الخسوف الجمعة 21/1/1432هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: ففِي الأُسْبُوع المنصرم وَبَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْسَبْتِ حَصَلَ خسُوفٌ للْقَمَرِ , كَانَ قَدْ بَدَأَ قَبْلَ الْغُرُوبِ , وَلَكِنْ لَمْ يُشَاهَدْ فِي الْمَمْلَكَةِ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ , وَقَدْ حَصَلَ تَفَاوُتٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي رَدَّةِ الْفِعْلِ لِهَذَا التَّغَيُّرِ الْكَوْنِيِّ : فَمِنْهُمْ مَنْ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ وَقَدْ أَحْسَنَ هَؤُلاءِ !
وَمِن النَّاسِ مَنْ بَقِيَ فِي حَيَاتِهِ اليَوْمِيِّةِ الْمُعْتَادَةِ إِمَّا جَهْلاً أَوْ تَجَاهُلاً , فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ الْحَدَثُ , بَلْ كَأَنَّ شَيْئَاً لَمْ يَكُنْ , بَلْ رُبَّمَا وُجِدَ مَنْ كَانَ يُبَارِزُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَعْصِيَةِ أَثْنَاءَ الْكُسُوفِ , بَلْ وُجِدَ مِن النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : لا دَاعِيَ الآنَ للصَّلاةِ فَبِالتَّطَوُّرِ الْعِلْمِيِّ عَرَفْنَا مَتَّى يُخسَفُ الْقَمَرُ وَمَتَّى يَنْتَهِي بِالضَبْطِ , فَسَوَاءٌ صَلَيَّنَا أَمْ لَمْ نُصَلِّ سَوْفَ يَتَجَلَّى الْخُسُوفُ ! فَلْنَبْقَ نَتَمَتَّعُ بِحَيَاتِنَا وَلا دَاعِيَ لِتَخْوِيفِ الْبَشَرِيَّةِ !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. تَعَالَوْا بِنَا نَنْظُرْ كَيْفَ حَصَلَ الكُسُوفُ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ , وَكَيْفَ كَانَ مَوْقِفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَصَلَ الْكُسُوفُ فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ , يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ النَّاسُ : إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ , فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَرْكَبِهِ , وَتَوَضَّأَ , فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ , فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَخَرَجَ يَجُرُّه , فَأَتَى المَسْجِدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيه , وَبَعَثَ مُنَادِيًا : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ , وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْه  فَاجْتَمَعُوا فَتَقَدَّمَ , وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ , فَكَبَّرَ , وَجَهَرَ بِقِرَاءَتِهِ , فَقَامَ قِيَامَاً طَوِيلاً نَحْوَاً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ , حتَّى جَعَلُوا يَخِرَّونَ , وَقَالَتْ أَسْمَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدَّاً حتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ , فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَأَلْتَفِتُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَسَنُّ مِنِّي , وَإِلَى الأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي , فَقُلْتُ : إِنِّي أَحَقُّ أَنْ أَصْبِرَ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ مِنْكِ , فَأَقُومُ حتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي , ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ , فَقَالَ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمْدَهُ , رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ , ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الأُولَى , ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً هُوَ أَدْنَى مِن الرُّكُوعِ الأَوَّلِ , ثُمَّ رَفَعَ فَقَالَ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ , رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ , فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ , ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ , ثُمَّ تَأَخَّرَ وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ حتَّى انْتَهَى إِلى النِّسَاءِ , ثُمَّ تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمُ النَّاسُ مَعَهُ , حتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي فِي سُجُودِهِ , وَيَنْفُخُ , وَيَقُولُ :" رَبِّ لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ ! رَبِّ لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَأَنَا فِيهِم ! " ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ , ثُمَّ تَشَهَّدَ , ثُمَّ سَلَّمَ !
فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ أَطْوَلُ , ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ , فَحَمْدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما الشَّمْسُ وَالقَمَرُ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ اللهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ , فِإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئَاً مِن ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلى الصَّلاةِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ حتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ وَتَصَدَّقُوا , قَالَتْ أَسْمَاءُ : وَأَمَرَ بِالعَتَاقَةِ , قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئَاً فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ ؟
فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ , ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُم الصَّلاةَ : الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ ! فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ! " مَا مِن شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضَاً , وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا , وَجَعَلْتُ أَنْفُخُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرُّهَا , وَرَأَيْتُ فِيهَا سَارِقَ بَدَنَتَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بنَ لُحَيٍّ يَجُرَ قُصْبَهُ (يعني أمعاءه) , وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ , وَرَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا , وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرْضِ حتَّى مَاتَتْ جُوعَاً , وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" ! قَالُوا : بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : "بِكُفْرِهِنَّ" قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاللهِ ؟ قَالَ "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ ؛ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئَاً قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرَاً قَطُّ , ثُمَّ جِيءَ بِالجَنَّةِ , وَعُرِضَتْ عَلَيَّ , وَقَدْ دَنَتْ مِنِّي حتَّى لَو اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا حتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفَاً مِن الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ , ثُمَّ بَدَا لِي أَلَّا أَفْعَل فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ , وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ! وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَاً مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ , يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَو الْمُوَفَّقُ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا , فَيُقَالُ : نَمْ صَالِحَاً , عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنَا , وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَو الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ : لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئَاً فَقُلْتُهُ , ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مّحَمَّدٍ , وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِن اللهِ أَنْ يَزْنِي عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِي أَمَتُهُ , يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمْونَ مَا أَعْلَمْ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرَاً , ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ! "
 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..  هكذا كان حال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حال الكسوف والخسوف ْفَزَع وصَّلاة, فَاللَائِقُ بِنَا أن نقتدي برسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفْعَلَ فِعْلَه , وَأَنْ نُظْهِرَ الْخَوْفَ مِن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ يَرَى اللهُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِنَا , حتَّى لَوْ تَصَنَّعَ الإِنْسَانُ ذَلِكَ , أَيْ خَوَّفَ نَفْسَهُ وَحَدَّثَهَا بِأَنْ تَخْشَى عُقُوبَةَ الله ِفَهَذَا جَائِزٌ بَلْ مَطْلُوبٌ !
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَنَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهَما مِن الْعِلْمِ وَالإِيمانِ وَالْحِكْمَةِ !
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ , اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ الهَادِي الْبَشيرِ والسِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابِهِ وَزَوْجَاتِهِ وَعَلَى مَنْ عَلَى طَرِيقِهِم يَسِيرُ وَسَلِّمْ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً .
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ أَو القَمَرِ سَبَبَيْنِ : حِسِّيٌّ وَشَرْعِيٌّ , فَأَمَّا الْحِسِّيُّ : فَفِي كُسُوفِ القَمَرِ تَحُولُ الأَرْضُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَبَيْنَ القَمَرِ فَلا يَعْكِسُ ضَوْءَ الشَّمْسِ وَلذَلِكَ يُظْلِمُ , لأَنَّهُ جِسْمٌ عَاكِسٌ وَلَيْسَ مُشِعَّاً , وَأَمَّا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فَيَحُولُ القَمَرُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَبَيْنَ الأَرْضِ فَلا تَصِلُ أَشِعَّتُهَا للأَرْضِ فَيَحْصُلُ ضَعْفٌ فِي نُورِهَا.
وَهَذِهِ الْمَعْلُومَاتَ قَدْ عَرَفَهَا عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ مِن أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ , وَذَكَرُوهَا فِي مُؤَلَّفَاتِهِم , فَلَيْسَتْ وَليدَةَ الْيَومِ كَمَا يُدَنْدِنُ حَوْلَهُ بعض الكتاب.
وَأَمَّا السَبَبُ الشَّرْعِيُّ : فُهُوَ أَنَّ اللهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ إِذَا حَصَلَ مِنْهُمْ مَعَاصٍ إِمَّا بِفِعْلِ مُحَرَّمَاتٍ أَوْ تَرِكِ وَاجِبَاتٍ !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إِذَا حَصَلَ كُسُوفٌ لِلشَّمْسِ أَو للْقَمَرِ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لَنَا عِدَّةُ أُمُورِ : فَمِنَهَا الدُّعَاءُ , وَالتَّكْبِيرُ , والاسْتِغْفَارُ , وَالصَدَقَةُ , وَالعِتْقُ , وَالصَّلاةُ , وَالذِّكْرُ !
فالدعاء أن نَدْعُوا اللهَ أَنْ يَكْشِفَ مَا حَصَلَ مِن الكُسُوفِ , وَنَقُولُ : اللهُ أَكْبَرُ , وَنُكْثِرُ مِنْهَا , وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ , وَنَتَصَدَّقُ وَلَوْ بِالقَلِيلِ تَقَرُّبَاً إِلَى اللهِ وَاسْتِدْفَاعَاً لِهَذَا الذِي حَصَلَ فَإِنَّ صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ , وَنُصَلِّي صَلاةَ الكُسُوفِ الْمَعْرُوفةِ , فَي الْمَسَاجِدِ , وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فَي الجَوَامِعِ تَكْثِيراً لَلْعَدَدِ وَإِظْهَاراً لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ لَكَانَ أَوْلَى , وَيَنَادِي المُؤَذِّنُ فَي مُكَبِّرِ المَسْجِدِ قَائِلاً : الصَّلاةُ جَامِعَةٌ ! وَيُكَرِّرُ بِقَدْرِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ سَمَاعَ النَّاسِ ! وَتُصَلَّى رَكْعَتَينِ جَهْرِيَّتَينِ بِرُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ.
فَإِنْ انْقَضَتِ الصَّلاةُ وَلَمْ يَتَجَلَّ الكُسُوفُ فَإِنَّ الصَّلاةَ لا تُكَرَّر ُبَلْ يُكْتَفَى بِالصَلاةِ الأُولَى , وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ أَوْ بَعْضُهَا قَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا , وَمَنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ الأَوَّلُ مِن الرَّكْعَةِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ حتَّى لَوْ أَدَرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي , لأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِي سُنَّةٌ وَأَمَّا الرُّكْنٌ فَهُوَ الرُّكُوعُ الأَوَّلُ !
وَيَجُوزُ للنِّسَاءِ الْحُضُورُ للْمَسَاجِدِ لصَلاةِ الكُسُوفِ وَيَجُوزُ لَهُنَّ صَلاةُ الكُسُوفِ فِي بُيُوتِهِنَّ وَهَذَا أَفْضَلُ , وَيَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ أَنْ يُصِلٍّيهَا ولو وَحْدَه !
أَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّه وَكَرَمِهِ أَنْ يَرْزُقَنَا خَشْيَتَهُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ الذِي يُرْضِيهِ عَنَّا !
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة