الإجازة .. والقصير الجمعة 28/7/1434هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}, (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: وبدأت الإجازة الصيفية.. والإجازة فرصة للراحة بعد التعب, وفراغ بعد شغل, الإجازة نعمة على أقوام, ونقمة على آخرين, من الناس من ينتظر الإجازة بفارغ الصبر ليلهو ويلعب, ويرتكب المحرمات, ويضيع الأوقات, ومنهم من يتحرى الإجازة ليغير من روتين حياته, ويستفيد من الأنشطة الترفيهية, ويلتحق بالبرامج العلمية, والأندية الصيفية.
في الإجازة تتغير أحوال كثير إلى الأفضل, وفي المقابل تنقلب حال كثير إلى ما لا يسر.
لا بأس من الترويح واللهو البريء المباح, قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لابنه: "يا بنيّ، إن نفسي مطيَّتي، وإن حملتُ عليها فوق الجَهد قطعتُها"، وقال أحد السلف: "إني لأُجِمُّ قلبي باللهو المُباح, ليكون أقوى لي على الحق"، وقال آخر: "أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكرِه عمِي".
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. القُصورُ في فَهمِ مقاصِدِ الأمورِ يحمِلُ على فعل ما يقبُح, وتركِ ما هو أليَقُ وأجملُ، ومَن قصُر فَهمُه عن إدراكِ مقاصِدِ الإجازةِ وأهدافِها مَلأها عبثًا وصخَبًا، وأشعلَها طَيشًا وسَفهًا، ومن أدرَكَ المُراد ترفع من مهانة التّفريط، وحمل رايةَ الجِدّ، وقطعَ أسبابَ العجز، واستثمَر إجازتَه فيما يُعليه ويُرقِّيه في أمر الدنيا والدين.
ولئلّا تكونَ الإجازة مجمعًا للأخطارِ, وطريقًا للمهالك والمضارِّ, يتوجَّبُ تَذكيرُ كلِّ وليِّ أمر أن يكون يقِظًا حذِرًا، متنبهًا مُحترِسًا، قد حَصَّن أُسرتَه، وحرسَ شرفَه، وصانَ عِرضَه عن اللئام الفجَرة والخَونَة المكَرَة؛ فإنَّ لشياطين الإنس انتِشارًا وانبعاثًا وخطفَةً، وأخذةً في غفلة.
إن الكثير من الصغار والشباب أطهار، لا فطنةَ لهم ولا تجربة، ولا تحوُّطَ لديهم ولا احتراز، وفي الناس سِباعٌ عادية, وذئابٌ ضارية، تنتظرُ غيابَ الوليِّ الحامي, وغفلةَ الأبِ الحانِي؛ ليصطادوا فريستهم فيوقعونها في حبائل المخدرات, أو في شراك المعاكسات, والعلاقات المحرمات, فكونوا -أيها الأولياء- في الإجازات وفي سائر الأوقات حُرَّاسًا أُمنَاء، وأولياء أوفيَاء، وفُطناء حُكماء.
 صونوا أبناءَكم وبناتكم عن الأخطار المُحدِقة، واجتنِبوا التفريطَ والتشاغُل، وحاذِروا التقصير والتساهل, الذي لا تُؤمَنُ لواحِقُه وتوابِعُه وعواقِبه.
إن من ترك أهلَه وأولادَه ونساءَه يقتحِمون الناسَ من غير تثبُّت، ويُخالِطون الآخرين دون تعقُّل، ويخرجون من البيوت دون تحفُّظ، ويمكثُون بعيدًا دونَ رقابةٍ، ويُصاحِبون مَن رغِبوا دون مُساءَلة؛ فقد قذَفهم في مُهلِكةٍ مُردِية، ورماهم في مدارجِ الانحراف والضياع.
أيّها الأولياء، حُوطوا أُسرَكم بسِياج الرعاية والعناية، والرّقابة والصيانة، والتربِية والتقويم، اكسُوا من استرعاكم الله عليهم بِرِداء الحبِّ والحُنوِّ والشفَقة، والجُودِ والكرم والإحسانِ، اغمُروهم بروح الفرح والمرَح، والقُرب والوُدِّ, والحوار والجوار، واحفظوهم بالطاعةِ والاستقامة, والتقوى والإيمان؛ حتى لا يكونوا نَهبًا لأهل الدنايا، وهدفًا لشرار الخلق، ومرتعًا للأراذِل الساقطين.
إن الله تعالى سائلٌ كل عبدٍ عما استرعاه: أدَّى أم تعدَّى؟ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه: حفِظَ أم ضيَّع؟ حتى يسألَ الرجلَ عن أهل بيته)) أخرجه ابن حبان.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن مِنَ الآباء والأولياء من تتهاوَى إرادتُه، وتَتوارَى قيادتُه، وتتضاءَلُ إدارتُه، ويَضعُفُ أمام محبّةِ الزوجة والأولاد وإلحاحهم، ويستجيبُ لرغباتِهم ولو كانَت معصيةً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويُقدِّمُ محبوبَهم على محبوبِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، إن ذلك هو عنوانُ الفتنةِ وعلامَةُ الخُسرانِ، قال جلَّ في عُلاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9]، ويقول جلَّ في عُلاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14].
قال مجاهد رحمه الله: "ما عادَوهم في الدنيا، ولكن حملهم مودتُهم على أن أخذوا لهم الحرام، فأعطَوه إياهم". قال القرطبي رحمه الله: "والآيةُ عامّةٌ في كل معصيةٍ يرتكِبُها الإنسانُ بسبَبِ الأهل والوَلَد ".
فاتقوا الله أيها المسلمون، وتيقَّظوا من الغَفلة، وقوموا بواجبِ المسؤولية، وأكثِروا من الدّعاء بصَلاحِ الأهل والأولاد والذريّة، والعصمةِ من مُضِلاَّت الفتن ونزَغات الشياطين, فإن الله تعالى سائلكم عنهم غدًا, فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله.. أمر أن لا تعبدوا إلا إياه.. وجعل الجنة لمن أطاعه واتقاه.. وجعل النار لمن تعدى حدوده وعصاه. والصلاة والسلام على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. هناك في مكان آخر من العالم .. لا يبعد كثيرًا عنَّا معركة بين الحق والباطل, بين الإسلام والكفر, بين العبودية للخالق والعبودية للمخلوق.
أبرز أحداث هذا الأسبوع هي أحداث بلدة القصير في الشام, حيث تكالب الأحزاب من رافضة العالم وبشكل علني سافر على عصبة قليلة ممن رفعوا شعار (ما لنا غيرك يا الله).
لا أريد الحديث عن تفاصيل ما يحدث هناك .. لا أريد أن أتكلم عن أكثر من خمسين قذيفة تسقط في الدقيقة الواحدة على أهلنا في القصير, لا أريد أن أتحدث عن المجازر التي ترتكب قتلاً بالسكاكين لعوائل مسالمة في بيوتها.. تقتل فقط لأنها من القصير, لا أريد أن أتكلم عن أكثر من عشرة آلاف شيعي دخلوا متطوعين في لواء أبو الفضل العباس خلال الأيام الماضية, لا أريد أن أتكلم عنهم .. لا .. وإنما أريد أن أتكلم عنَّا ..
أريد أن أتكلم عنا نحن.. هل ندرك فعلاً خطورة الموقف في سوريا؟ هل ما زال البعض يظن أن ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي خاص بالسوريين وحدهم؟ هل ما زال البعض يعتقد أن ما يحصل في سوريا هو حرب أهلية داخلية؟
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن ما يحصل في سوريا اليوم هي حرب كونية, يميز الله تعالى فيها الخبيث من الطيب, ويمحص الذين آمنوا عن غيرهم, إن الشام اليوم هي بوابة لبقية دول الإسلام, فإذا سلمت الشام وانتصرت ثورتها المباركة تحطمت آمال الشيعة في السيطرة على المنطقة, وإذا سقطت الثورة وفشلت لا قدر الله فستكون كارثة كبيرة تقضي على الأخضر واليابس.
للأسف الشديد ما زال بعضنا لا يعلم أصلاً أن هناك حربًا طاحنة في القصير, في حين يتابع أدق التفاصيل دوري أسبانيا وإنجلترا, للأسف الشديد بعضنا لا يدفع من ماله ريالاً واحدًا في نصرة قضية الشام ليبني أمته, بينما لا يجد غضاضة من أن يصرف مئات الريالات في التصويت لبرنامج سخيف يهدم الأخلاق والدين.
نقل عبد الغافر الفارسي في ترجمة أبي عثمان الصابوني -رحمه الله- في ذكر سبب وفاته، أنه دُفع إليه كتاب ورد من بخارى، يشتمل على ذكر وباء عظيم وَقَع بها، واستدعي فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رءوس الملأ، في كشف ذلك البلاء عنهم، واشتد الأمر على عامَّة الناس. فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، وأثَّر فيه، وتغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأُنزل من المنبر، وبقي أسبوعًا لم يسكن ألمه، ولم ينفعه علاج، حتى توفي رحمه الله.
إننا أيها الإخوة نعيش حقبة من الزمان يصنع بها تاريخ, فيجب أن نكون على قدر هذه المرحلة, ليدعم كل منَّا هذه الثورة المباركة, يجب أن لا يمر عليك شهر إلا وقد قدمت من مالك لإخوانك, فما فائدة المال إذا لم يقدم في مثل هذه المواقف؟ يجب أن لا يمر عليك يوم دون أن تقدم فيه دعوة لإخوانك, ينبغي عليك أن تتابع أخبار إخوانك وتنشرها, فبالتكاتف والاهتمام والنصرة من جميع المسلمين يتحقق النصر بإذن الله.
 حاصر النصارى دمياط في زمن الملك نور الدين محمود, وكَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ شديد الاهتمام قوي الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءًا في ذلك فِيهِ حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالتَّبَسُّمِ, ــ يعني أن كل راوٍ لما روى الحديث تبسم ــ فَطَلَبَ مِنْهُ الطالب أَنْ يتبسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي مِنَ اللَّهِ أنْ يراني متبسمًا والمسلمون يحاصرهم الْفِرِنْجُ بِثَغْرِ دِمْيَاطَ.
فالله الله أيها المسلمون في إخوانكم, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم, وهو يد على من عاداهم).
اللهم انصر إخواننا في الشام, اللهم كن لهم عونًا ومؤيدًا ونصيرًا.
 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة