نقرب الثوم والبصل إلا بعد طبخها لما له من رائحة كريهة تتأذى منها الملائكة، فإن تأذي الملائكة برائحة الدخان المحرم أشد وهي من باب أولى .
فكن حريصاً أخي المسلم أن يكون بيتك نظيفاً طيباً، وأن تكون رائحتك طيبة حتى تصحبك الملائكة، فلقد أوصانا النبي r بالتطيب ورغبنا فيه، وكان الطيب من أحب الأشياء إليه .
ومن أسباب هجر الملائكة للبيوت: وجود البول المنتقع في البيت.
فعن عبد الله بن يزيد t عن النبي r قال: "لا ينقعْ بول في طست في البيت, فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع" رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني .
وهذا الأمر مما تتأذى منه الملائكة كذلك، فإن البول إذا ترك مدة في المنزل (ولو في دورة المياه) ظهرت منه رائحة خبيثة كريهة، ولا يبعد أن يكون له أضرار أخرى على الصحة العامة في البيت، فيستفاد من هذا الحديث الصحيح، المسارعة إلى سكب الماء في على البول وما كان مثله في الحكم كالغائط ونحوه، وعدم ترك هذه النجاسات طويلاً في دورات المياه، لئلا تنتقع، فتحدث الأضرار والروائح الكريهة، وتطرد الملائكة من البيت .
نقول هذا الكلام، ولا حياء في الدين، بل إن من عظمة هذا الدين حرصُه على النظافة والصحة العامة، ومراعاةُ آداب قضاء الحاجة، فاتقوا الله عباد الله وأكرموا الملائكة في بيوتكم، واحرصوا على قربها منكم، فإن مصاحبتها للإنسان من أجلِّ نعم الله عز وجل عليه، وإن مفارقتها له ولبيته من علامات الشقاء والحرمان، والله المستعان .

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة