آفات الصيف الجمعة 7/7/1432هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد:
إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ كِتابُ اللهِ
المَنْبِعُ الملَيءُ بِالهُدَى وَالحَقِّ، بِهِ يِجِدُ المُسِلمُ نُورًا يُضِيءُ
لَهُ طِريقَهُ،وفِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ آيَاتٌ جَدِيرَة بِأَنْ يُتوقَفَ
عِنْدَهَا طَوِيلاً، وَيُعَادَ النَّظرُ فِيهَا ويُكَرَّرَ التَّأمُّل، يَقُولُ
اللهُ سُبحَانَهُ:
لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[يوسف: 111].
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إِنَّ
أَكْثرَ مَنْ وَرَدَ الحَديثُ عَنهُمْ فِي القُرْآنِ هُم بَنو إسْرَائيلَ، فِي
قَصَصٍ تُفْزِعُ مَنْ فِي قَلبِهِ إيمَانٌ وَمَنْ يَخَافُ اللهَ، وَمِنْ ذَلِكَ
قِصَّةٌ فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ، أقَضَّتُ مَضَاجِعَ, وَحَرَكَتْ قُلوبًا,
وَأسَالتْ عُيُونًا، يَقُولُ الله سبُحَانَهُ:
وَاسْأَلْهُمْ
عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي
السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا
يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
وَإِذْ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
فَلَمَّا
عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
[الأعراف: 163-166].
زعمت اليَهُودَ لِرَسُولِ
أَنَّ بَنِي إسْرَائيلَ لَمْ يَكُنْ فِيهمْ
عِصْيَانٌ وَلاَ مُعَانَدَةٌ وَلاَ مُخَالَفَةٌ لَمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا
عَنهُ، فَأَمرَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْألهم عَنْ هَذه
القَرْيةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى البَحْرِ وَهِيَ قَريةُ أَيْلَةَ، وَكَانَ أَهلُ
هَذِهِ القَرْيَةِ مِنَ اليَهُودِ، وَكَانُوا أَهلَ صَيدٍ، فَكَانَ اللهُ قَدْ حرم
عليهم الصَّيْدَ يَومَ السَّبْتِ، وَسَمَحَ لَهمْ أَنْ يَصِيدُوا بَقِيَّةَ
الأَيَّامِ، وأمر اللهُ الحِيتَانَ أَنْ تَغيبَ عَنْ شَاطِئِ البَحْرِ طُولَ
الأُسُبوعِ وَلاَ تَخْرُجَ إلاَّ يَومَ السَّبْتِ، ذَلِكَ اليَومُ الَّذِي مُنِعَ
الصَّيدُ فِيهِ، فَمَلّت يهودُ مِنْ هَذَا الوَضْعِ فَارْتَكَبُوا المَعْصِيةَ
مِنْ أَجلِ الحُصُولِ عَلَى الصَّيدِ، فَحَفَرُوا حُفَرًا عِندَ جَانِبِ البَحْرِ،
فَإِذَا سَقَطَتْ فِيهَا الحِيتَانَ يَوم السَّبْتِ أغلقُوا عليهَا بأحجارٍ، فإذا
جاءَ يومُ الأحدِ استخرَجُوها وباعوهَا وقالوا: لم نَصِدْ يومَ السبتِ، حَتَّى
كَثُرَ ذَلِكَ بَينَهمْ وَمُشِيَ بِهِ فِي الأَسْوَاقِ، فَنَهَضَتْ مِنهُم
فِرْقَةٌ وَنَهَتْ عَنْ ذَلِكَ وأنكرته, وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ،
وَفِرْقَةٌ أُخْرَى لَمْ تَعْصِ وَلَكِنَّهَا لَم تَنْهَ عَنْ هَذِهِ المَعْصِيِةِ،
بَلْ إِنَّهم قالُوا للنَّاهِينَ عَنهَا:
لِمَ
تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا
.
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ المُنْكِرِينَ اعْتَزَلُوا أصَحابَ
المَعَاصِي حَتَّى إِنَّهمْ قَالُوا: لاَ نُسَاكِنُكُمَ أَبَدًا، فَبَنَوا
جِدَارًا بَينَهمْ يَفْصِلُهمْ عَنْهُمْ.
أصْبَحَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَومٍ فِي
مَجَالِسِهمْ وَلَم يَخْرُجْ مِنْ أَصْحَابِ المَعَاصِي أَحدٌ، فَقَالُوا: إنَّ
للِنَّاسِ لَشَأنًا، فَعَلَوا مِنْ عَلَى الجِدَارِ فَنَظَرُوا فَإِذَا أَصْحَابُ
المَعْصِيَةِ وَالسَّاكِتينَ عَنهَا قَدْ قَلَبَهُم اللهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ،
فَفَتَحُوا البَابَ وَدَخَلُوا عَلَيهمْ، فَعَرفَتِ القِرَدَةُ أَقَارِبَهمْ مِنَ
الإِنْسِ وَلَمْ تَعْرِفِ الإنْسُ أَقَارِبَهم مِنَ القِرَدَةِ، فَجَعَلَ القِرْدُ
يَأتِي قَرِيبَهُ مِنَ الإِنْسِ فَيَشُم ثِيَابَهُ وَيَتَحَسَّسُهُ وَيَبْكِي،
فَيَقُولُ لَهُ الإِنْسِيُّ: أَلمَ نَنْهَكُم؟! فَيَقُولُ القِرْدُ بِرَأسِهِ:
نَعمْ. هَكَذَا ذَكَرَ بعض أَهلُ التَّفْسِيرِ هَذِهِ القِصَّةَ وَأسْنَدُوهَا
إِلى بَعضِ التَّابِعيِنَ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
إِنَّ النَّاظِرَ فِي قَصص بَنِي إسْرَائِيلَ لَيَرَى عَجَبًا، لَقدْ كَانَ لليَهودِ
أوَّلَ أمرِهم شَأنٌ عَظِيمٌ، أثَنَى اللهُ تعالى عَلَيهمْ وَمَدَحَهُمْ:
وَلَقَدْ
نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
مِنْ
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ
وَلَقَدْ
اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
[الدخان: 30-32]، وَلَكِنّ النِّعَمَ لاَ تَدُومَ، وَالشَّرَفَ لاَ يَبْقى مَتَى
خَالَفَ النَّاسُ أَمرَ اللهِ سُبْحَانَهُ، والنَّقْصُ أوَّلَ مَا جَاءَ إِلى بَنِي
إِسْرَائِيلَ كَانَ بَسَببِ تَرْكِ الأمْرِ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ
المُنْكَرِ، فَفِي مُسْنَدِ الإمَامِ أَحمدَ والسُّنَنِ ـ وَهَذَا لَفظُ أبِي
دَاودَ ـ عَنْ عَبدِ الله بِنِ مَسْعودٍ رَضَيَّ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ
اللهِ
:
((إنَّ أَولَ ما دخلَ النقصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائيلَ أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ
يَلْقَى الرجلَ فَيَقُولُ لَهُ: اتقِّ اللهَ ودَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لاَ
يَحلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلقَاهُ مِنَ الغَدِ فَلاَ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ
أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وَقَعِيدَه، فَلَّما فَعَلُوا ذَلِكَ ضَربَ اللهُ قلُوبَ
بَعضِهمْ بِبَعْضٍ))، ثُمَّ قال:
لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
كَانُوا
لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
[المائدة: 78، 79].
لأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللهُ عَنهمُا: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوبِيخًا مِنْ هَذِهِ
الآيَةِ:
لَوْلا
يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ
وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
[المائدة: 63].
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
إِنَّ الأَمرَ بالمعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَر مِنْ أوْجَبِ الأَعْمَالِ
وَأهَمِّ أُمورِ الدِّينِ، ولا قوامَ لدينِ الإسلامِ إلا بالأمرِ بالمعروفِ
والنهيِ عنِ المنكَرِ، وفي القيامِ بهذا الأمرِ منَ الفَضائِلِ الكَثيرةِ
وَتَحْصيلِ المنَافِعِ العَامَّةِ والخَاصَّةِ, وَدَرْءِ المَفَاسدِ مَا يَدعُو
كلَّ عَاقِلٍ إلى الاهْتِمَامِ بِهِ، فَبِهِ تَعْلُو كَلِمَةُ اللهِ وَيَظْهَرُ
دِينهُ، وَبِتَرْكِ ذَلِكَ يَضْعفُ الإسْلاَمُ وَأهْلُهُ.
يَقُولُ ابنُ عَقِيلٍ رَحمهُ اللهُ
وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ القَرْنِ الخَامِس: "مِنْ أَعظمِ مَنَافِعِ الإسْلاَمِ
وَآكَدِ قَواعِدِ الأدْيَانِ الأَمرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ
وَالتَّنَاصُحُ، فَهَذَا أَشَقُّ مَا يَحمِلُهُ المُكَلَّفُ؛ لأنَّهُ مَقَامُ
الرُّسُلِ حَيثُ يَثْقُلُ صَاحِبُهُ عَلَى الطّبِاعِ وَتَنُفُر مِنهُ نُفُوسُ
أهْلِ اللَّذَاتِ، وَيَمْقَتُهُ أهَلُ الخَلاَعَةِ، وَهُوَ إِحياءٌ للسُّنَنِ وَإِمَاتَةٌ
للبِدَعِ"، إِلى أَنْ قَالَ: "لَوْ سَكَتَ المُحِقُّونَ ونَطَقَ
المُبْطِلُونَ لَتَعوَّدَ النَّشْءُ عَلَى مَا شَاهَدُوا وَأَنْكَرُوا مَا لَم
يُشَاهِدُوا، فَإِذَا أحْيَا المُتَدَيِّن سُنَّةً أَنْكَرَهَا عَلَيهِ النَّاسُ
وَظَنُّوهَا بِدْعَةً".
العَاقِلُ مَنِ اعْتَبَرَ بِمَنْ مَضَى
مِمَّنْ زَالَ أمْرُهُم وَانْتَهَى خَبَرُهْم، لما خَالَفُوا أمْرَ اللهِ
وَارْتَكَبُوا مَعَاصِي اللهِ، وَالسَّعِيد مَنْ وُعِظُ بِغَيرِهِ. رَوَى الإمام
أحمدُ فِي الزُّهْدِ وَأبُو نَعَيمِ فِي الحِلْيَةِ مِنْ طَريقِهِ عَنْ جُبَيرِ
بنِ نُفَيرٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُص وَفُرِّقَ بَينَ أَهْلِهَا فَبَكَى
بَعْضُهم إلى بَعْضٍ رَأَيتُ أبَا الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَالِسًا
وَحْدَهُ يَبْكِي، فقلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء، مَا يُبْكِيكَ في يَوم أَعَزَّ
اللهُ فِيهِ الإسْلاَمَ وَأهْلَهُ؟! فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا جُبَيرُ، مَا أَهْوَنَ
الخَلْقَ عَلَى اللهِ إذَا هُمْ تَرَكُوا أمْرَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ
قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهم المُلْكُ، تَرَكُوا أَمْرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فصَارُوا
إِلَى مَا تَرونَ.
إِنَّهُ لَيسَ أُمَّةٌ مِنَ الأمَمِ
بِمَنْجَاةٍ مِنَ العُقُوبَةِ العَاجِلَةِ، وَذَلِكَ حِينَمَا تَنْقَلِبُ عِندَهَا
المَوَازِينُ، فَتُحْيَا البِدَعُ وتُمَاتُ السُّنَنُ، ويجاهر بالمعاصي,وَيُنْهَى
النَّاسُ عَنِ الكَلاَمِ.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم,
ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي
ولكم,إنه هو الغفور الرحيم.
::
الخطبة الثانية ::.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض,
وجعل الظلمات والنور, ثم الذين كفروا بربهم يعدلون, أحمده تعالى وأشكره, وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, بعثه الله رحمةً
للعالمين, بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا, فبلغ الرسالةَ أحسنَ البلاغ, وأدى
الأمانة أتم الأداء, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فصلى الله عليه
وسلم, وعلى آله وأصحابه, وعلى سائر عباد الله الصالحين.
أما بعد:فاتقوا
الله عباد الله ولا موتن إلا وأنتم مسلمون.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..
الأَمرُ باِلمَعْرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ
المُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ، يَقُولُ الرَّسُولُ
:
((مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لمْ يَسْتَطِعْ
فَبِلِسَانِهِ، فَإن لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه، وذلكَ أَضْعَفُ الإيمانِ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
إن
هَذَا الحَدِيثُ يَسْتَدِلُّ بِهِ النَّاسُ فِي تَرْكِهمُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ
لِعَدمِ قُدْرَتِهم، وَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا الحَديثَ لَمْ يَدَعْ لأيِّ شَخْصٍ
مَقَالاً؛ فَإِنَّ مَنْ لَم يُنْكِرِ المُنْكرَ فَإِنَّ قَلْبَهُ خَال مِنَ
الإِيمَانِ، يَقُولُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (هَلَكَ مَنْ
لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ مَعْروفًا وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَرًا) رَوَاهُ ابنُ
جَرِيرٍ. فَمَنْ لَم يُنْكِرِ المُنْكَرَ بِقَلْبِهِ بَأَنْ يُبْغِضَهُ
وَيَكْرَهَهُ وَيَمْقُتَ فَاعِلَهُ فَلَيسَ بِمُؤمِنٍ؛ لِقَولِ الرَّسُولِ
فِي
رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ((وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ
مِنَ إيماَنٍ)).
إنَّ
الأمرَ بالمعرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لَيسَ قَاصِرًا عَلَى أشَخاصٍ معينين،
بَلْ كُلّ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَحْتَ وِلاَيَتِهِ وَتَحْتَ مَسْؤولِيَّتِهِ،
((كُلكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))، وَلَو أَنَّ النَّاسَ أصْلَحُوا
مَنْ تَحْتَ أيدِيهم أَوْ سَعَوا فِي إِصْلاَحِهِم لأَصْلَحَ اللهُ مَنْ
فَوقَهُمْ، رَوَى النَّسائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ أَنَّ الرَّسُولَ
قَالَ:
((إنَّ الناسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ ــ يَعْنِي: صَاحِبَ المَعْصِيَةِ ــ
فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعقابٍ منهُ)).
يَنْبَغِي
للمُؤمِنِ أنْ يَلْتَمِسَ رِضَا اللهِ تَعَالَى عَلى كُلِّ شَيءٍ وَإنْ سَخِطَ
عَلَيهِ النَّاسُ كُلّهُمْ، كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا أنِ اكْتُبِي لِي كِتَابًا تُوصِينَنِي فِيهِ وَلاَ تُكْثِرِي عَلَيَّ،
قَالَ: فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا إِلى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنهُ: سَلاَمٌ عَلَيكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
يَقُولُ:
((مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤنَةَ النَّاسِ،
وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلى النَّاسِ))
وَالسَّلاَمُ عَلَيكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ بِسَندٍ صَحيحٍ.
إِنَّ
المَلاَمَةَ لَتَزْدَادُ حِينَ يَتْرُكُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَنْ هُوَ قَادِرٌ
عَلِيهِ، يَقُولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهِ فِي وَصْفِ حَالِ النَّاسِ مَعَ
الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: "وَمَنْ لَهُ خِبرَة
بِمَا بَعثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ
وَبِمَا
كَانَ عَلَيهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَأَى قِلَّةَ دِيَانَةِ النَّاسِ فِي جَانِبِ
الأمْرِ والنَّهْيِ، وَأَيُّ دِينٍ وَأَيُّ خَيرٍ فِيمَنْ يَرَى مَحَارِمَ اللهِ
تُنْتَهَكُ وَحُدُودَهُ تُضَاعُ وَدِينَهُ يُتْرَكُ وَسُنَّة رَسُولِهِ
يُرغَبُ
عَنْهَا وَهُوَ بَارِدُ القَلْبِ وَسَاكِتُ الِّلسَانِ؟! شَيطَانٌ أَخْرَسُ كَمَا
أَنَّ المُتَكَلِّمَ بِالبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ، وَهلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ
إِلاَّ مِنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ إذَا سَلِمَتْ لَهمْ مَآكِلُهُمْ
وَرِيَاسَاتُهُمْ فَلاَ مُبَالاَةَ بِمَا جَرَى عَلَى الدِّينِ؟! وَخَيرُهُمُ
المُتَلَمِّظُ المُتَحَزِّنُ، وَلَو أَنَّهُ نُوزِعَ فِي بَعْضِ مَا فِيهِ
غَضاضَةٌ عَلَيهِ فِي جَاهِهِ أَو مَالِهِ لَبَدَّلَ وَتَبَدَّلَ، وَجَدَّ
وَاجْتَهَدَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرَاتِبَ الإِنْكَارِ الثَّلاَثَةَ بَحَسْبِ وسْعِهِ،
وَهَؤلاءِ مَعَ سُقُوطِهمْ مِنْ عَينِ اللهِ وَمَقْتِ اللهِ لَهمْ قَدْ بُلُوا فِي
الدُّنْيَا بِأَعْظَمِ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، وَهُوَ مَوتُ
القُلُوبِ؛ فَإِنَّ القَلْبَ كلَّمَا كَانَتْ حَياتُهُ أَتَمَّ كَانَ غَضَبُهُ
لِلهِ وَرَسُولِهِ أقَوَى وَانْتِصَارُهُ للدِّينِ أَكْمَلَ".
فاللهم
اجعلنا من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يا رب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل
للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم
وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة
أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة
الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم
صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم
أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم
أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه
بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق