التهيؤ للعبادة الجمعة 25/8/1436هـ
الحمدُ للهِ الذي جعلَ رمضانَ سيِّدَ
الشُّهورِ، وأفاضَ فيه من الخيرِ والبركاتِ والنُّورِ، أحمدُه سبحانَه.. يغفرُ
الذُّنوبَ، ويَسترُ العُيوبَ، ويُغيثُ المكروبَ، وهو علَّامُ الغيوبِ .. عمَّ فضلُه الأكوانَ، ويقبلُ
تَوبةَ النَّدمانِ، ويُنزِّلُ رحمتَه على المؤمنينَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ .. وأشهدُ
أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فرضَ علينا الصَّومَ تهذيبًا للنُّفوسِ
وتحقيقًا لتقوى القُلوبِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا وقائدَنا
وشفيعَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه الصَّادقُ الأمينُ، غفرَ اللهُ له ذنبَه، وشَرحَ له صدرَه، ووضعَ عنه
وِزرَه، ورفعَ له ذِكرَه، فكان طائعاً لربِّه.. وأكثرُ ما يكونُ ذلكَ في رمضانَ،
وكان مجتهدًا في العبادةِ وأكثرُ ما يكونُ ذلك في رمضانَ، وكانَ ذاكراً لربه
وأكثرُ ما يكونُ ذلك في رمضانَ، وكان جَوادًا كريمًا وأكثرُ ما يكونُ ذلك في رمضانَ .. صلى اللهُ عليه وعلى
آلِه الطَّاهرينَ وصحابتِه الغُرِّ الميامينِ،
ومن تبعَهم وسارَ على دربِهم إلى يومِ الدِّينِ .. أما بعد:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَىْ
وَأَطِيْعُوْهُ، وَاسْتَعِدُّوْا لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ الْتَّقْوَى بِمُلَازَمَةِ
الْتَّقْوَى؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الصِّيَامِ [يَا أَيُّهَا
الَّذِيْنَ آَمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ] {الْبَقَرَةِ:183}.
أَيُّهَا الْمسلمون: لمَّا خَلَقَ اللهُ
تَعَالَىْ الْبَشَرَ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ سُنَّتِهِ فِيْهِمْ الْتَّدْرُجَ،
وَلَوْ شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ لَخَلَقَهُمْ خَلْقَاً وَاحِدَاً مُكْتَمِلَاً [وَقَدْ
خَلَقَكُمْ أَطْوَارَاً] {نُوْحٍ:14} أَطْوَارٌ فِيْ الْرَّحِمِ، وَأَطْوَارٌ
بَعْدَ الْخُرُوْجِ إِلَى الْدُّنْيَا يَتَدَرَّجُ فِيْهَا الْإِنْسَانُ مِنْ طُورٍ
إِلَى آَخَرَ [هُوَ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ
مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلَاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوَا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ
لِتَكُوْنُوْا شُيُوخَاً] {غَافِرِ:67}.
وَأَتَتْ سُنَّةُ الْتَّدَرُّجِ فِيْ
الْإِنْسَانِ عَلَى جَمِيْعِ أَجْزَائِهِ، حَتَّى إِنَّ عَقْلَهُ لِيَتَدَرَّجُ في
نُمُوِّهِ وَتَتَّسِعُ مَدَارِكُهُ لَاكْتِسَابِ المَعَارِفِ، وَيَتَدَرَّجُ فِيْ
سُلُوْكِهِ لِلْتَحَلِّي بِالْفَضَائِلِ، وَتَكُوْنُ سُرْعَتُهُ فِيْ
الْتَّرَقِّيْ بِحَسَبِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ وَعَمَلِهِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ عَزْمُهُ
أَقْوَىْ، وَهِمَّتُهُ أَعْلَى؛ فَإِنَّهُ يَسَبِقُ أَقْرَانَهُ، وَيُدْرِكُ مَنْ
كَانُوْا أَمَامَهُ.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ حِيْنَ
شَرَعَ الْشَّرَائِعَ لِلْبَشَرِ فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَاعَى سُنَّةَ
الْتَّدَرُّجِ فِيْهِمْ، فَجَاءَتْ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيْهِ مُتَدَرِّجَةً؛
لِيُوَافِقَ الْأَمْرُ الْشَّرْعِيُّ تَكْوِينَهُمُ الْخَلْقِيَّ فَلَا يَكُوْنُ
بَيْنَهُمَا تَنَافُرٌ وَلَا تَعَارُضٌ، وَهَذِهِ حِكْمَةُ الْحَكِيْمِ الْعَلِيْمِ
[الَّذِيْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ] {الْسَّجْدَةِ:7}.
إِنَّ الْبَشَرَ في كثير من الأحيان لَا
يَسْتَطِيْعُوْنَ الِامْتِنَاعَ فَجْأَةً عَمَّا أَلِفُوْا، وَلَا الِامْتِثَالَ
الْفَوْرِيَّ لما لَمْ يَعْتَادُوْا، وَمِثَالُ ذلك: الْتَّدْرُجُ فِيْ تَحْرِيْمِ
الْخَمْرِ؛ إِذْ نَزَلَ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ، وَمِثَالُه أيضًا: الْتَّدْرُجُ
فِيْ فَرْضِ الْصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، وَكَانَ عَلَى مَرَاحِلَ أَيْضَاً، وَقَدْ
بَيَّنَ مَعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَبَبَ ذَلِكَ فَقَالَ:«وَكَانُوْا قَوْمَاً
لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَلَيْهِمْ شَدِيْدَاً»رَوَاهُ
أَبُوْ دَاوُدَ.
بَلْ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ
تَعَالَى بِعِلْمِهِ بِطَبِيْعَةِ الْبَشَرِ، وَحِكْمَتِهِ فِيْ الْتَّشْرِيْعِ
لَهُمْ؛ شَرَعَ لِلْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ مُقَدِّمَاتٍ تَكُوْنُ قَبْلَهَا
إِذَا حَافَظَ المُكَلَّفُ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُهَيِّئُه لَهَا، وَتُعِيْنُهُ
عَلَيْهَا، وَتَجْعَلُهُ يَتَلَذَّذُ بِهَا؛ ذَلِكَ أَنَّ الْقُلُوْبَ
وَالْأَبْدَانَ تَحْتَاجُ إِلَى تَرْوِيْضٍ وَتُدَرِيْبٍ عَلَى فِعْلِ
الطَّاعَاتِ، وَالْكَفِّ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، وَيَنْبَغِيْ تَهْيِئَتُها لِذَلِكَ
حَتَّى تَجِدَ لَذَّةً فِي الِامْتِثَالِ؛ وَلِئَلَّا يَكُوْنَ فِعْلُ الْطَّاعَةِ
أَوِ الْكَفُّ عَنِ المُحْرَّمِ ثَقِيْلَاً عَلَيْهَا.
فَفِيْ الصَّلَاةِ شَرَعَ اللهُ
تَعَالَى الْوُضُوْءَ وَجَعَلَهُ شَرْطَاً لَهَا، وَشَرَعَ الْتَّبْكِيرَ إِلَى المَسْجِدَ،
وَالمَشْيَ إِلَيْهِ بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ، وَالْدُّنُوَّ مِنَ الْإِمَامِ،
وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهَا، بَلْ يُحْسَبُ ذَلِكَ صَلَاةً لَهُ، وَفِيْ
الْحَدِيْثِ:«لَّا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الْصَّلَاةُ
تَحْبِسُهُ»رَوَاهُ الْشَّيْخَانِ.
كُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِأَجْلِ أَنْ
يَتَهَيَّأَ المُصَلِّي لِلْفَرِيْضَةِ؛ فَيُؤَدِّيَهَا بِخُشُوْعٍ
وَطُمَأْنِيْنَةٍ. وَحَرِيٌّ بِمَنْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ
لِلْصَّلاةِ أَنْ يَجِدَ فِيْ صَلَاتِهِ خُشُوْعَاً وَلَذَّةً لَا يَجِدُهَا مَنْ
فَرَّطَ فِيْ مُقَدِّمَاتِهَا.
وَالصِّيَامُ مِنَ الْأَعْمَالِ
الْبَدَنِيَّةِ، لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنِ كثير من العبادات فِيْ كَوْنِهِ كَفَّاً
عَنِ المُشْتَهَيَاتِ، وَلَيْسَ أَفْعَالَاً لَهَا مُقَدِّمَاتٌ يُؤَدِّيهَا
المُكَلَّفُ فَتُهَيِئُ قَلْبَهُ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيْمَةِ؛ كَمَا هُوَ
الْحَالُ فِيْ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ونحوها؛ وَلِذَا فَإِنَّ كَثِيْرَاً مِنَ
الْصَّائِمِيْنَ لَا يَسْتَشْعِرُونَ عَظَمَةَ رَمَضَانَ، وَلَا يُحِسُّوْنَ
بِقِيْمَةِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ بِضْعَةِ أَيَّامٍ
مِنْهُ؛ لِأَنَّ قُلُوْبَهُمْ لَمْ تَتَهَيّأْ لَهُ، فَلَمَّا صَامُوَا أَوَّلَ
أَيَّامِهِ، وَقَامُوا أَوَّلَ لَيَالِيْهِ؛ اسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ
بَعْضِهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْشَطُ أَوَّلَ الْأَيَّامِ ثُمَّ
يُصِيْبُهُ الْتَّعَبُ وَالمَلَلُ.
إِنَّ سُنَّةَ الله تَعَالَى فِيْ
عِبَادِهِ بِالْتَّدَرُّجِ تَأْبَى أَنْ يَنْقَلِبَ الْإِنْسَانُ انْقِلَابَاً
كُلِّيَّاً بِمُجَرَّدِ الْإِعْلَانِ عَنْ دُخُوْلِ الْشَّهْرِ، بِحَيْثُ
يُلَازِمُ الْقُرْآَنَ وَقَدْ كَانَ هَاجِرَاً لَهُ، وَيُطِيْلُ المُكْثَ فِيْ
المَسْجِدِ وَقَدْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا فِيْ الْفَرِيْضَةِ، وَيَتَخَلَّى
عَنْ فُضُوْلِ الْنَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالْطَّعَامِ وَقَدْ أَلِفَ ذَلِكَ
وَاعْتَادَهُ طِوَالَ الْعَامِ.. إِنَّهُ لَيْسَ آَلَةً يُدَارُ مُحَرِّكُها
بِمُجَرَّدِ إِهْلَالِ الْهِلَالِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَهْيِئَةٍ وَرِيَاضَةٍ
تُعِيْنُهُ عَلَى أَنْ يَسْتَثْمِرَ كُلَّ رَمَضَانَ، فَلَا يَضِيْعُ عَلَيْهِ
لَحْظَةٌ مِنْهُ.
إِنَّ كَثِيْرَاً مِنَ الْنَّاسِ
يُحَدِّثُوْنَ أَنْفُسَهُمْ حَالَ دُخُوْلِ الْشَّهْرِ بِانْقِلَابٍ كُلِّيٍّ فِيْ
حَيَاتِهِمْ، وَيَعِدُوْنَ رَبَّهُمْ سُبْحَانَهُ بِخَيْرٍ يَرَاهُ مِنْهُمْ،
وَيَبْدَءُونَ أَوَّلَ يَوْمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ مَا يَلْبَثُ الْقَارِئُ أَنْ
يَسْأَمَ، وَلَا المَاكِثُ فِي المَسْجِدِ أَنْ يَمَلَّ، وَيَتَثَاقَلُ المُصَلِّي
خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيَتَذَرَّعُ بِطُوْلِ الصَّلَاةِ أَوْ كَثْرَةِ
الْرَّكَعَاتِ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ فِيْهِ هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
يَتَهَيَّأْ لِلشَّهْرِ، وَلَمْ يُعِدَّ عُدَّتَهُ لَهُ، وَلَمْ يُرَوِّضْ
نَفْسَهُ عَلَى الْطَّاعَةِ قَبْلَ دُخُوْلِهِ..
وَفِيْ كُلِّ المُسَابَقَاتِ
الْثَّقَافِيَّةِ وَالْرِّيَاضِيَّةِ وَالْعَسْكَريَّةِ وَغَيْرِهَا لَا بُدَّ
مِنْ فَتْرَةٍ لِلْتَّدْرِيبِ كَافِيَّةٍ، وَمَنْ نَافَسَ بِلَا تَدْرِيْبٍ
فَإِنَّهُ يَخْسَرُ وَلَا يَرْبَحُ، وَيَفْشَلُ وَلَا يَنْجَحُ.
وَكَثِيْرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ فِيْ
رَمَضَانَ هِيَ أَعْمَالٌ بَدَنِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَتَحْمُّلٍ، فَمَنْ
دَخَلَ عَلَيْهِ الْشَّهْرُ وَلَمْ يُرَوِّضْ نَفْسَهُ لَهَا فَإِنَّهُ لَنْ
يَخْلُوَ مِنْ أَحَدِ حَالَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَمَلَّ مِنْ مُغَالَبَةِ
نَفْسِهِ، وَقَهْرِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ وَنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ،
فَيَنْقَطِعُ عَنِ المُتَسَابِقِيْنَ، وَيَكْتَفِي بِالْفَرَائِضِ مَعَ
تَقْصِيْرِهِ فِيْهَا، وَيُحْرَمُ بَرَكَةَ رَمَضَانَ وَفَضْلَهُ، وَهَذَا حَالُ
كَثِيْرٍ مِنَ الْصَّائِمِيْنَ.. تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ فِيْ أَوَّلِ
رَمَضَانَ يُحَافِظُ عَلَى التَّرَاوِيْحِ، وَيَقْرَأُ كَثِيْرَاً مِنَ
الْقُرْآَنِ، ثُمَّ يَمَلُّ ذَلِكَ، وَيَتْعَبُ مِنَ المُجَاهَدَةِ، فَيَهْجُرُ
الْقُرْآَنَ، وَيَتَثَاقَلُ عَنِ النَّوَافِلِ، وَرُبَّمَا فَرَّطَ فِيْ بَعْضِ
الْفَرَائِضِ، وَأَمْضَى أَوْقَاتَهُ فِيْمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ.. حَتَّى
يَمْضِيَ الْشَّهْرُ وَهُوَ بَائِسٌ يَائِسٌ خَاسِرٌ.
وَإِمَّا أَنْ يَسْتَمِرَّ فِيْ
مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ، وَقَهْرِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْصَّلاةِ وَأَنْوَاعِ
الْقُرُبَاتِ وَلَوْ لَمْ تَجِدْ لَذَّةً لِذَلِكَ؛ حَتَّى تَأْلَفَ الْطَّاعَةَ
بَعْدَ مُرُوْرِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَ ضَاعَتْ عَلَيْهِ فِيْ مُغَالَبَةِ
نَفْسِهِ، وَهَذَا خَيْرٌ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَخَيْرٌ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَدْخُلُ
عَلَيْهِ رَمَضَانُ إِلَّا وَقَدْ رَوَّضَ نَّفْسَهُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ
الطَّاعَاتِ.. يَنْتَظِرُ هَلَالَهُ بِبَالِغِ الْصَّبْرِ وَغَايَةِ الْشَّوْقِ؛
لِيَنَالَ بَرَكَةَ الْشَّهْرِ، وَيَسْتَثْمِرَ أَوْقَاتَهُ، وَيَغْرِفَ مِنْ
حَسَنَاتِهِ.
وَتَأَمَّلُوْا -عِبَادَ الله- حِكْمَةَ
الْشَّارِعِ الْحَكِيْمِ حِيْنَ شَرَعَ الصِّيَامَ فِي شَعْبَانَ، حَتَّى كَانَ
أَكْثَرُ صِيَامِ الْنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيْ شَعْبَانَ، وَفِيْ بَعْضِ
الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ يَصُوْمُ شَعْبَانَ كُلَّهُ إِلَّا قَلِيْلَاً
مِنْهُ، وَفِيْ رِوَايَاتٍ أُخْرَى أَنَّهُ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ..
فَرُوِّضُوا أَنْفُسَكُمْ -أَيُّهَا
المُؤْمِنُوْنَ- عَلَى الْعِبَادَةِ أَيَّامَاً؛ لِتَنْعَمُوْا بِلَذَّتِهَا فِيْ
الْشَّهْرِ كُلِّهِ؛ وَلِتَظَفَرُوا بِمَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَىْ فِيْهِ
الْصَّائِمِيْنَ الْقَائِمِيْنَ، وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم:«إِذَا
كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الْشَّيَاطِيْنُ
وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْنَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا
بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ،
وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ: أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الْشَّرِّ:
أَقْصِرْ، وَلله عُتَقَاءُ مِنَ الْنَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» رَوَاهُ
الْشَّيْخَانِ.
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة,
ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم, وأستغفر الله لي ولكم إنه
هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية :
الْحَمْدُ لله حَمْدَاً يَلِيْقُ
بِجَلَالِهِ وَعَظِيْمِ سُلْطَانِهِ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ، وَأَشْكُرُهُ
عَلَى آَلَائِهِ الْجَسْيمَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ
وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى
بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْدِّيِنِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ
تَعَالَىْ وَأَطِيْعُوْهُ، وَخُذُوا مِنْ صِحَّتِكُمْ لِمَرَضِكُمْ، وَمِنْ
فَرَاغِكُمْ لَشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمُ لِمَوتِكُمْ، وَمِنْ دُنْيَاكُمْ
لِآخِرَتِكُمْ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغْدَاً حِسَابٌ وَلَا
عَمَلٌ [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُوْنَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ]
{الْحَاقَّةُ:18}.
أَيُّهَا المُسْلِمُوْنَ: كُلُّ عَمَلٍ
يُرِيْدُ صَاحِبُهُ أَنْ يُحَقِّقَ نَجَاحَاً فِيْهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَىَ
قَنَاعَةٍ بِهِ، وَاسْتِعْدَادٍ نَفْسِيٍّ لَهُ، وَقُدْرَةٍ جَسَدِيَّةٍ عَلَى
تَحْقِيْقِهِ، والْتَّهْيِئَةُ الْنَّفْسِيَّةُ وَالْذِّهْنِيَّةُ وَالْجَسَدِيَّةُ
لِلْعَمَلِ الْصَّالِحِ فِيْ رَمَضَانَ قَبْلَ دُخُوْلِهِ سَبَبٌ لِقُوَّةِ
الْعَزْمِ فِيهِ، وَالْجِدِّ فِيْ اسْتِثْمَارِهِ، وَالاجْتِهَادِ فِيْ أَنْوَاعِ
الطَّاعَاتِ.
وَمِنَ الْتَّهْيِئَةِ الْنَّفْسِيَّةِ
إِزَالةُ مَا يَشْغَلُ الْنَّفْسَ، وَيُقْلِقُ الْفِكْرَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ
مِنْهُ فَيُؤَجَّلُ إِلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ، وَمما ينبغي تَعْطِيْلُ
المَجَالِسِ وَالدَّورِيَّاتِ الَّتِيْ لَا تَخْلُوا مِنْ قِيْلٍ وَقَالٍ وَلَغْوِ
الْكَلَامِ، وَجَعْلُ هَذَا الْتَّخْفِيفِ لِأَجْلِ اسْتِثْمَارِ الْشَّهْرِ
الْكَرِيمِ، وَإِقْنَاعُ الْنَفْسِ أَنَّ رَمَضَانَ مَوْسِمٌ إِنْ فَاتَ الرِّبْحُ
فِيْهِ فَلَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ، وَأَنَّهُ أَيَّامٌ مَعْدُوْدَاتٌ سُرْعَانَ
مَا تَنْقَضِي كَمَا انْقَضَى فِيْ سَالِفِ الْأَعْوَامِ، وَأَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ
هَذَا الْرَّمَضَانَ فَقَدْ لَا يُدْرِكُ رَمَضَانَ الْقَابِلَ، وَكَمْ فِيْ
الْقُبُوْرِ مِنْ أُنَاسٍ صَامُوا رَمَضَانَ الْفَائِتَ ولن يدركوه هذا العام.
وَقَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ عَقْدُ الْعَزْمِ
عَلَى الْبُعْدِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُلْهِيَاتِ؛ فَإِنَّ مُوَاقَعَةَ المُحَرَّمِ
سَبَبٌ لِلصُدُودِ عَنِ الْطَّاعَةِ وَاسْتِثْقَالِهَا.
إِنَّ هَذِهِ الْتَّهْيِّئَةَ الْنَّفْسِيَّةَ
تُقْنِعُهُ بِأَهَمِّيَّةِ رَمَضَانَ، وَخَشْيَةِ فَوَاتِ فَضْلِهِ، وَقَدْ قَالَ
الْنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ
ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ»رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ.
وَمِنَ الْتَّهْيِّئَةِ الْذِّهْنِيَّةِ
لرمضان الانْكِبَابُ قُبَيْلَ دُخُوْلِ الْشَّهْرِ عَلَى قِرَاءَةِ فَضَائِلِ
رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، وَفَضَائِلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ،
وَفَضَائِلِ الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ، وَفَضَائِلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَتُدْبُّرِ
مَا وَرَدَ فِيْ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْآَيَاتِ وَالْأَحَادِيْثِ، وَمَعْرِفَةِ
مَا فِيْهَا مِنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ فَضْلِ ذَلِكَ تُحْفِزُ
الْنَفْسَ إِلَى تَحْصِيْلِهِ، وَعَدَمِ إِضَاعَةِ شَيْءٍ مِنْهُ.
فَحَرِيٌّ بِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِزَ نَفْسَهُ
عَلَى الْعَمَلِ الْصَّالِحِ أَنْ يُطَالِعَ ما كتبه أهل العلم في ذلك قَبْلَ
دُخُوْلِ الْشَّهْرِ؛ لِيَكُوْنَ فِيْ شَوْقٍ بَالِغٍ إِلَى تَحْصِيْلِ هَذِهِ
الْأُجُورِ الْعَظِيمَةِ، وَلْيُطَالِعْ حَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي
رَمَضَانَ، وَحَالَ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَلَعَلَّهُ يَتَأَسَّى بِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ الْتَنَافُسُ بَيْنَ
الْأَسْوَاقِ مَحْمُوْمَاً، وَكُلُّ سُوْقٍ فِيْ مُقْتَبَلِ رَمَضَانَ يُرَغِّبُ
الْزَّبَائِنَ فِيْ الْشِّرَاءِ مِنْهُ دُوْنَ غَيْرِهِ بِإِصْدَارِ قَوَائِمِ الْبَضَائِعِ
المُخَفَّضَةِ، وَالْنَّاسُ يَخْتَارُوْنَ مَا كَانَ أَقَلَّ سِعْرَاً لِيُوَفِّرُوا
شَيْئَاً مِنَ المَالِ، وَيُولُوْنَ ذَلِكَ عِنَايَةً فَائِقَةً، فَلَأَنْ
يَعْتَنِيَ الْنَّاسُ بسوق الآخرة فهو أزكى لهم.. لأنها السوق الحقيقة .. وفيها
الربح والخسارة صدقاً.
وَمِنَ الْتَّهْيِئَةِ الْجَسَدِيَّةِ
لِاسْتِثْمَارِ رَمَضَانَ تَرْوِيْضُ الْنَّفْسِ قَبْلَ دُخُوْلِ رَمَضَانَ عَلَى
الْتَّبْكِيْرِ لِلْمَسْجِدِ، وَالمُكْثِ فِيْهِ طَوِيْلَاً قَبْلَ الْصَّلَاةِ
وَبَعْدَهَا، وَالُمحَافَظَةِ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ
الْذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ، وَكَثْرَةِ الْصْوَمِ فِيْ شَعْبَانَ؛ حَتَّى
لَا يَدْخُلَ رَمَضَانُ إِلَّا وَقَدْ رَوَّضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجِدِّ فِي
الطَّاعَاتِ، وَالمُنَافَسَةِ فِي اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ.
وَمِنَ الْتَّهْيِئَةِ الْبَدَنِيَّةِ
الْتَخَفُّفُ مِنَ الْصَّوَارِفِ وَالَمَشَاغِلِ، وَسُرْعَةُ إِنْجَازِهَا قَبْلَ
دُخُوْلِ الْشَّهْرِ، وَتَأْجِيلُ مَا لَا يُمْكِنُ إِنْجَازُهُ، وَتَوْفِيْرُ مَا
يَحْتَاجُهُ الْبَيْتُ لِلْصِّيامِ وَلِلْعِيدِ قَبْلَ دُخُوْلِ رَمَضَانَ؛
لِيَبْتَعِدَ عَنِ الْأَسْوَاقِ وَلَغَطِهَا وَمُنْكَرَاتِهَا طِيْلَةَ الشَهْرِ؛ لِيَتَفْرَّغَ
لِعِبَادَةِ الله تَعَالَى فِيْ رَمَضَانَ كُلِّهِ، فَلَا يُضَيِّعُ مِنْهُ شَيْئَاً
أَبَدَاً.
فالْلَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ،
وَسَلِّمْهُ لَنَا، وَسَلِّمْنَا لَهُ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مُتَقَبَّلَاً..
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك
والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه
أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.
عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل
والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون,
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر,
والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق