الاستعداد لرمضان الجمعة 21/8/1435هـ
الحمد لله، الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. واشهد ألا اله إلا الله وحده لا
شريك له يعلم ما كان وما يكون. وما تسرون وما تعلنون. واشهد أن محمدا عبده ورسوله
الصادق المأمون، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا يهدون بالحق وبه
يعدلون. وسلم تسليما كثيرا إلى يوم يبعثون.
أما بعد:
عن أي ضيف أتحدث اليوم؟ أيام تتكرر .. وشهور تتوالى .. وسنين تتعاقب .. ولا يزال
هذا الضيف العزيز ينشر عبيره في الأيام .. وفي الشهور والأعوام .
وفي مدينة سيد الأنام - صلى الله عليه
وسلم - ، كانت البشرى تُزَفُّ لأولئك الأطهار ، من الصحابة الأخيار ، رضي الله
عنهم ، يزفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (أتاكم رمضان ، شهر مبارك ، فرض
الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ! وتغلق فيه أبوب الجحيم ! وتغل
فيه مردة الشياطين ! لله فيه ليلة خير من ألف شهر ! من حُرِم خيرها فقد حُرِم)
رواه النسائي والبيهقي وصححه الألباني .
إنها البشارة التي عمل لها العاملون..
وشمر لها المشمرون.. وفرح بقدومها المؤمنون .. فأين فرحتك ؟! أين شوقك ؟! وأنت ترى
أيام رمضان تدنو منك رويداً رويداً ، لتضع بين يديك فرحة كل مسلم .
أخي الحبيب ، استحضر في قلبك الآن أحب
الناس إليك , وقد غاب عنك أحد عشر شهراً , ثم بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام
قلائل... كيف تكون فرحتك بقدومه , واستبشارك بقربه , وبشاشتك للقائه؟
إنني أعتذر إليكم أيها الأحبة، وأنا
أتحدث اليوم عن رمضان.
لا أعتذر لأني قد بكّرت وقد بقي في
شعبان جمعة أخرى ، بل أعتذر لأننا اليوم متأخرون في الحديث والاستعداد لاستقبال
هذا الضيف الكريم ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر من الصوم في شعبان
استعداداً وتهيئة للنفس قبل رمضان .
لو قيل لأحدنا: إن أحد الكبراء أو
الأمراء سيزورك في بيتك ، لرأيته يستعد لاستقباله وإكرامه قبل أيام وأيام ، فكيف
بشهر فيه من الفضائل والمحاسن ما يعجز عنه الحصر والبيان .
إنه شهر الصبر والإحسان.. شهر الرحمة
والغفران .. شهر الدعاء والقرآن .. شهر التوبة والعتق من النيران .. قلوب المتقين
إليه تحن ، ومن ألم فراقه تئن .
قال معلى بن الفضل (رحمه الله) : كانوا
يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم .
وقال يحيى بن أبي كثير (رحمه الله):
(كان من دعائهم : اللهم سلمني إلى رمضان ، وسلم لي رمضان ، وتسلمه مني متقبلاً).
فادع يا أخي بدعائهم .. وافرح كفرحهم ..
عسى الله أن يشملك بنفحات رمضان .. فيغفرَ لك ذنبك ، وتخرجَ من رمضان وقد أُعتِقتَ
من النار.
أما خطر ببالك يوماً فضلُ مَن أدرك
رمضان؟! أما تفكرت يوماً في عظم ثواب العمل في هذا الشهر المبارك؟! تأمل معي هذه
القصة العجيبة .
روى الإمام أحمد وابن ماجه وصححه
الألباني من حديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - أن رجلين قدما على رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ، وكان إسلامهما جميعا ، فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر
، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد ، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي . قال طلحة: فرأيت
في المنام بينا أنا عند باب الجنة ، إذا أنا بهما ، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي
توفي الآخِر منهما ، ثم خرج فأذن للذي استشهد ، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن
لك بعد ، فأصبح طلحة يحدث به الناس ، فعجبوا لذلك ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وحدثوه الحديث ، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله ، هذا
كان أشد الرجلين اجتهاداً ثم استُشهد ، ودخل هذا الآخِرُ الجنةَ قبله!! فقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - : أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى ، قال: وأدرك
رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى ، قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - : فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض.
الله أكبر ، إن بلوغَ رمضانَ نعمةٌ
عظيمة ، وفضلٌ كبير من الله تعالى ، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق
الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان .
باع قوم من السلف جاريةً لهم لأحد الناس
، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال
رمضان فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت:
" لماذا تصنعون ذلك؟ " ، قالوا: " لاستقبال شهر رمضان " ،
فقالت: " وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عندِ قومٍ ،
السَّنَةُ عندَهم كلَّها رمضان ، لا حاجة لي فيكم ، رُدُّوني إليهم " ، ورجعت
إلى سيدها الأول .
كم من رمضان مر علينا ونحن غافلون؟
ووالله لا ندري أندركه هذا العام ، أم تتخطفنا دونه المنون .
ما أحوجنا إلى تهيئة النفوس ، بمحاسبتها
وإصلاحها قبل بلوغ رمضان .. ولا نكون ممن يدركون رمضان ، وقد تلطخوا بالمعاصي
والذنوب ! فلا يؤثر فيهم صيامه ! ولا يهزهم قيامه ! ويخرجون منه كما دخلوا فيه .
وإذا كان رمضان شهر النفحات والرحمات
والروحانيات ، فإن الإصرار على المعاصي والذنوب يحجب كل هذه المعاني الجميلة .
إن للمعاصي آثارًا بليغة في قسوة القلوب
، وحرمانه من مادة حياته .. فإن كنت قد سودت قلبك ، ولطخت صفحاتِ حياتك بأدران
المعاصي .. فها هو رمضان ، موسمٌ عظيم ، يمنحك صفحة بيضاء ، تغسل بها قلبك ، وتجدد
فيها حياتك ، فهيء قلبك من الآن .
إياك أن تجعل أيام رمضان كأيامك العادية
، بل اجعلها غرةً بيضاءَ في جبين أيام عمرك .
قال جابر بن عبدالله (رضي الله عنهما):
(إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ، ولسانك عن الكذب والمحارم ، ودع أذى الجار ، وليكن
عليك وقار وسكينة يوم صومك ، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء) .
إذا كنت قبل رمضان كسولاً عن شهود
الصلوات في المساجد .. فاعقد العزم في رمضان على عمارة بيوت الله ، عسى الله تعالى
أن يوفقك لذلك حتى الممات .
وإذا كنت أخي شحيحاً بالمال ، فاجعل
رمضان موسماً للبذل والجود .. فهو شهر الجود والإحسان .
وإذا كنت غافلاً عن ذكر الله تعالى ،
فاجعل أيام رمضان أيام ذكر ودعاء ، وتلاوة لكتاب ربك تعالى ، فهو شهر القرآن.
قال الحسن البصري (رحمة الله) : إن
العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همته .
أسأل الله تعالى أن يبلغنا وإياكم رمضان
، وأن يحسن عملنا فيه ، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال ، ويتقبلها منا بقبول
حسن ، إنه على كل شيء قدير .
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضلَ ما
ينبغي أن يُحمد، وأصلي وأسلم على أفضل المُصطَفِين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبد أما
بعد: فماذا أعددنا ونحن على بعد أيام من هذا الشهر العظيم، هل أعددنا نية وعزماً
صادقاً بين يديه؟ هل بحثنا عن قلوبنا ، لنعرف عزمها وصدقها فيه؟
إن الإمساك عن المفطرات يأتي به كل صائم
، أما نية إخلاص الصوم ، وصدق العبادة ، فهي التي لا يحققها إلا القلة من الموفقين
.. (وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) .
لا يستوي من لا يتجاوز اهتمامه وتفكيره
في استقبال رمضان شراء الحاجيات وتكديس الأطعمة الرمضانية ، ومن يجعل جل اهتمامه
غذاء الروح والتفكير في تطهير وتزكية النفس والإقبال على الله تعالى في هذا الشهر
المبارك .
لسان حاله: كيف أستفيد من هذا الموسم؟
كيف أستعد وأخطط لأن أكون من العتقاء من النار ، من الذين تشتاق لهم الجنة ، من
الذين يغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم .
إن الإعداد للعمل علامة التوفيق وأمارة
الصدق في القصد، كما قال تعالى: { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ
عُدَّةً}، والطاعة لابد أن يُمهَّد لها بوظائف شرعية كثيرة حتى تؤتي أكلها ويُجتني
جناها، وخاصة في شهر رمضان حيث الأعمال الصالحة المتعددة.
ولهذا يقال: من الآن ، اصدق عزمك على
فعل الطاعات .. وأن تجعل من رمضان صفحةً بيضاءَ نقية ، مليئةً بالأعمال الصالحة ..
صافيةً من شوائب المعاصي .
ونحن نتحدث عن الإعداد والتخطيط المسبق
للاستفادة من رمضان، أذكر نفسي وإياكم بخمسة أمور :
أولاً: بادرْ إلى التوبة الصادقة ,
المستوفية لشروطها.
ثانياً: تعلَّمْ ما لابد منه من فقه
الصيام وأحكامه وآدابه, والعبادات فيه كالاعتكاف والعمرة وزكاة الفطر وغيرها .
ثالثاً: اعقد العزم الصادق والهمة
العالية على استغلال رمضان بالأعمال الصالحة , قال تعالى: {فإذا عزم الأمر فَلَوْ
صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ},وتحر أفضل الأعمال فيه وأعظمها أجراً .
رابعاً: استحضر أن رمضان كما وصفه الله
عزَّ وجلَّ أيام معدودات ، فهو موسم فاضل ، ولكنه سريع الرحيل .. واستحضر أيضاً أن
المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة سرعان ما تذهب بعد أيام ، ويبقى الأجر ،
وشَرْحُ الصدر بإذن الله ، أما المفرط فإن ساعاتِ لهوه وغفلته تذهب سريعاً ، ولكن
تبقى تبعاتها وأوزارها .
خامساً : التخطيط والترتيب لبرنامج يومي
للأعمال الصالحة كقراءة القرآن ، والجلوس في المسجد ، والجلوس مع الأهل ، والصدقة
، والقيام ، والعمرة ، والاعتكاف ، والدعوة وغيرها من الأعمال ، فلا يدخل عليك
الشهر وأنت في شَتات ، فتحرمَ كثيراً من الخيرات والبركات .
أسأل الله أن يبلغنا وإياكم رمضان ،
اللهم بلغنا رمضان وأحسن عملنا فيه ، إنك أجود مسؤول وخير مأمول .
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم..
اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل
للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم
وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون,
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر,
والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق