الحث على الحج 10/11/1435هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران96 :97].
روى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن شماسه قال: حَضَرْنا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- وهو في سياق الموت، فبكى طويلاً وقال: لما جعل الإسلام في قلبي أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله: ابسط يمينك لأبايعك، فبسط يده فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟! قال: أردت أن اشترط، قال: تشترط ماذا؟! قال: أن يغفر لي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أما علمت -يا عمرو- أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين مكة والمدينة، فمررنا بوادٍ، فقال: أي وادٍ هذا؟! فقلنا: هذا وادي الأزرق، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "كأني انظر إلى موسى -صلى الله عليه وسلم- واضعًا إصبعه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية مارًا بهذا الوادي"، قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة من صوف، خطام ناقته ليف، مارًا بهذا الوادي ملبيًا"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لقد مر بالروحاء -وهو موضع بين مكة والمدينة- لقد مر بالروحاء سبعون نبيًا، فيهم نبي الله موسى، حفاة عليهم العباءة يؤمون بيت الله العتيق". رواه أبو يعلى والطبراني وحسنه العلامة الألباني.
ثم حج الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع، فأظهر فيها تمام الحب والذل والافتقار إلى ربه -جل وعلا-، يقول أنس -رضي الله عنه-: حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رحل رث قطيفة خلقة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة". رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه وهو في صحيح الترغيب.
ثم اقتدى سادة الأمة بحبيبهم صلى الله عليه وسلم، فها هو الحسن بن علي -رضي الله عنه- يحج خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وأبو عثمان النهدي -رحمه الله وغفر له- حج لله ستين مرة, يقطعون الفيافي والقفار رغبة في رحمة العزيز الغفار، واستجابة لربهم القائل: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ)
نداؤهم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، نداء حبيب إلى النفوس المؤمنة، وكلمات مشرقة هي رمز التوحيد والإيمان، وعنوان الخضوع والإذعان، واعتراف بالجميل والإنعام.
بين يدي اليوم تذكرة لمن صدق عزمه على حج البيت الحرام.. بما له عند الله، وهو المليك العلام، وبشارة له في خير الدنيا والآخرة، والظن بالله -جل وعلا- أنه ما ساق تلك القلوب إلى أداء فريضة الحج إلا تشريفًا لأهلها، ذلك فضل من الله وكفى بالله عليمًا، هنيئًا للمستجيبين الذين لم تحجزهم عن القيام بهذا الفضل نفقاته، ولم تثن عزائمهم متاعب الطريق ومشقاته، ولم تزعزع نواياهم وساوس الشيطان الرجيم ونزعاته، بل غلبهم الشوق فطارت قلوبهم قبل أجسادهم إلى تلك المشاعر العظام، هنيئًا لهم حيث رفعوا أصواتهم بالتلبية والثناء على ربهم -جل وعلا-، فأحسنوا الظن به فأنالهم عفوه وأفاض عليهم من جوده وكرمه.
وإنها أيضًا تذكرة للقادرين القاعدين عن حج بيت الله الحرام، فما العذر -أيها القادر- على الحج إذا أوقفك ربك يوم القيامة موقف الذل والصغار، وعدّد عليك ما خولك إياه في الدنيا من الأموال والعقار، وذكّرك بما حباك به من قوة واقتدار، ثم سئلت عن حج بيت الله, وإجابة نداء خليل الله, وتحقيق ركن دين الله, فبماذا ستجيب أيها المسكين في هذا الموقف العظيم؟ قال عمر -رضي الله عنه-: "لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظر إلى كل من كان عنده جِدَة ولم يحج فيضرب عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين".
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إذا أذن مؤذن الحج رأيت صدى دعوته تتجلجل في جنبات العالم الإسلامي، يهز المشاعر هزًا إلى أرض الحجاز .. إلى الكعبة قبلة المسلمين.
يحـنّ إلى أرض الحجـاز فؤادي *** ويحدو اشتياقي نحو مكة حادي
ولي أمـلٌ مـازال يسمو بهمّتي *** إلى البلـدة الغـراء خـير بلاد
بها كعـبة الله التي طاف حولها *** عـبـادٌ هـم لله خـيرُ عبـادِ
لأقضـيَ فرض الله في حج بيته *** بأصـدق إيمـان وأطيـب زاد
أطوف كما طاف النبيون حوله *** طواف قيـادِ لا طـواف عنـادِ
إنها رحلة مباركة إلى بيت الله الحرام، رحلة إلى بيت الله الحرام خضوعًا وتذللاً لرب العالمين وطاعة له إذ قال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران:97]، فيا راحلين بيت الله الحرام: هنيئًا لكم، وأبشروا بفضل الله وكرمه، فإن الله -جل وعلا- اختصكم من بين خلقه لعمارة بيته الحرام والتلذذ بمناجاته في تلك المواقف العظام.
لقد كثرت النصوص المرغّبة في حج بيت الله الحرام، يقول-صلى الله عليه وسلم-: "من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
الحج ركن من أركان الإسلام واجب على الفور, فلا يجوز للمستطيع تأخيره إلى السنة المقبلة، فإن فعل أثم.
 يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له". خرجه أبو داود في سننه. وقال موسى نبي الله -صلوات الله وسلامه عليه-: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، ويقول الله مادحًا بعض عباده المؤمنين: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً).
الحج والعمرة من أسباب مغفرة الذنوب وسعة الأرزاق؛ يقول الحبيب المصطفى -صلوات ربي وسلامه عليه-: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة"، نعوذ بالله أن نكون من قوم حرموا طاعة الله والتقرب إليه، ففي صحيح ابن حبان من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله -عز وجل- يقول: إن عبدًا صححت له جسمه، وأوسعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم"، وكيف لا يكون محرومًا؟! فإنه لن يكون مع قوم يباهي الله بهم ملائكته وينصرفون من تلك المواقف العظيمة وقد غفر الله لهم ما سلف من الذنوب والعصيان: (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً).
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ والسنّة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزًا وحصنًا, وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا, وأضافه إلى نفسه تشريفًا وتحصينًا ومنَّاً, والصلاة والسلام على نبي الرحمة وسيد الأمة, وعلى آله وأصحابه قادة الخلق وسادة الحق, وسلم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ .
أيها التاجر المسلم.. يا من أنعم الله عليك بالمال, وحثك على بذله في وجوه الخير ووعدك بالثواب, (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).
في موسم الحج تشتاق أرواح المؤمنين الصادقين إلى الذهاب إلى بيت الله الحرام, والاختلاط بالمسلمين في تلك المشاعر المقدسة, وكم بكت من عيون إذا رأت في التلفاز جموع الحجيج في عرفة, يتمنى أن يكون معهم لكن منعته قلة ذات اليد, قد يكون هذا الشخص لا يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة .. نعم .. لكنه يتمنى الذهاب إلى تلك البقاع, يغسل أدران ذنوبه, وينقي سريرته, ويكحل عينيه برؤية البيت العتيق, ويرجو أن يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
يا تجار المسلمين .. كونوا شركاء لهم في الأجر, كونوا عونًا لهم على الخير, كونوا مفاتيح للخير, هذه رحلة العمر, أحسن كما أحسن الله إليك, وأبشر بالخير من الله, (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخلُ ومن يبخلْ فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
كان حكيم بن حزام -رحمه الله ورضي عنه- كريمًا منفقًا ماله في سبيل الله، كان يأتي يوم عرفة ومعه مائة رقبة من رقيقه ثم يعتقهم تقربًا لربه -جل وعلا- في ذلك الموقف، فعند ذلك يضج الناس بالبكاء والدعاء يقولون: "ربنا: هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك، فأعتق رقابنا من النار وأنت أكرم الأكرمين"
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. وهذه وصية أخرى.. وصية إلى إخواننا المقيمين في هذه البلاد, ها قد أتيت إلى هذه المملكة, وشرفك الله بالقرب من بيته, وسهَّل عليك الوصول إليه, فلا تلزمك تأشيرة حج, والكلفة المادية أقل, والتنقل سهل, والمدة قصيرة.. اغتنم هذه الفرصة فإنك لا تدري ما يعرض لك بعدُ, اليوم تيسر لك الوصول, ولا تدري غدًا ماذا يحول؟ اليوم الحج يحتاج منك فقط إلى قرار وثبات, وغدًا قد تعض أصابع الندم وتتمنى العودة ولكن هيهات, اعزم واجزم وليكن لسان حالك:
إليـك إلهـي قـد أتيـت مُلَبـيـا *** فبـارك إلهـي حجتـي ودعائـيـا
قصدتك مضطـراً وجئتـك باكيـا *** وحاشـاك ربـي أن تـرد بكائيـا
كفانـيَ فخـراً أننـي لـك عابـد *** فيافرحتي إن صرت عبـداً مواليـا
إلهـي فأنـت الله لا شـيء مثلـه *** فأفعـم فـؤادي حكمـة ومعانـيـا
أتيت بلا زاد ، وجـودك مطعمـي ** وما خاب من يهفو لجودك ساعيـا
إليك إلهي قـد حضـرت مؤمـلا *** خلاص فؤادي مـن ذنوبـي ملبيـا
روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما أهلّ مهل قط إلا بشر -أهلّ: أي رفع صوته بالتلبية- ولا كبر مكبر قط إلا بشر"، قيل: يا رسول الله: بالجنة، قال: "نعم". رواه الطبراني في الأوسط، وهو في صحيح الجامع.
اللهم ارزقنا حجة خالصة لوجهك الكريم, لا رياء فيها ولا سمعة, وتقبلها منا يا ذا الجلال والإكرام.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة