الذكر الحسن بعد الموت الجمعة 22/2/1434هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: حقيقة قرَّرها الرؤوفُ الوَدودُ ، ومُسلَّمةٌ لا يُماري فيها كلُّ موجود.
تقول هذه الحقيقة :{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
الكلُّ راحِلٌ عن هذه الدارِ، والجميعُ سائرٌ إلى دارِ القرارِ،فإما إلى جنةٍ وإما إلى نارٍ.
لن نتحدثَ عن هذه الحقيقةِ المستقرَّة ، وإنما سيكونُ الحديثُ عن شأنِ هذا الرحيلِ ، وماذا سَيُقالُ عنكَ يا كلَّ راحلٍ .
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إنَّ الحرصَ على الموتِ الحميدِ أمنيةٌ طلبها الأنبياءُ ، فهذا يوسف عليه السلام دعا ربَّه (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) ، وسعى لها الصالحونَ حقَّ سعيها ، بهمَّةٍ عاليةٍ ، ونفوسٍ توَّاقةٍ ، فكانت أعمارُهم مَلْئَ بالطاعاتِ والقرباتِ ، وجوارحُهم مصانةٌ عن الآثامِ والحرمات , فاللهم إنا نسألك حسن الختام.
إن الموتَ الحميدَ هو توفيقٍ من اللهِ وفَضْلٍ ، ولكنَّه يُصنعُ ويُعَدُ بالعَمَلِ ، وقد جَعَلَ اللهُ لكلِّ شي سبباً .
فيا أيها المبارك اصنعْ لنفسِك مِيْتَةً صالحةً .. بالإقبالِ على الطاعاتِ ، والثباتِ عليها، نافسْ في كلِّ خَيرٍ، وزَاحِمْ نَحْوَ كلِّ مَعروفٍ، واضرِبْ بسَهْم في كلِّ بر, وكن كما قال كليمُ الرحمن ( وعَجِلْتُ إليك ربِّ لترضى)
كن كذلك حتى يجيء وأجلُك ، ( واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقين )
فالتاريخُ والواقعُ يَشهدُ أنَّ من عاشَ على شيءٍ ماتَ عليه .
المِيْتَةُ الحَسَنَةُ ـ جعلنا الله من أهلها ـ تُصنعُ قبل الموتِ بمعرفةِ اللهِ وإجلالِه، وتعظيمه في الخلواتِ والجَلَوَاتِ، ومن وحي النبوة : أنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ في رخائِه عَرَفَهُ ربُّه في شدَّتِه وبلائِه ، وأي شدَّةٍ أشدُّ من ودَاَعِ هذا الدارِ .
فَلْيُبْشِرْ أهلُ التقوى والإيمانِ الذين (قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا) ببشائرِ ملائكةِ الرحمنِ تُزفُّ إليهم ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)
من مقدِّماتِ المِيْتَةِ الحسنةِ أن يُوفَّق العبدُ قبلَ رحيله إلى أعمالٍ صالحةٍ يُخْتَمُ له بها ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً عَسَّلَه) قيل : وما عسَّله ؟ قال: (يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ) حديث صحيح رواه الإمامُ أحمد.
بِشَارةُ خَيْرٍ ، وعلامةُ توفيقٍ أن يُثنى عليك بعد رحيلك ، ( والناس شهداء الله في أرضه ) قالها المصطفى صلى الله عليه وسلم .
إنَّ الثناءَ الحسنِ بعد الرحيلِ ، والذكرَ الجميل منحةٌ إلهيةٌ يَهَبُها المولى سبحانه لمنْ يَشاءُ من عبادِه .
وحينَ نُقلِّبُ تاريخنا الغابِرْ، نَجِدُ الذَّاكرةَ متخمةً بأسماءٍ لامعة ، إذا ذُكروا ذُكر معهم الثناءُ العاطرُ، والذِّكرُ الحسنُ، والدُّعاءُ بالرحمةِ والمغفرةِ.
إذا ذُكر الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، قيل: إمامُ أهلِ السُّنةِ والجماعة .
وإذا قيل: أحمدُ بنُ تيمية ، لا يُعْرَفُ إلا بشيخِ الإسلامِ .
وإذا ذُكرَ صلاحُ الدينِ ، قيلَ: قاهِرُ الصليبيِّينَ ، ومُحرِّر أُولَى القبلتين .
وإذا ذُكرَ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب ، استحقَّ أن يُقال: الإمامُ المجدِّد.
أعلامٌ وعُظماءُ غُيِّبوا في الثَّرى، لكنْ ما غَابَ ذِكْرُهم، وما مُحِيَ أثرهم، بل إنَّ ذكْرَهم بعد مَماتِهم أكثرُ من ذِكرِ كثيرٍ من الأحياء، وذلك فضلُ اللهِ يُؤتِيه من يشاء.
إن الذِّكرَ الحسنَ في الدنيا ليس بكثرةِ المُكْث فيها، وإنَّما بقدْر الأثرِ عليها.
لقد عاش في هذه الدار رجالاتٌ ماتوا وهم في زَهرة شبابِهم، لكنْ بقي ذِكْرُهم أزمانًا ودهورًا إلى يومنا هذا، قلِّب نظرك في مسارب التاريخ ترَ أسماءً لامعة، وأنجُماً سامقة، أفلَتْ وهم في عنفوانِ أعمارِهم وشبابِهم:
سعدُ بنُ معاذٍ - سيِّدُ الأوسِ - توُفِّيَ وعمرُه ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً، ولكنه رحل بعد أن قدَّم أعمالاً كثيرة جليلة للإسلام تُذْكر فتشكر.
عمرُ بنُ عبدِ العزيز، الإمامُ العادلُ الزَّاهدُ ، ومن مِنَّا يَجهلُ ابنُ عبد العزيز ؟ توفِّي ولَما يبلغِ الأربعين.
عملاقُ النَّحوِ سِيْبَويه، توفِّيَ وعمرُه ثلاثٌ وثلاثون.
وماتَ النوويُّ وهو ابنُ أربعٍ وأربعينَ، ولكنْ كتَب اللهُ لمؤلَّفاتِه من القبولِ والخلودِ ما جَعَلَ ذِكْرُه يُسطَّر في كل زمان ومكان.
فالناس شهداء الله في أرضه...
نعم ... سيشهدُ العبادُ بالخيرِ ، لِمن كان في دنياه من أهلِ الخير.
الشهادةُ بالخيرِ تُزَفُّ لِمن كان في دنياه من عُمَّارِ المساجدِ، المذكورين بالصَّلاحِ والدعوةِ والإصلاحِ.
الذِكْرُ الطَّيِّبُ هو لمن رحل عن هذه الدار بعد أن أسَّس بيتًا من التَّقوى، وخلف وراءه أثرًا له؛ من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
السمعةُ الحسنةُ جَديرٌ بها من نشأ في طاعة الله، وتربَّى في بيوت الله، مع كتاب الله؛ حفظًا وتلاوة وتدبُّرًا.
الشهادةُ بالخيرِ يستحِقُّها مَن أحبته المجالس ، وانفهقت له الأرواح لأنه قد خالَق الناس بخُلق حسن، فعاش سعيدًا، ومات حميدًا.
الصِّيْتُ الطَّيِّبُ قَمِنٌ بهِ من كان عفيفَ اللِّسان، سمْحَ النفس، دَمِثَ المعاملة، قد سلم المسلمون من لسانه ويده .
      فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا = فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِ
وإن مما ينبغي التنبيه عليه أن لا يكون عمل الإنسان للصالحات ليحصل الذكر الحسن بعد الممات, فإن ذلك رياء وشرك أصغر أو أكبر بحسب نية فاعله, لكن الإنسان يعمل الصالحات خالصة لربه, والثناء الحسن يكون مكافأة لعمله من ربه جل وعلا, وذلك عاجل بشرى المؤمن.
بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى, وصلاة وسلامًا على عبده المصطفى, وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.
أما بعد: فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. فإن من علاماتِ الشَّقاء ، والنَّكَدِ والبلاء، أن يَرحلَ العبدَ من دنياه ، فتُشيِّعه شهادات الناس له بالسوءِ والذَّمِ .
قال عليه الصلاة والسلام : ( ومن أثنيتم عليه شرَّاً وجبت له النار (
من يُثنَى عليهم شرًّا - نعوذ بالله منهم - هم الذين غلبَتْ عليهم شقوتُهم، وأحاطت بهم خطيئتهم، وهم أصنافٌ شتَّى، تفرَّقت فعالهم، وتلوَّنت قبائحهم.
الشهادة بالشر، ستلاحق المُجرمينَ، الذين يعيثون في الأرضِ فسادًا؛ قتلاً للآمِنين، وترويعًا للمؤمنين.
الثناء بالشر ينتظر كلَّ مستبِدٍّ وطاغية، ظلَم العباد، وأفسد البلاد، وللخزائن أباد.
الشهادةُ بالسُّوء، ملتصقة بكلِّ صاحب سوء، يأمر بالمنكر ويَنهى عن المعروف، يشمئِزُّ إذا ذُكِر الله وحده، ويستبشر إذا ذُكِر الذين مِن دونه.
الشهادة بالشر، ستطوِّق الذين ظَلموا أنفسهم، فانتهكوا حدود الله، وتلصَّصوا على مَحارم الله.
الشهادة بالشر، ستُكتب على دهاقنة الإفساد، الذين أَمطروا الأمَّة بوابلٍ من المناظر الشَّهوانية، والعفونات الفكريَّة .
وهي لأولئك المستهترين المستَخفين، الذين جعلوا مشروعَهم النَّيلَ من ثوابتِ الأمَّةِ، والتعدِّيَ على أحكامِ الشرعِ والشريعة .
وهي لأولئك الذين كان هَمُّهم وهِمَّتُهم إفسادَ المرأة المسْلِمة، والزجَّ بِها في مَجامع الرِّجال .
وهي لأولئك الذين يريدون أن يَميلوا بالمؤمنين والمؤمنات ميلاً عظيمًا.
إلى هؤلاء كلهم يُقال: اعتبروا بالتاريخ، واقرؤوا سِيَر مَن غبَر، فماذا كتب التاريخ عن دُعاة الضَّلالة ؟ وماذا نطق عن صناديد الإفساد ؟
هل بقي أثرهم حميدًا ؟ وهل ظلَّت سيرتُهم مثلاً ؟
فإلى كلِّ مفسد يحب الفساد ويسعى لتطبيعه : قل ما شئت، واصنع ما شِئت، ولكن تذكَّرْ أنَّ عليك كرامًا كاتبين، يعلمونَ ما تفعلون {سَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين}
تذكَّرْ أن التَّاريخَ لا يَرحم، وأنَّ سُوءَك وسَوْءاتِك ستَبقى مُدوَّنة، ولن تُسامِحَك الأجيال القادمة، وستَذْكرك ، ولكن ستذكرك بِمخازيك ومساويك ، وسيُقال عنك: عامَلَه الله بما يستحق، أو يُقال: لا رحِمَه الله, أو إذا ذكر اسمك على أفضل تقدير لن يترحم عليك.
كم رحل من هذه الدار، مِن طاغية وجبَّار، وأشرار وفُجَّار، فشيَّعتْهم دعواتُ الناس عليهم، وراحةُ العباد منهم! {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}.
إن العبدُ الفاجرُ يَستريحُ منه العبادُ والبلاد، والشجر والدوابُّ ، قالها المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وأخيراً ، الكلُّ سيَمضي من هذه الدار، والكل ستذكره ألسنة الخلْق، إما خيرًا أو شرًّا، فلْيَختر كلُّ امرئٍ من أي الفريقين سيكون؟ وإلى أيِّ الطريقين يسير؟ هذه حقيقة فلا نُعمي البصرَ والبصيرة عنها.
سترحل يا عبد الله، فكن ممن يستريح، ولا تكن ممن يُستراح منه.
تذكر يا من يسعى لِيُذكر في دنياه بجاهه، أو شهرته ، أو ثرائه، أنَّ الشأن هو في الذِّكر بعد الرحيل، وهل سيقال عنك: فلان فقيد؟ أم فلان موته عيد؟ {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}
سل نفسك يا عبد الله: هل سأغادر هذه الدار وقد شيَّعتْني الدموع والدعوات؟ أم سأرحل فلا أسف عليَّ ولا حسرات ؟
هذه أسئلة، والإجابة تَملكها أنت بعملك وسعيك، والموعد يوم الجنائز، والمقياس يوم تبلى السرائر{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}
فاللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم واجعل لنا لسان صدق في الآخرين، ولا تُخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة