الامتحانات الجمعة 8/7/1432هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: فإن نِعمَةٌ الأَولادِ مِن أَجَلِّ النِّعَمِ وَأَعظَمِهَا؛ إِذْ هُمْ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَبَهجَتُهَا،( المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وَهُم عُدَّةُ النَّوَائِبِ, وَالذُّخرُ في الشَّدَائِدِ، يَبَرُّونَ الآبَاءَ وَيَحمِلُونَ أَسمَاءَهُم، وَيَصِلُونَ أَرحَامَهُم وَيَرفَعُونَ ذِكرَهُم، وَيَبَرُّونَ أَصدِقَاءَهُم وَيَدعُونَ لهم، عَلَى سَوَاعِدِهِم يُبنى المُستَقبَلُ، وَبِأَفكَارِهِم يَرتَقِي المُجتَمَعُ، وَبِهِمَمِهِم تَعلُو الأُمَّةُ، وَبِجِدِّهِم تُعمَرُ الدِّيَارُ، وَبِقُوَّتِهِم تُحفَظُ البِلادُ، لَكِنَّ هَذِهِ النِّعمَةَ في المُقَابِلِ أَمَانَةٌ ثَقِيلَةُ التَّبِعَاتِ، وَالعِنَايَةُ بها تَحتَاجُ إِلى بَذلِ جُهُودٍ وَصَرفِ أَوقَاتٍ، وَحِفظُهَا لا يَتِمُّ إِلاَّ بِتَكَاتُفِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، إِنَّهَا تُكَلِّفُ مَن تَحَمَّلَهَا مَالَهُ، وَتَستَهلِكُ صِحَّتَهُ وَتَشغَلُ بَالَهُ، وَكُلَّمَا كَانَ المَرءُ بِثِقَلِهَا أَشَدَّ شُعُورًا كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إِلى مَزِيدِ الرِّعَايَةِ وَشَدِيدِ العِنَايَةِ, (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إِنَّنَا مُقبِلُونَ غدًا عَلَى مَوسِمٍ مِن أَشَدِّ مَوَاسِمِ التَّربِيَةِ حَسَاسِيَةً، إِنَّهَا الامتِحَانَاتُ الدِّرَاسِيَّةُ، وَالَّتي سَيَدخُلُ مُعتَرَكَهَا شَرِيحَةٌ مِن أَغلَى شَرَائِحِ المُجتَمَعِ، هِيَ أَسرَعُهُم تَأَثُّرًا بما يَجرِي حَولَهم، وَأَكثَرُهُم تَشَرُّبًا لِمَا يُلقَى عَلَيهَم، أُولَئِكَ هُم طُلاَّبُ المَدَارِسِ المُتَوَسِّطَةِ وَالثَّانَوِيَّةِ مِنَ َالشَّبَابِ، وَإِنَّ الامتِحَانَاتُ لو كانت مَعلُومَاتٍ تُحفَظُ ثم تُلقَى عَلَى أَورَاقِ الإِجَابَاتِ لَكَانَ أَمرُهَا سَهلاً مُيَسَّرًا؛ إِذِ الإِخفَاقُ يَعقُبُهُ نَجَاحٌ، وَضَعفُ الدَّرَجَةِ قَد يُستَدرَكُ، وَالقُصُورُ قَد يُتَلافى، لَكِنَّ القَضِيَّةَ أَنَّ الامتِحَانَ امتِحَانٌ لِلمُجتَمَعِ كُلِّهِ عَلَى مُختَلِفِ مُستَوَيَاتِهِ، وَاختِبَارٌ لأَولِيَاءِ الأُمُورِ وَالآبَاءِ، وَمِقيَاسٌ لِكَفَاءَةِ التَّربَوِيِّينَ وَالمَسؤُولِينَ.
وَلَقَد ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الوَاقِعِ وَتَتَبُّعِ كَثِيرٍ مِن رِجَالِ التَّربِيَةِ وَالتَّعلِيمِ أَنَّ أَيَّامَ الامتِحَانِ مِن أَصعَبِ مَا يَمُرَّ بِالفَتى وَالشَّابِّ اليَافِعِ؛ إِذْ فِيهَا يُرخَى العِنَانُ وَيَنفَلِتُ الزِّمَامُ، وَيَختَلِفُ النِّظَامُ وَيَتَغَيَّرُ الدَّوَامُ، وَيَكثُرُ الفَرَاغُ وَتَزدَادُ أَوقَاتُهُ، وَيَجِدُ الطُّلاَّبُ مِنهُ فِيمَا بَينَ فَتَرَاتِ الامتِحَانِ وَفِيمَا بَينَ خُرُوجِهِم مِنهُ وَعَودَتِهِم إِلى البُيُوتِ مَا قَد يَتَعَلَّمُونَ فِيهِ مِنَ الفَسَادِ الشَّيءَ الكَثِيرَ، وَمَا قَد يُؤذُونَ فِيهِ أَنفُسَهُم وَيَتَعَدَّونَ عَلى الآخَرِينَ، وَمَا قَد يَكتَسِبُونَ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ العَادَاتِ السَّيِّئَةِ وَيَقَعُونَ في عَدَدٍ مِنَ الآفَاتِ المُهلِكَةِ، ممَّا لَو جُمِعَ ثم وُزِنَ بما اكتَسَبُوهُ في أَيَّامِ دِرَاسَتِهِم كُلِّهَا لَسَاوَاهُ أَو زَادَ عَلَيهِ.
وَمِن هُنَا ـ أَيُّهَا الآبَاءُ ـ فَإِنَّهُ يَجدُرُ بِنَا أَن نَقِفَ وَقَفَاتٍ نُوصِي بها مَن وَهَبَهُمُ اللهُ هَذِهِ الزِّينَةَ؛ لِئَلاَّ تَكُونَ لهم في يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ شَجًى في الحُلُوقِ أَو قَذًى في العُيُونِ، فَيَعَضُّوا أَصَابِعَ النَّدَمِ عَلَى مَا فَرَّطُوا، وَقَد يَكُونُ فَاتَ الفَوتُ وَلاتَ سَاعَةَ مَندَمٍ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الوَقفَةُ الأُولى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَن رَزَقَهُ اللهُ الأَولادَ، أَن يَعلَمَ قَدرَ هَذِهِ النِّعمَةِ فَيَشكُرَهَا لِيُبَارَكَ لَهُ فِيهَا، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتم لأَزِيدَنَّكُمْ. وَإِنَّهُ لا شُكرَ لِهَذِهِ النِّعمَةِ بمِثل حِفظِهَا وَالقِيَامِ بما يَجِبُ نَحوَهَا مِنَ التَّربِيَةِ الحَسَنَةِ وَالتَّنشِئَةِ الصَّالحةِ؛ إِذْ هِيَ أَمَانَةٌ وَأَيُّ أَمَانَةٍ، قَالَ : ((كُلُّكُم رَاعٍ، وَكلكم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ))، وَقالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا استَرعَاهُ: حَفِظَ أَم ضَيَّعَ، حَتى يَسأَلَ الرَّجُلَ عَن أَهلِ بَيتِهِ))، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((كَفَى بِالمَرءِ إِثمًا أَن يُضَيِّعَ مَن يَقُوت)).
وَإِنَّكَ لَتَعجَبُ مِن بُيُوتٍ لا يَتَجَاوَزُ دَورُ الأَبِ وَالأُمِّ فِيهَا الإِنتَاجَ، ثم تَرَاهُم بَعدَ أَن يَخطُوَ الوَلَدُ خُطُوَاتِهِ الأُولى يَفتَحُونَ لَهُ بَابَ التربية عَلَى مِصرَاعَيهِ، لِيَخرُجَ إِلى أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ، يُرَبِّيهِ غَيرُهُم وَيُعَلِّمُهُ سِوَاهُم، وَلا يَبقَى في الشارع مِن كَلِمَةٍ سَاقِطَةٍ أَو فَعلَةٍ قَبِيحَةٍ أَو خُلُقٍ سَيِّئٍ إِلاَّ اكتَسَبَهُ وَتَشَرَّبَهُ، ثم هُم لا يَسأَلُونَ عَنهُ وَلا يَهتَمُّونَ بِهِ، وَلا يُوَجِّهُونَهُ وَلا يَنصَحُونَ لَهُ، وَلا يُبَيِّنُونَ لَهُ مَا يَنفَعُهُ ممَّا يَضُرُّهُ، ممَّا يَجعَلُ مِنهُ عُضوًا في المُجتَمَعِ فَاسِدًا، وَنَبتَةً لا تُثمِرُ لِلأُمَّةِ إِلاَّ الفَسَادَ وَالإِفسَادَ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الوَالِدَينِ أَن يَتَّقِيَا اللهَ في أَولادِهِمَا مُنذُ الصِّغَرِ، فَيُنَشِّئَاهُم عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّلاةِ, وَمَحمُودِ الصِّفَاتِ، وَعَلَى أَنَّ ثَمَّةَ صَالِحًا مِنَ العَمَلِ وَسَيِّئًا، وَجَمِيلاً مِنَ الأَخلاقِ وَقَبِيحًا، ومَقبُولاً مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَمَرفُوضًا، وَأَنَّ الإِنسَانَ مُقَيَّدٌ بِدِينٍ وَخُلُقٍ، وَلَهُ مَعَالِمُ يَجِبُ أَن يَقِفَ عِندَهَا، وَحُدُودٌ لا يَجُوزُ أَن يَتَجَاوَزَهَا.
إِنَّ مِن رِعَايَةِ الأَمَانَةِ في أَيَّامِ الامتِحَانَاتِ أَن يَضبِطَ الأَبُ مَوعِدَ مَنَامِ ابنِهِ وَصَحوِهِ، وَيُرَاقِبَهُ في ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَيُحَدِّدَ وَقتَ خُرُوجِهِ وَدُخُولِهِ، وَأَن يَحرِصَ عَلَى أَن يَكُونَ استِذكَارُهُ دُرُوسَهُ في البَيتِ لا خَارِجَهُ، وَأَن لاَّ يَسمَحَ لَهُ بِالسَّهَرِ بِأَيِّ حَالٍ، فَإِنَّ مِنَ الشَّبَابِ مَن إِذَا عَادَ مِنِ امتِحَانِهِ قَبلَ الظُّهرِ ضَرَبَ بِجِسمِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، تَارِكًا صَلاةَ الظُّهرِ وَالعَصرِ، وَقَد يُلحِقُ بهما المَغرِبَ وَالعِشَاءَ، ثم لا يَبدأُ بِالاستِذكَارِ إِلاَّ بَعدَ العِشَاءِ، فَيُسهِرُ لَيلَهُ وَيُرهِقُ نَفسَهُ، حَتى إِذَا أَقبَلَ الفَجرُ نَامَ وَتَرَكَ الصَّلاةَ، وَلم يَصحُ إِلاَّ قُبَيلَ الامتِحَانِ، فَمِثلُ هَذَا كَيفَ يَنتَظِرُ تَوفِيقًا وَيَأمَلُ تَسدِيدًا؟! كَيفَ يَرجُو نَجَاحًا وَهُوَ قَد تَرَكَ فَرَائِضَ رَبِّهِ وَخَالَفَ سُنَنَهُ، فَنَامَ في وَقتِ العَمَلِ وَعَمِلَ في وَقتِ النَّومِ؟!
فَيَا مَعشَرَ الآبَاءِ، الحِرصَ الحِرصَ عَلَى أَن تَضبِطُوا أَوقَاتَ أَبنَائِكُم في النَّومِ وَالصَّحوِ, وَالذَّهَابِ وَالإِيَابِ، اهتَمُّوا بِعَودَتِهِم بَعدَ انتِهَاءِ الامتِحَانَاتِ مُبَاشَرَةً، فَإِنَّ في بَقَائِهِم بَعدَ الامتِحَانَاتِ في الشَّوَارِعِ أَو في المَطَاعِمِ أَوِ الأَسوَاقِ، إِنَّ فِيهِ لَضَرَرًا كَبِيرًا عَلَيهم وعليكم ، وَالحُرُّ تَكفِيهِ الإِشَارَةُ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الوَقفَةُ الثَّانِيَةُ: الصَّاحِبُ سَاحِبٌ، وَالمَرءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، وَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقتَدِي، وَمِن هُنَا فَإِنَّ عَلَى الأَبِ أَن يَحرِصَ عَلَى مَعرِفَةِ أَصدِقَاءِ أَبنَائِهِ وَمَن يُصَاحِبُونَ، وَأَن يَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ بِمَكَانٍ تَجَمُّعِهِم وَإِلى أَينَ يَذهَبُونَ، بَصِيرًا بما يَجرِي حَولَهُ، مُتَفَقِّهًا في الوَاقِعِ، عَارِفًا بِمُشكِلاتِ الشَّبَابِ وَقَضَايَاهُم، وَاعِيًا لما يَدُورُ في مُجتَمَعَاتِهِم، وَلَكَم كَانَ الأَصحَابُ سَبَبًا في صَلاحِ المَرءِ أَو فَسَادِهِ، فَجَدِيرٌ بِالشابِ أَن يَحرِصَ عَلَى أَن يَصحَبَ الصَّالِحِينَ وَيُمَاشِيَ ذَوِي الأَخلاقِ الحَسَنَةِ، وَأَن يَبتَعِدَ عَن أَهلِ الشَّرِّ وَالفَسَادِ وَالفِتنَةِ، وَعَلَى والده في هَذَا الشَّأنِ أَن يَتَعَاوَنَ مَعَ المَدرَسَةِ، وَيَبنِيَ جُسُورًا مِنَ الثِّقَةِ بَينَهُ وَبَينَ مُدِيرِهَا وَمُعَلِّمِيهَا، وَإِذَا عَرَفَ صَالِحًا حَثَّ ابنَهُ عَلَى مُصَاحَبَتِهِ، وَإِذَا اكتَشَفَ أَنَّهُ يُصَاحِبُ الأَشرَارَ سَعَى لِتَخلِيصِهِ مِنهُم، وَلا يَجُوزُ لَهُ أَن يَتَهَاوَنَ في هَذَا الأَمرِ بِحَالٍ، أَو يَسمَحَ بِهِ سَاعَةً مِن نهارٍ، فَكَم مِن تَهَاوُنِ سَاعَةٍ أَعقَبَ فَسَادَ أَيَّامٍ، وَتَهَاوُنِ أَيَّامٍ أَنتَجَ فَسَادَ أَعوَامٍ.
أَلا وَإِنَّ مِنَ الخَطَرِ الَّذِي يُدَاهِمُ الشَّبَابَ في هَذِهِ الأَيَّامِ وَيُمَهِّدُ لَهُ وَيَنشُرُهُ رِفَاقُ السُّوءِ المُخَدِّرَاتِ، فَاحذَرُوا وَحَذِّرُوا أَبنَاءَكُم وَانتَبِهُوا، فَإِنَّ أَيَّامَ الامتِحَانَاتِ سُوقٌ لِلمُرَوِّجِينَ رَائِجَةٌ، وكم من تجربة صغيرة أورثت إدماناً, وكم من لذة عابرة أورثت حزنًا وألمًا وفسادًا, والحر تكفيه الإشارة.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ وَاعلَمُوا أَنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولاَدُكُم فِتنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم,إنه هو الغفور الرحيم.
:: الخطبة الثانية ::.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وجعل الظلمات والنور, ثم الذين كفروا بربهم يعدلون, أحمده تعالى وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, بعثه الله رحمةً للعالمين, بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا, فبلغ الرسالةَ أحسنَ البلاغ, وأدى الأمانة أتم الأداء, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فصلى الله عليه وسلم, وعلى آله وأصحابه, وعلى سائر عباد الله الصالحين.
أما بعد:فاتقوا الله عباد الله ولا موتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الوَقفَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ ممَّا يُؤخَذُ عَلَى بعض الشَّبَابِ في أَيَّامِ الامتِحَانَاتِ إِيذَاءَهُمُ الآخَرِينَ وَتَسَلُّطَهُم عَلَيهِم، حَيثُ يَكثُرُ دَوَرَانُهُم في الشَّوَارِعِ، وَتُلحَظُ عَلَيهِمُ القِيَادَةُ الجُنُونِيَّةُ وَالسُّرعَةُ الزَّائِدَةُ، وَيَكثُرُ مِنهُمُ الوُقُوفُ المُخَالِفُ وَسَدُّ الطُّرُقَاتِ في وُجُوهِ المَارَّةِ، وَلَرُبَّمَا صَادَفَ أَن يُؤذِيَ أَحَدُهُم شَيخًا كَبِيرًا، أَو يُضَايِقَ امرَأَةً ضَعِيفَةً, أَو عَامِلاً مِسكِينًا، أَو يُرَوِّعَ غَافِلاً أَو يَعتَدِيَ عَلَى سَائِرٍ في طَرِيقِهِ، فَيَدعُوَ أَحَدُ هَؤُلاءِ عَلَيهِ دَعوَةَ مَظلُومٍ تَخرُجُ مِن قَلبٍ مَكلُومٍ، فَتَكُونُ سَببًا لِعَدَمِ تَوَفُّقِ هَذَا الوَلَدِ في دُنيَاهُ أَو أُخرَاهُ، أَو حُصُولُ مَا يُؤذِيهِ مِن حَادِثٍ أَو نَحوِهِ، قَالَ جَلَّ وَعَلا: وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُّبِينًا، وَقَالَ : ((مَن آذَى المُسلِمِينَ في طُرُقِهِم وَجَبَت عَلَيهِ لَعنَتُهُم))، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ))، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((إِيَّاكُم وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ أَبَيتُم إِلاَّ المَجَالِسَ فَأَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ))، وَقَالَ : ((لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُرَوِّعَ مُسلِمًا)).
وليتخيل هذا الشاب فقط أنه هو أو أبوه أو أمه في مكان هذا الشخص المؤذى, فهل يرضاها عليهم ؟؟ والحر تكفيه الإشارة.
وَأَمَّا الوَقفَةُ الرَّابِعَةُ: إليكم أيها الطلاب يَجِبُ علينا في كل أمورنا أَن نتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ وَنفَوِّض أُمُورَنا إِلَيهِ، ثم نبذل الأَسبَابَ وَنتَّخِذ الاحتِيَاطَاتِ، فَإِذَا فَعَلنا كُلَّ هَذَا فَحَصَلَ مَا نتَمَنَّاه فَخَيرٌ وَنِعمَةٌ يَجِبُ عَلَينا شُكرَهَا، وَإِلاَّ فَلْنحذَر لَومَ أَنفُسِنا أَوِ التَّحَسُّرَ عَلَى مَا مَضَى، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَمنَعُ قَدَرًا وَلا يَرُدُّ فَائِتًا، قَالَ : ((اِحرِصْ عَلَى مَا يَنفَعُكَ وَاستَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلا تَقُلْ: لَو أَني فَعَلتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنْ لَو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ)).
إذا لم يكن عون من الله للفتى                   فأول ما يجني عليه اجتهاده
وَإِنَّهُ يَجِبُ أَن يُعلَمَ في هَذا الشَّأنِ أَن الأَسبَابَ الَّتي تُبذَلُ يَجِبُ أَن تَكُونَ جَائِزَةً غَيرَ مُحَرَّمَةٍ وَلا مَمنُوعَةٍ شَرعًا، فَلا تَنَاوُلَ مُنَبِّهَاتٍ مُحَرَّمَةٍ، وَلا غِشَّ وَلا خِدَاعَ, قَالَ : ((مَن غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا)). وَإِنَّهُ يَجِبُ أَن يَستَقِرَّ أَنَّ مَا بُنِيَ عَلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَأَيُّ شَهَادَةٍ تُحَصَّلُ بِالغِشِّ وَسُلُوكِ الطُّرُقِ المُلتَوِيَةِ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَمَا نَتَجَ عَنهَا مِن تَوَظُّفٍ أَو عَمَلٍ أَو تَرقِيَةٍ فَلا خَيرَ فِيه وَلا بَرَكَةَ، بَل هُوَ نَوعٌ مِنَ السُّحتِ وَالغِشِّ لِلأُمَّةِ, كما أفتى بذلك جمع من أهل العلم.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الوَقفَةُ الخَامِسَةُ: يَجِبُ أَن يَتَرَسَّخَ في القُلُوبِ أَنَّ هَذِهِ الامتِحَانَاتِ لَيسَت هِيَ النِّهَايَةَ الَّتي إِنْ رَبِحَهَا المَرءُ رَبِحَ كُلَّ شَيءٍ، وَإِنْ خَسِرَهَا خَسِرَ كُلَّ شَيءٍ، لا وَاللهِ، وَإِنَّمَا الخَسَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ خَسَارَةُ الآخِرَةِ، قَالَ سُبحَانَهُ: قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وَأَهلِيهِم يَومَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ.
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَاحرِصُوا عَلَى النَّجَاحِ في يَومٍ يُسأَلُ المَرءُ فِيهِ عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفنَاهُ، وَعَن شَبَابِهِ فِيم أَبلاهُ، وَعَن عِلمِهِ مَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ، فَأَعِدُّوا لِلسُّؤَالِ جَوَابًا وللجواب صَوَابًا، جَعَلَني اللهُ وَإِيَّاكُم مِنَ الفَائِزِينَ في يَومِ الامتِحَانِ الأَكبرِ، وَوَفَّقَ الطلاب وَيَسَّرَ أَمرَهُم وَسَهَّلَ عَلَيهِم مَا يَطلُبُونَ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
 اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

  1. جزاك الله خيراً يا شيخ عبدالله والله أنا نستفيد من خطبك التي تكتبها ولعل الله ينفع بها من يسمعها من المسلمين ممن يحضر الجمعة لدينا فتنال أجراً لم يخطر لك ببال . كتب الله أجرك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة