الرزق الحلال والاكتتاب المحرم الجمعة23/12/1435هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: تعلمون جميعًا أننا في زمن فُتِحَت فيه الدنيا على الناس، وكثُرت أموالهم، وتعددت مكاسبهم، وكثرت صور البيوع والمكاسب التي حيَّرت الناس ولبَّست عليهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال، من حلال أو حرام, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال، من حلال أو حرام". رواه النسائي بسند صحيح.
وإن العبد الصالح نقيُّ القلب لا يتأثر بما يتأثر به الناس، ولا يتابعهم في ما يخالفون فيه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يأكل التمرة لأنه يخشى أن تكون من تمر الصدقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"أربعٌ إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحُسْن خليقة، وعفَّة طُعمَة". رواه الإمام أحمد بسند صحيح.
إن العبد إذا اطمأن قلبُه بربه، وَثِق في تدبير ربه له في أمر رزقه، بين بسطه وتقديره، فهو راضٍ عن ربه، غيرُ متطلع لما في يد غيره، قانعٌ برزقه، واثقٌ في حُسْن اختيار الله له، فقد آمن وصدَّق بقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس نفث في رُوعِي أن نَفْساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنَال ما عنده إلا بطاعته". رواه أبو نعيم في الحلية وسنده صحيح.
لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم العبد من أكل الحرام، مبيِّناً آثاره الضارة على دينه وسلامة عبادته، فقال صلى الله عليه وسلم:"أيها الناس, إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا), وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟". رواه مسلم.قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث:"في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقبَل العمل، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قَبُوله.
 قال وهيب بن الورد:"لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك، حلال أم حرام؟".
ويقول ميمون بن مهران:"لا يكون الرجل تقيّاً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه؟".
وقال يوسف بن أسباط:"إذا تعبَّد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دعوه لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه".
وقال إبراهيم بن أدهم:"ما أدرك من أدرك، إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه".
وقال عبد الله بن المبارك:"رَدُّ درهم من شبهة أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف".
لقد كان أسلافنا رحمهم الله يؤكدون على هذا المعنى كثيراً، حتى إن الفضيل رحمه الله لما أراد أن يعرِّف أهل السُّنة قال:"أهل السُّنة مَن عرف ما يدخل بطنه من حلال".
يجب على من يحرص على دينه من أمثالكم, إذا التبس عليه أمرٌ بين حِلٍّ وحرمةٍ أن يسأل أهل العلم، كما كان يفعل سلفنا رضوان الله عليهم.
وكم تجرأ بعض الناس هداهم الله على الكسب الحرام، فهذا عامل لا يؤدي عمله على وجه صحيح، وهذا رَبُّ عمل يقتطع من حق أجيره، وهذا موظف لا ينهض بمسؤولية وظيفته، وهذا تاجر يغش في سلعته، وهذا متجرئ على التعامل بالربا، وهذا متاجر بما يفسد عقول الناس ويدمر حياتهم.
إن مما لا يعلمه كثير من الناس أن الكسب الحرام ينعكس على صلاح الأولاد. فالشجرة الطيِّبة التي تُسقَى بماء صافٍ لا تُنبِت إلا طيباً، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما كنت مع عمر رضي الله عنه وهو يعسُّ بالمدينة إذا هو قد أعيا, فاتَّكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه! قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء (أي اخلطيه)، فقالت لها ابنتها: يا أُمتاه! أما علمتِ ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم، ألاّ يُشاب اللبن بالماء، فقالت الأم: قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك في موضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر، فقالت البنت لأمها: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سرّاً. وكان أمير المؤمنين في استناده إلى الجدار يسمع هذا الحوار فالتفت إليَّ يقول: يا أسلم! ضع على هذا الباب علامة، ثم مضى أمير المؤمنين في عَسِّه، فلما أصبح ناداني: يا أسلم! امضِ إلى البيت الذي وضعتَ عليه العلامة فانظر من القائلة، ومن المقول لها؟ وانظر هل لهما من رجل؟. يقول أسلم: فمضيت فأتيت الموضع، فإذا ابنة لا زوج لها، وهي تقيم مع أمها وليس معهما رجل، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر، فدعا إليه أولاده فجمعهم حوله ثم قال لهم: هل منكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه أحد منكم إلى الزواج بهذه المرأة التي أعرف نبأها، والتي أحب لأحدكم أن يتزوجها. فقال عاصم بن عمر يا أبتاه! تعلم أنْ ليس لي زوجة، فأنا أحق بزواجها. فبعث أمير المؤمنين من يخطب بنت بائعة اللبن لابن أمير المؤمنين عاصم، فزوجه بها، فولدت له بنتاً تزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم أحد خلفاء بني أمية, ولما أراد الزواج قال لخازنه: اجمع لي أربعمائة دينار من طيِّب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح، فتزوج أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حفيدة أمير المؤمنين. فولدت له خامس الخلفاء الراشدين الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، رضوان الله عليهم أجمعين, فهذه ثمرة طيبة من شجرة طيبة, غذيت بالحلال وسقيت به من أول حينه.
فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمَّن سواك ..
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الْحَمْدُ للهِ الذِي بَيَّنَ الْحَلالَ وَأَبَاحَه ، وَوَضَّحَ الْحَرَامَ وَمَنَعَه ، وَجَعَلَ الْبَرَكَةَ وَالرِّزْقَ فِي الأَمَانَة ، وَالْفَسَادَ وَالشَّرَّ فِي الْخِيَانَة ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الذِي دَلَّنَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَحَذَّرَنَا مِنْ كُلِّ شَرًّ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً .
أَمَّا بَعْدُ : فاتقوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَتَوَقَّوْا الْحَرَامَ وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بَهْرَجُهُ وَكَثْرَةُ كَسْبِهِ فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْكَسَادِ وَمَآلُهُ إِلَى الْخَسَارِةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ !
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : يطرح بين الفينة والأخرى الاكتتاب في بعض الشركات والمؤسسات التي تمارس أنشطة محرمة, ويكثر أثناء ذلك السؤال عن مدى جواز الاكتتاب من عدمه, وقد سُئِلَ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا السُّؤَالَ : حَصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي خِلَافٌ شَدِيدٌ حَوْلَ الْمُسَاهَمَةِ فِي أَحَدِ الْبُنُوكِ فِي الْمَمْلَكَةِ الْمَطْرُوحَةِ أَسْهُمُهُ لِلْاكْتِتَابِ هَذَا الْعَامِ حَوْلَ جَوَازِ الْمُسَاهَمَةِ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَأَنَّهُ يَتَعَامَلُ بِالرِّبَا وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ شُبْهَةً وَلَيْسَ حَرَاماً. وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ طَلَبَ مِنِّي اسْمِي وَاسْمَاءَ أَبْنَائِي لِيُسَاهِمُ لَهُ بِهَا فِي الْبَنْكِ وَلَقَدْ تَجَادَلْنَا كَثِيرَاً وَاتَّفَقْنَا عَلَى جَوَابٍ فَصْلٍ مِنْ سَمَاحَتِكُمْ فَنَرْجُو إِفْتَاءَنَا عَمَّا يَلِي (أَوَّلاً) حُكْمُ الْمُسَاهَمَةِ فِي الْبَنْكِ الْمَذْكُورِ ؟ وَ(ثَانِيَاً) حُكْمُ مَنْحِ الْأَسْمَاءِ لِشَخْصٍ يُرِيدُ الْمُسَاهَمَةَ بِهَا فِي هَذَا الْبَنْكِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَسْمَاءِ يَرَى الْحُرْمَةَ ؟ فَنَرْجُو مِنْ سَمَاحَتِكُمْ جَوَابَنَا سَرِيعَاً وَاللهُ يَحْفَظُكُمْ ، فَأَجَابَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ بَقَوْلِهِ : لا تَجُوزُ الْمُسَاهَمَةُ فِي هَذَا الْبَنْكِ وَلا غَيْرِهِ مِنَ الْبُنُوكِ الرِّبَوِيَّةِ ، وَلا الْمُسَاعَدَةُ فِي ذَلِكَ بِإِعْطَاءِ الْأَسْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَقَدْ نَهَى اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ ذَلِكَ فَي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وكَاتِبَهَ وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ (هُمْ سَوَاءٌ) ، خَرَّجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . ا.هـ
وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة قراراً بحرمة شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالماً بذلك. وإذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم فالواجب عليه الخروج منها. وجاء في القرار: والتحريم في ذلك واضح لعموم الأدلة من الكتاب والسنّة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا، لأن السهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجودات الشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة أو تقترضه بفائدة فللمساهم نصيب منه لأن الذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه وبتوكيل منه، والتوكيل بعمل المحرم لا يجوز.
فاتقوا الله عباد الله واحذروا محاربة الله ورسوله في هذه المساهمات. وهي ولا شك مغرية جداً، لكن بمثل هذه الامتحانات يتبين المسلم الورع الذي ينشد الكسب الحلال ليطعمه لأولاده، فينجو في الدنيا والآخرة، وقليل المال مع التقوى والخوف من الله يبارك الله فيه، والكثير من المال مع نزع البركة منه يكون فيه المحق والنقص والإثم: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات)
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة