الريح والغبار الجمعة 9/4/1433هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: فإن نعم الله تعالى على عباده كثيرة, فهم يتقلبون في نعمه بنعمه, (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).
لا يُقدر قيمة النعمة إلا من فقدها, ولذلك ذكرت العرب في أمثالها: (الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى).
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. من النعم التي لا يتنبه لها كثير من الناس نعمة الهواء النقي, أنعم الله تعالى علينا بنعمة استنشاق هواء نقي, من غير مصفيات أو منقيات, ومن غير كَدٍّ أو بذل جهد, نتنفس من دون مال أو ثمن, وفي الأيام الماضية لما تعكر الجو, وثارت الريح والأتربة, وفقدنا نعمة الهواء النظيف, وأصبح الإنسان يتحرز في بيته وسيارته من هذا الغبار, ويحكم غلق أبوابه ونوافذه, ويوصي أهله بذلك, أقعد الغبار كثيرًا من الناس في بيوتها, وألغى كثيرًا من الأعمال والرحلات, كل هذا بسبب حبات رمل وتراب ثارت فغيرت حياة الناس ونظامهم, ولنا مع الريح والغبار أربع وقفات:
الوقفة الأولى: لاشك أن لهبوب الرياح والغبار أسبابًا وحِكمًا, ويخطئ من يجعل سبب الغبار الوحيد هو العذاب, إن العذاب سبب من أسباب الغبار, لكنه ليس السبب الوحيد, إن لله تعالى حِكمًا في تصريفه للرياح, فمن الرياح ما يكون عذابًا, ومنها ما يكون نفعًا, جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نُصرت بالصَبا, وأهلكت عاد بالدَبور".
ينبغي للمسلم الذي جعل الله تعالى له بصرًا وبصيرة أن يحذر من غضب الله وعقابه, روى الإمام أحمد أيضًا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء ترك عمله وإن كان في صلاته, ثم يقول: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه" فإن كشفه الله حمد الله, وإن أمطرت قال: اللهم صيبًا نافعًا".
وجاء عند الإمام أحمد في مسنده أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته, إنما كان يتبسم, قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه, قالت: يا رسول الله, الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر, وأراك إذا رأيته عُرِفَت في وجهك الكراهية؟ فقال: يا عائشة, ما يؤمنُني أن يكون فيه عذاب؟ قد عُذب قوم بالريح, وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" .
وهؤلاء القوم الذين وردوا في هذا الحديث هم عاد قوم نبي الله هود عليه السلام, وقد ذكر الله تعالى إهلاكهم في عدة مواضع من كتابه, قال الله تعالى: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا * فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية}, قال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين عُمان وحضرموت, وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض, وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله, وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله, فبعث الله إليهم هودًا عليه السلام, وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا, فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره, وأن يكفوا عن ظلم الناس, فأبوا عليه وكذبوه, وقالوا: من أشد منا قوة؟! واتَّبعه منهم ناس وهم يسير مكتَتِمون بإيمانهم, فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه, وأكثروا في الأرض الفساد, أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك, قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان, وطلبوا من الله الفرج فيه إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته, وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان, وبه قوم يقال لهم: العماليقُ مقيمون, وكان سيد العماليق إذ ذاك رجل يقال له معاوية بن بكر وكانت أمه من قوم عاد, قال فبعثت عاد وفداً قريباً من سبعين رجلاً إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم قينتان لمعاوية, ثم نهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم, فأنشأ الله سحابة سوداء, فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا, قال الله {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء} أي تهلك كل شيء مرت به فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً كما قال الله تعالى. والحسوم الدائمة, فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك, قال الله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ}.
 قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية, فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تَنْكُسُهُ على أم رأسه, فتثلغ رأسه حتى تُبِينَه من بين جثته, ولهذا قال: {كأنهم أعجاز نخل خاوية}.
الوقفة الثانية: الرِّيح مُسَخَّرةٌ مُدَبَّرةٌ، فلا يجوز للمسلم أن يسبَّها, ولهذا قالَ صلى الله عليه وسلم : (لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح, قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لا ينبغي لأحد أن يسب الريح, فإنها خلق لله تعالى مطيع, وجند من أجناده, يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء) وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله تعالى: لكنْ إذا كانت الرِّيحُ مُزْعِجةً فقدْ أَرْشدَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ إلَى ما يُقالُ حينَئذٍ في قولِهِ: ( اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ ) صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ, "فقولُهُ: (مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ) الرِّيحُ نفسُهَا فيها خيرٌ وشرٌّ؛ فقدْ تكونُ عاصفةً تَقْلَعُ الأشجارَ, وتَهْدِمُ الدِّيارَ, وتُفِيضُ البحارَ والأنهارَ، وقدْ تكونُ هادئةً تُبَرِّدُ الجوَّ وتُكْسِبُ النَّشاطَ. وقولُهُ: (وَخَيْرِ مَا فِيهَا) أيْ: ما تَحْمِلُهُ؛ لأنَّها قدْ تحملُ خيرًا كتلقيحِ الثِّمَارِ، وقدْ تحملُ رائحةً طَيِّبةَ الشَّمِّ، وقدْ تحملُ شرًّا كإزالةِ تلقيحِ الثِّمَارِ، وأمراضٍ تَضُرُّ الإنسانَ والبهائمَ" أ.هـ
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
:: الخطبة الثانية ::.
الحمد لله الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزل من السماء ماء طهوراً, ليحيي به بلدة ميتاً ويسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وكان الله على كل شيء قديراً, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
الوقفة الثالثة: من تمام دين الإسلام وكماله أن الله تعالى جعله شاملاً لكل شؤون الحياة, جاء في صحيح مسلم أن يهوديًا قال لسلمان الفارسي رضي الله عنه: قد عَلَمَكُم نَبيُكُم كلَ شيء حتى الخِراَءة! فقال: "أجل, قد علمنا كل شيء حتى الخِراءة, وأمرنا ألا نستنجي برجيعٍ أو عظم, وألا نستنجي باليمين", نعم .. دين تام كامل, {اليوم أكملت لكم دينَكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}, ومن تمام هذا الدين أنه أرشدنا لما نقوله إذا هاجت الريح, جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به, وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به).
ويستحب عند رؤية الريح أن يسأل العبدُ ربَه من خيرها, جاء عند أبي داوود وابن ماجه بإسناد حسن, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الريح من رَوح الله تعالى, تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب, فإذا رأيتموها فلا تسبوها, وسلوا الله خيرها, واستعيذوا بالله من شرها).
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح يقول: (اللهم لَقحًا لا عقيمًا) حديث حسن, ولَقحًا: يعني محملة بالماء, والعقيم: هي التي لا ماء فيها.
الوقفة الرابعة: إذا هبت الريح تنتشر على ألسنة بعض الناس أحاديث وآثار, فمن ذلك ما رواه الإمام الشافعي والسيوطي والهيثمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: " ما هبت الريح إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا, اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا), وكثير ممن يأتي بهذا الحديث يستشهد له بأنه لم ترد لفظة (الريح) في القرآن إلا للعذاب, مثل قول الله تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا}, وقوله {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} ونحوها من الآيات, وهذا الحديث متكلم في صحته فقد قال عنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى: إسناده ضعيف جدًا, وقال في ضعيف الجامع: باطل, كما أن هذا الحديث يخالفه ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (الريح من رَوح الله تعالى, تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب), فذكر صلى الله عليه وسلم أن الريح قد تأتي بالرحمة, ويخالفه أيضًا ورود كلمة (الريح) في كتاب الله تعالى في غير مواضع العذاب, فمن ذلك قول الله تبارك وتعالى: { حتى إذا كنتم في الفلك وجَرَينَ بهم بريح طيبة} فسمى الله تعالى الريح أنها طيبة, وقال الله تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب}, فعلى ذلك فإن هذا الحديث لا يصح لا سندًا ولا متنًا, وعليه يجوز إطلاق لفظ الريح على ما فيه خير ورحمة والله أعلم.
فاللهم إنا نسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به, ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, وقد قال الله تعالى(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما), ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا) فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
 اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة