التبكير للصلوات الجمعة 21/6/1436هـ
الحمد لله الذي أكرم قلوب المتقين
بالإخبات إليه، وشرف وجوه العابدين بالسجود بين يديه، وأشهد ان لا إله إلا الله
وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خيرُ من صلى وصام ، وزكى وقام ،
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم
تسليماً كثيراً .
أما بعد: الصلاة.. عمود الدين.. وركنه
المتين.. فلا دين لمن لا صلاة له.. وهي أول فريضة بعد التوحيد, {إِنَّ الصَّلَاةَ
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} قال الحسن: كتابًا واجبًا, وتَوَعَّدَ
الله تعالى بِالْعَذَابِ مَنْ أَضَاعَهَا أَوْ سَهَا عَنْهَا فَصَلَّاهَا فِي
غَيْرِ وَقْتِهَا أَوْ رَايَا بِهَا, فَقَالَ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
أَضَاعُوا الصَّلَاةَ واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}, جاء عَنْ
شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ الْأَصْبَحِيِّ، قَالَ: " إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا
يُسَمَّى غَيًّا، يَسِيلُ دَمًا وَقَيْحًا، فَهُوَ لِمَنْ خُلِقَ لَهُ، قَالَ
اللَّهُ: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} .
والصلاة راحة النفوس .. وانشراح الصدور,
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بالصلاة يا بلال).
وإن راحة الصلاة وطمأنينيتها وخشوعها لا
تتحقق إلا بعدة أمور, تجتمع في المرء فيخشع عندها في صلاته ويطمئن بها وتسكن بها
نفسه.
ومن أهم هذه الأمور التي تحصل بها
طمأنينة الصلاة ويغفل عنها الكثير, وأهملت كثيرًا في الأزمان المتأخرة ما يتعلق
بالتبكير إلى حضور الجمع والجماعات.
لقد جاءت النصوص الشرعية بالحث على
المبادرة إلى الأعمال الصالحة ، كما قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)،
(فاستبقوا الخيرات) ، (يسارعون في الخيرات) .. وإن من أعظم هذه الخيرات الحضور إلى
المساجد لأداء الصلاة ، فإنه دليل على تعظيمِ القلب للصلاة ، وتعلقِه ببيوت الله،
وتقديمِه طاعةَ مولاه على هواه ودنياه، كما قال سبحانه: (في بيوت أذن الله أن ترفع
ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن
ذكر الله وإقام الصلاة) .
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته
وأمته على التبكير للصلوات ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا
أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) .
قال النووي: التهجير: التبكير إلى
الصلاة، أيِ صلاة كانت.اهـ
معاشر المصلين .. لو تأملنا في الفوائد
والثمرات المترتبة على التبكير للصلوات، لرأينا عظيم فضل الله على عباده الصالحين
، الذين لبوا نداءه ونهضوا إلى الصلاة مبادرين .
فمن فوائد التبكير للصلوات أن المبكر للصلاة
يكون عند الله في صلاة ما انتظر الصلاة .
كما
أن الملائكة تصلي عليه وتستغفر له ما دام في مصلاه.
ومن
فوائد تبكير المسلم للصلاة أنه بتعلق قلبه بالمساجد ، يكون ممن يظلهم الله في ظله
يوم لا ظل إلا ظله .
كما
أنه يدرك سنة المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.
ويتمكن
من قول دعاء دخول المسجد نظراً لسعة الوقت.
إضافة
إلى تحصيل الصف الأول .
وتحصيل
ميمنة الصف والدنو من الإمام .
وإدارك
صلاة النافلة القبلية.
والدعاء
بين الأذان والإقامة .
كما
أن التبكير يعين على الخشوع في الصلاة .
إضافة
إلى إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام .
وقد جاء عند الترمذي وحسنه الألباني عن
أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى لله أربعين يوما
في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى ، كتبت له براءتان، براءةٌ من النار، وبراءةٌ من
النفاق ".
ومن
فوائد التبكير للصلاة التأمين مع الإمام بعد الفاتحة ، وقد جاء في الصحيحين ، أن
من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه .
معاشر المصلين .. ولما نظر سلفنا الصالح
إلى الآيات الحاثة على التبكير، والأحاديث والثمرات، سطروا صفحات مشرقة في التبكير
إلى الصلوات والمحافظة عليها .
فها هو عدي بن حاتم رضي الله عنه صاحب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء
.
وقال سعيد بن المسيب : ما أذن المؤذن
منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد .
وروي عن الأعمش أنه كان قريباً من سبعين
سنة لم تفته التكبيرة الأولى .
وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له
(الصَفِّي) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة .
وكان إبراهيم بن ميمون أحد المحدثين
يعمل صائغاً يطرق الذهب والفضة، فكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء وضعها ولم يَرُدَّها
.
هكذا كان حرصهم وتبكيرهم إلى الصلوات
فيا ليت شعري أين نحن من حالهم . ونحن نرى الجموع المتأخرة تقضي خلف الصفوف ناهيك
عن الذين يصلون مع الجماعة الثانية ، ويعتذرون عن تأخرهم بأعذار هي أوهى من بيت
العنكبوت.
فإذا كانوا نائمين أدوها متى استيقظوا،
وإذا كانوا مشغولين صلوها عند الفراغ من شغلهم، فالصلاة عند هؤلاء تؤجل لأي سبب،
وتؤخر عند أي عارض .. فالصلاة تؤخر لقراءة صحيفة أو محادثة هاتف، والصلاة تؤجل
لأحاديث ودية وملاطفة ضيف أو زائر، والصلاة تؤخر لأن المباراة على أشدها، ووضع
الفريق محرج يستدعي المتابعة والمؤازرة .
والصلاة تؤخر حتى يخرج الوقت لأنه مسافر
على متن طائرة لساعات طويلة، والوضع محرج أن يؤدي الصلاة والركاب ينظرون إليه وقد
يكون فيهم بعض الأجانب .
وهذا والله من قلة تعظيم الله وأوامره
في النفوس ، والله المستعان .
وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم
الله" ، زاد أحمد "يوم القيامة" .
قال النووي: "(يتأخرون) أي عن
الصفوف الأُوَل حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفيع المنزلة وعن
العلم ونحو ذلك" اهـ.
وقال إبراهيم التيمي : إذا رأيت الرجل
يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه .
وينبغي التنبيه إلى أن السنة في حق أئمة
المساجد أن يكون دخولهم للمسجد مع الإقامة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
معاشر المصلين
.. وإذا كان الأمر كذلك، فإن جميع ما تقدم ذكره في التبكير والمبادرة إلى الصلوات
، يتأكد في الحضور لخطبتي وصلاة الجمعة .. فقد حث الشارع على التبكير إلى الذكر
والصلاة في هذا اليوم المبارك .
قال سبحانه:" يا أيها الذين آمنوا
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ، ذلكم خير لكم إن
كنتم تعلمون".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة ثم
راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في
الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب
دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت
الملائكة يستمعون الذكر". أخرجه الشيخان ، وفي رواية لهما:" إذا كان يوم
الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأوَّل فالأول ، فإذا جلس
الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر".
قال النووي: فيه الحث على التبكير إلى
الجمعة ، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم . اهـ
فهنيئاً ثم هنيئاً لمن كتبته الملائكة
في صحف المبكرين ، ويا خسارة من طوت الملائكة صحفها وهو في عداد المتخلفين ، نسأل
الله تعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يعيننا على أنفسنا، إنه على كل شيء قدير .
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما
فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور
الرحيم.
الخطبة
الثانية :
الحمد لله على إحسانه, والشكر له على توفيقه وامتنانه,
وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه, والصالة والسلام على نبينا محمد وآله
وصحبه وإخوانه, وسلم تسليمًا كثيرًا,
أما بعد:
معاشر المصلين .. لقد كان التبكيرُ للجمعة سمةً بارزةً في حياة السلف الصالح رحمهم
الله ، ففي البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:"كنا نبكر إلى الجمعة ثم
نقيل".
بل كان الواحد من السلف يغتم إذا تأخر
فسبقه غيره إلى الجمعة . قال علقمة: خرجت مع عبد الله [يعني ابن مسعود] إلى الجمعة
فوجد ثلاثة وقد سبقوه ، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن
الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات الأولَ والثانيَ
والثالثَ ، ثم قال عبد الله: رابعُ أربعة، وما رابعُ أربعةٍ ببعيد . رواه ابن ماجه
والطبراني وحسنه المنذري والبوصيري .
هكذا كان حال السلف رحمهم الله ، أما
اليوم ، فقد أصبح التأخرُ في الحضور لصلاة الجمعة ظاهرةً بينةً في كثير من جوامع
المسلمين .. فمن الناس من يتأخر في الاستيقاظ من النوم، فلا يستيقظ إلا قبيل
الخطبة أو في أثنائها, ومنهم من يشتغل بأمور دنياه من البيع أو الشراء أو العمل
فلا يأتي إلا وقد دخل الخطيب وطوت الملائكة الصحف ، وفاته الخير العظيم .. وأعظم
من هذا ما اعتاده بعض المحرومين من التخلف عن خطبة الجمعة، فلا يحضرون إلا في
الصلاة أو في آخر الصلاة ، فأي حرمان بعد هذا؟ .
عباد الله .. تأملوا في هذا الثواب
العظيم الذي ورد في هذا الحديث الصحيح، لتعلموا كم نحن محرومون إلا من رحم الله ..
فعن أوس بن أوس الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من غسّل يوم الجمعة
واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل
خُطوةٍ عملُ سنةٍ.. أجر صيامِها وقيامِها". رواه أحمد وأبو داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والألباني .
وقوله (بَكَّرَ ) : أَيْ رَاحَ فِي
أَوَّل الوَقْت ( وَابْتَكَرَ ) : أَيْ أَدْرَكَ أَوَّل الْخُطْبَة, وَقِيلَ
كَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّوْكِيد .
فاتقوا الله عباد الله ، وسارعوا إلى
مغفرة من ربكم ، وسابقوا في الحضور إلى الجمعة والجماعة ، فذلكم خيرٌ لكم في
آخرتكم ، وأقربُ لكم عند مليككم ..
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله
العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما
تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق