إنها لإحدى الكبر (الخمر) الجمعة 26/4/1434هـ
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله
فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً}, (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد:
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ما زالت وسائل الإعلام تطالعنا بين
الفينة والأخرى بأخبار القبض على مصانع سرية لصناعة الخمور, أو القبض على مروجيها,
وفي كل مرة يتم القبض فيها على أولئك يكون بحوزتهم كميات كبيرة جداً من هذه
الخبائث, وصناعة هذه الكميات الكبيرة من الخمور لم تكن لولا وجود زبائن كثر لهذه
السموم من أبناء الإسلام.
فالخمر مذهبة لعقل
الإنسان، يستوي الإنسان عند شربها بالبهائم، ويفعل ما لا يمكن أن يفعله حال صحوه
قبل شربها، لهذا حرمها الله ورفضتها الفطرة السوية، فالإنسان السوي عندما يرى ما
تفعله الخمر بشاربها فإنه ينفر منها حتى ولو لم يعلم تحريمها، يروي ابن كثير أن
قيس بن عاصم المنقري كان شراباً للخمر مولعاً بها، وكان من أشراف قومه, فسكر ذات
يوم في الجاهلية، فغمز عكنة ابنته وهو سكران، وشتم والديه وأعطى الخمار مالاً
كثيراً، فلما أفاق وأخبروه بما فعل حرمها على نفسه وقال:
رأيت
الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل
الحليما
فلا
والله أشربها صحيحـاً ولا أشـفـي بـهـا
أبدًا سقيماً
ولا
أعطي بها ثمناً حياتي ولا أدعـو لها
أبـداً نديماً
فإن
الخمر تفضح شاربيها وتجنيهم بها الأمر
العظيماً
فالخمر إذا منقصة،
يدرك هذا كل ذي فطرة سوية، وقد سميت خمرا لأنها تخامر العقل وتحجبه، فهي ساترة
للعقل الذي هو ميزة الإنسان، لهذا فإنه يدخل تحت مسمى الخمر كل ما استحدث من
مسكرات ومخدرات، ومنذ قديم الزمان، تفطن إبليس إلى حيلة قذرة يُفقد بها الناسَ
عقولهم ويجعلهم يتردون في أودية التيه والضلال، فزين لهم شرب الخمر وحببها إلى
قلوبهم، كي يحول بينهم وبين دخول جنة ربهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ
ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ
وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ
أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}.
لقد حذرنا ديننا
الحنيف أيما تحذير من الخمر، بل لقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء
سيئة زيادة في التنفير منها، فسماها: أم الخبائث, وقال عنها أنها مفتاح كل شر؛
يقول صلى الله عليه وسلم: ((لا تشربوا الخمر فإنها مفتاح كل شر)) أخرجه ابن ماجه
عن أبي الدرداء، ويقول أيضا في حديث ابن عمر: ((من شرب الخمر لم تقبل له صلاة
أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن
تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه،
فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة, قالوا: يا
رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار))، هل بعد هذا التحذير تحذير؟!
وهل بعد هذا النكير نكير؟! فكيف يسمح مسلم بعد هذا أن يجعل من بطنه مكانا لهذه
المادة الخبيثة، ومن فمه ممرا لهذا الشراب المنتن؟!
لقد سمع أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم نهي الله سبحانه عن الخمر وهي في أيديهم وعلى شفاههم
فأقلعوا عنها وتابوا منها، بل وأهرقوها فورا ولم يسعوا حتى إلى التأكد من التحريم
أو الاحتفاظ بها لعلهم يستفيدون منها بشيء، عن أنس قال: ما كان لأهل المدينة شراب
حيث حرمت الخمر أعجب إليهم من التمر والبسر؛ فإني لأسقي أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهم عند أبي طلحة مر رجل فقال: إن الخمر قد حرمت، ـ فما قالوا: متى؟ أو
حتى ننظر ـ قالوا: يا أنس، أهرقها. أخرجه البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح.
يا أمة محمد صلى الله
عليه وسلم.. إن شارب الخمر معرض لغضب الله سبحانه, زيادة
على ما يصيبه في هذه الدنيا من هموم وغموم وكوارث، فالعجب كل العجب ممن تحكمت فيه
الخمر ففقد صوابه، ولم يصده عنها لا آثارها الدنيوية ولا عقوباتها الأخروية.
لقد توعد الله سبحانه شارب الخمر ومدمنها بوعيد
شديد، فهو محروم من الجنة ومن خمر الجنة الذي قال الله عنه: {مَثَلُ الْجَنَّةِ
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ
وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ
لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى}، إنه خمر لذيذ ليس
كخمر الدنيا الخبيث، ذلك الخمر لم يعبأ في قوارير؛ وإنما يجري نهرا في الجنة، وعد
الله به المؤمنين الذين يدخلون الجنة، أما من أدمن الخمر في الدنيا ولم يدخل الجنة
فهو محروم من هذا، يقول صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر)) أخرجه ابن
ماجه عن أبي الدرداء، ويقول فيما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر: ((كل مسكر خمر، وكل
مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في
الآخرة)).
ومن هذا الوعيد أن
شارب الخمر يلقى الله سبحانه وتعالى كعباد الأوثان والعياذ بالله، فكما كان في
الدنيا عبدا لهذا الشراب الخبيث عاكفا عليه حشر يوم القيامة كغيره من عباد
الأوثان، يقول صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو مدمن خمر لقي الله وهو كعابد
وثن)) أخرجه الطبراني عن ابن عباس.
فاتقوا الله عباد
الله، واحذروا وساوس الشيطان وخطواته، يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ
الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ
وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
بارك الله لي ولكم
بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما قلت وأستغفر الله
لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام
على خاتم النبيين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن
إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله
عليه وسلم.. لقد حرم الله الخمر على عباده لأنه
سبحانه أعلم بما يصلحهم، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ},
ومع أننا مطالبون بالامتثال لأمر الله حتى ولو لم نعرف الحكمة من ذلك، إلا أننا
عرفنا بوجه جلي الكثير من آثار الخمر السيئة على الإنسان، فيكفي أنها تتوجه بالأذى
إلى مناط التكليف في الإنسان ومناط تكريمه ألا وهو عقله الذي فضله الله به على
باقي الخلائق، يقول سبحانه:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً
، كرم الله الإنسان بجوهرة العقل، فجاءت
الخمر لتعطل عمل هذه الجوهرة وتحرم الإنسان من هذا التكريم الإلهي, حين يشرب المرء
الخمر فإنه يغيب عن الوعي ويهذي بما يستحي من ذكره حال يقظته, وقد يقضي حاجته على
نفسه دون شعور, بالإضافة إلى صدور تصرفات منه يستحي من فعلها الأطفال.
ولعل نظرة عابرة إلى
ما أثبته المتخصصون المعاصرون من مساوئ الخمر ترينا شيئا من حكمة الباري عز وجل في
تحريمها على عباده، فقد أثبتوا أن الخمر تؤثر في أعلى مكان في مخ الإنسان، وتضر
بالكثير من خلاياه، فيكون من آثار ذلك تحلل الشخصية وضعفها. وضعف الإرادة, وشرود
الذهن, إلى غير ذلك من آثار، كما أنها تسبب في الكثير من الأمراض، وتضر بالكثير من
أجهزة الإنسان إضافة إلى المخ كالقلب والأوعية الدموية والكبد والكليتين والحلق
وغيرها، وهكذا الإنسان إذا ابتعد عن هدى الله سبحانه واتبع خطوات الشيطان ارتكست
فطرته وأقدم على ما يضره، وها نحن نرى مآسي الخمر من حوادث سير وجرائم قتل وغير
ذلك مما يصيب الناس إذا هم عصوا أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا زال
الكثير من شبابنا يحتسي هذا الشراب الخبيث فيدفعه إلى ارتكاب عظائم الأمور، حتى
إذا ذهبت سكرته وعادت فكرته وجد نفسه في حال لا تسر صديقا ولا عدوا.
هذا هو أثر الخمر على
عقل الإنسان وتفكيره، وهذا هو صنيعها بالإنسان، تنحط به إلى درك يأنف كل عاقل أن
ينحدر إليه، وكيف لا يكون هذا أثرها وهي تطرد الإيمان من قلب المؤمن؟! يقول صلى
الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها
وهو مؤمن))، روى البيهقي بإسناد صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال:
(اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس
فأحبته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فجاء البيت ودخل معها
فكانت كلما دخل بابا أغلقته دونه, حتى وصل إلى امرأة وضيئة (أي حسناء جميلة) جالسة
عندها غلام وإناء خمر فقالت له إنها ما دعته لشهادة وإنما دعته ليقع عليها أو يقتل
الغلام أو يشرب الخمر فلما رأى أنه لابد له من أحد هذه الأمور تهاون بالخمر فشربه
فسكر ثم زنى بالمرأة وقتل الغلام) قال أمير المؤمنين عثمان: (فاجتنبوا الخمر فإنها
لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه).
لقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر
عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها
والمشتري لها والمشتراة له, قال في الترغيب: رواته ثقات.
لقد أمر الله تعالى
باجتناب الخمر، واجتنابها أعظم من النهي عن شربها لأن الاجتناب يشمل النهي عن
الشرب ويشمل أيضاً مخالطة من يشرب، وقد جاء في سنن الترمذي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر)).
فلنحذر ـ إخوة
الإيمان ـ على أنفسنا وعلى أبنائنا وإخواننا من هذه الآفة الخطيرة التي إذا هجمت
فتكت، فكم هدمت من بيوت، وكم خربت من ديار، وكم شردت من أناس.
فاللهم جنبنا الفتن
ما ظهر منها وما بطن.
يا أمة محمد صلى الله
عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة
على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها
مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
عباد الله .. إن الله
يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم
لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر
الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق